مخاطر انحياز البقاء

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
قد يُعذَر رائد أعمال طموح لاعتقاده بإنّ الانقطاع عن الجامعة لإنشاء شركة هو مفتاح النجاح. فالأمر نجح بشكلٍ رائع مع ستيف جوبز، وبيل جيتس، ومارك زوكربيرج.
وعلى كلٍّ، فإن قصص نجاح هؤلاء العمالقة المشهورة جدًّا تعطي انطباعًا بإن النجاح في العمل يكمن في امتلاك فكرة عظيمة أثناء الجامعة والإرادة لترك الجامعة والسعي لتنفيذها. لكن المشكلة أن المنقطعين عن الجامعة لا يصبحون مليارديرات عادةً، فروّاد الأعمال الناشئين الذين انقطعوا عن الجامعة ليأسسوا شركات وفشلوا أكثر بكثير من أولئك الناجحين. وعندما تركِّز على الأشخاص الذين تركوا الدراسة ونجحوا نجاحًا مُدوّيًا، وتتجاهل المجموعة الأضخم من المنقطعين، الذين لم يصلوا إلى أيِّ شيءٍ أبدًا، فأنت إذن خاضعٌ لما يُعرَف بـ«انحياز البقاء» أو انحياز النجاة.

ماهية انحياز البقاء

فكر سنديل موليناثان (Sendhil Mullainathan) -أستاذ علوم المحاسبة والسلوكيات بجامعة شيكاجو كلية بوث لإدراة الأعمال- كثيرًا في كيفيّة تجنُّب مثل تلك المغالطات المنطقية. وقد أجرت كيتي ميلكمان (Katy Milkman) –البروفيسور بكلية وارتون جامعة بنسلفانيا مؤخرًا حوارًا مع موليناثان عن انحياز البقاء وما يمكن أن ينتج عنه من قرارات سيئة.

وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:
«أيمكنك أن توضِّح لنا ماهية انحياز البقاء؟»
تخيلي أنكِ تلقيتِ خطابًا بالبريد يقول: «مرحبًا كيتي، لديّ خدعة جديدة لاختيار الأسهم، وحيث إنني أعلم أنكِ لا تثقين بي بعد، أريد أن أقوك لكِ أن تنظري إلى أي شركة غدًا، وسوف ترتفع أسهمها».
ستقولين: «حسنًا، لا أدري.»، ولكنكِ تنظرين إليها، وقد ارتفعت، ولكن يمكن لأيٍّ كان أن يحالفه الحظ. لذا في الأسبوع التالي يصلك خطاب آخر يقول: «غدًا، أريدك أن تنظري إلى أسهم شركة جونسون، وسوف تهبط.» والآن يعتريك الفضول. فتنظرين إلى أسهم جونسون، وبالفعل تهبط. حينها تنتظرين الخطاب الثالث. ويأتي فعلًا، ويكون مصيبًا تمامًا.
عندئذٍ يقول ذلك الشخص: «إن كان يهمّك أن أكون مستشارك، عليكِ أن تتصلي بي.» هل فهمتِ الهدف وراء كل هذا؟
وهذا ما حدث فعلًا في أربعينيات القرن الماضي أو ربما الثلاثينيات. حيثُ أرسلوا بضع تخمينات عشوائية لـ10.000 شخص. وكانوا على صواب نصف الوقت. حينئذٍ، يرسلون لهؤلاء الأشخاص، الذين وصلهم التخمينات الصحيحة، بضع تخمينات عشوائية أخرى، التي يكون نصفها على صواب.
وعندما تبدأ بـ10.000، بعد أربع تخمينات، تكون قسّمت المجموع على 16، وهو ما يزال عددًا كبيرًا جدًّا من الناس الذين يعتقدون الآن أنّك مدهش. وهنا ما تعانيه تلك الفئة من الناس هو انحياز البقاء. فهم مجموعة الأشخاص التي كان مصيرها البقاء، وهكذا فإنّهم يصدّقون الآن ذلك المعتقد الخاطئ تمامًا.
انحياز البقاء هو خطأ ينتج عن النظر للبيانات الحالية لدينا، ولكن مع تجاهل مراحل الاختيار التي أدّت إلى تلك البيانات. ينطبق هذا المبدأ في مواضع عدّة، وخاصةً على الأشخاص مثلي ومثلك.

تطبيقات انحياز البقاء

«فلتتحدث أكثر عن ذلك المبدأ. كيف ينطبق علينا، تحديدًا؟»
عندما يمر أي شخص بمجموعة أحداث إيجابية وموفّقة، التي تقوده للنجاح في حياته، فهو لا يعتقد أنه من الأشخاص الذين صادفوا أن كان تخمين الشركة الذي وصلهم مصيبًا، ثم صادف أن كان تخمين شركة جونسون مصيبًا أيضًا. بل يعتقد أنه من الأشخاص الموهوبين.

