المرأة والاقتصاد – هل يؤثر الفكر النسوي في علم الاقتصاد؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
|

على مدى النصف الأخير من القرن الماضي، غير الاقتصاديون النسويون (Feminist Economists) فهمنا لكيفية عمل الاقتصاد العالمي. فقد انتقدوا عمى النوع الجنسي للنماذج الاقتصادية التقليدية، وطعنوا في الوصف التحليلي للتنمية والعولمة اللذان يتجاهلان الكثير من النشاط الاقتصادي للمرأة، حيث طور الاقتصاديون النسويون أُطر تحليلية لفحص العلاقات بين الجنسين التي تتخلل المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك الأسواق والحكومات والأُسر والشركات. وقد أنتجت تلك الدراسات منهجيات جديدة تتضمن تجارب المرأة في النماذج الاقتصادية والإحصاءات وتقييم الظواهر الاقتصادية. وقد دفعت أبحاثهم حدود المعرفة بتحدي النماذج والمفاهيم والأفكار والفئات التقليدية التي كانت متأصلة ونادرًا ما يتم تدقيقها.[1]

الاقتصاد النسوي

الاقتصاد النسوي هو دراسة نقدية لعلم الاقتصاد والنظم الاقتصادية، مع التركيز على النوع والتحليلات الاقتصادية الشاملة والتحليلات السياسية فنرى أن تركيز الكثير من الأبحاث الاقتصادية النسائية على الموضوعات التي تم إهمالها في هذا المجال، مثل أعمال الرعاية، أو النظريات الاقتصادية التي يمكن تحسينها من خلال دمج أفضل للتأثيرات والتفاعلات بين الجنسين، مثل الأجور المدفوعة وغير المدفوعة فى قطاعات الاقتصاد[1]. في حين ركز الاقتصاد التقليدي على الأسواق والأفكار المرتبطة بالذكور المتمثلة في الاستقلالية والتجرد والمنطق، ويدعو الاقتصاديون النسويون إلى استكشاف شامل للحياة الاقتصادية، بما في ذلك موضوعات مثل اقتصاديات الأسرة، ودراسة أهمية الروابط  والوضوح  والعاطفة في شرح الظواهر الاقتصادية[2]. وقد ساعد إدراج مثل هذه المواضيع في وضع سياسات حدّت من التمييز والظلم وعدم المساواة بين الجنسين والعنصرية والعرقية، مما أدى إلى تحقيق الأهداف المعيارية الأساسية لجميع الاقتصاديات[1].

ومن منظور آخر يمكن اعتبار الاقتصاد النسوي مجال يتضمن كلًا من الدراسات حول أدوار الجنسين في الاقتصاد من منظور تحريري وعمل نقدي موجه نحو التحيز في محتوى ومنهجية علم الاقتصاد بتحديه التحليلات الاقتصادية التي تعامل المرأة على أنها غير مرئية، أو تعمل على تعزيز المواقف الظالمة للمرأة، وتطور أبحاثًا مبتكرة مصممة للتغلب على هذه الإخفاقات. ويشير علم الاقتصاد النسوي إلى كيف أن الانحيازات غير الموضوعية المتعلقة بالمواضيع والمنهجية قد أضرت بمصداقية وموضوعية أبحاث الاقتصاد وأمكانية استكشاف بدائل أكثر ملائمة[3].

تاريخ الاقتصاد النسوي

في منتصف القرن الماضي، جادل علماء الأخلاق النسوية والاقتصاديون وعلماء السياسة وعلماء النظم بأن العمل التقليدي للمرأة (مثل تربية الأطفال، ورعاية كبار السن المرضى) والمهن (مثل التمريض، والتدريس) يتم تقيمها بأقل من قيمتها بشكل منهجي[4]. في عام 1969 كتبت بيتسي واريور (Betsy Warrior) دليل العمل المنزلي (Houseworker’s Handbook)، ويقدم الكتاب حجة مقنعة بأن إنتاج