«أنا أعتقد أنني محظوظة جدًّا فعلًا.»
أجل، ولكن من السهل أن نعتقد أننا محظوظون لتلك الدرجة. أشك أننا ما زلنا نعتقد أننا أكثر حظًّا من ذواتنا التي لم تغتنم نفس الفرص.

«أنا متيقنة من صحة ذلك. ومع ذلك ننصح وكأننا نعرف بدقة كيفية النجاح.»
انظري إلى المليارديرات. لا يقول أحدُ: «ذلك شخص كسب بطاقة يانصيب.» ويقول الناس: «أودّ أن ينصحني ذلك الشخص.»
لذا أعتقد أن انحياز البقاء يلوّن طريقة نظرنا للعالم فعلًا، لإنّه يقودنا إلى النظر لهذه الأحداث المُنتقاة بعناية، ثم يفترض استنتاجات ويقول: «ذاك المدير وذاك الشخص حتمًا بارعان.»

«هل هناك طرقٌ أخرى يمكن أن ننحاز بها عندما نرى مجرد عينات فرعية مختارة من البيانات؟»
لقد مضيتُ أنا وزملائي وقتًا طويلًا في تمعن اتخاذ القرارات الطبية. فلنقل أنّكِ دخلتِ حجرة طوارئ؛ قد تكونين مصابة بنوبة قلبية أو لا تكونين. إذا فحصتكِ فسأعلم ما إذا كنت أتخذ قرارًا صائبًا أم لا. ولكن إن قلت: «هذا مستبعَد، لهذا سأعيدها لبيتها وكفى.»، وهذا هو ما يكاد يكون مضادًا لانحياز البقاء، فلن يكون بمقدوري أبدًا أن أعلم إن كان ما قررته صائبًا. وهذا الأمر شائع جدًّا، ليس في الطب وحسب بل في كل مهنة.

وبالمثل، أظهر بحثًا أن الأشخاص الذين تعرضوا لحوادث سيارات أكثر عرضة للإصابة بالسرطان أيضًا. كان ذلك محيّرًا إلى حدٍ ما إلى أن تُفَكِر: «مهلًا، على من نقيس السرطان؟» إننا لا نقيسه على الجميع، بل على من قد اُختُبِروا. ومن نختبر؟ نختبر من بالمستشفيات. إذن فإنّ شخصًا ما يذهب إلى المستشفى من جرّاء حادث سيارة، ثم أُجري له مسحًا بالرنين واكتشف ورمًا. والآن نستدل من ذلك على احتمالية زيادة حوادث السيارات من مرحلة تطور الأورام. إذن فأيُّ شيء يسبب دخولك للمستشفيات يرفع من «احتمال إصابتك بالسرطان»، ولكنّ ذلك ليس احتمال إصابتك بالسرطان الفعليّ.

هذا واحد من أمثلتي المفضلة، لأنّه يوضح فعلًا كيف أننا حتى مع شيء كالسرطان، لا نقيسه حقيقةً بدون تحيُّز الاختيار، لأننا نقيسه على مجموعة فرعية فقط من المجموع الكلي.

تجنب انحياز البقاء

«كيف يمكن أن يتجنب الناس الوقوع فريسة لمثل هذه التحيّزات؟»
انظر لحياتك وحيث تتلقى النتائج، واسأل نفسك: «هل تلك النتيجة مُنتقاة، أم أنها صريحة؟»

وأيًّا كان الإدعاء، قد تكون «أنا لست جيدًا في شيء.» أو «واو! معدل الإصابة لدينا مرتفع» أو أي نوع من التقييم- فكّر حينها في مصدر تلك البيانات. ربما تكون نجاحاتك السابقة. وهذا هو المفتاح: فكّر فيما تكون المراحل التي أنتجت البيانات. ما هي كل الأشياء الأخرى التي قد تكون حدثت وربما لم أقيسها.

وبعبارةٍ أخرى، إن قلت: «إنني بارع في إجراء مقابلات العمل.»

فسوف تقول: «حسنًا إذن، بناءً على أي بيانات؟»

«لِأن من أوظّفهم عظماء»

فتستطيع أن ترد: «هل أخذت بعين الاعتبار من لم توظّفهم؟»

فالأمر بسيط جدًّا، حيث عليك فقط أن تسأل: ما هي البيانات الغائبة؟

فريق الإعداد

ترجمة: أمنية عادل
مراجعة علمية: ماريا عبد المسيح
تدقيق لغوي: مهند ماهر
تحرير: داليا شافعي السيد

المصادر

المصدر: The Perils of “Survivorship Bias”
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments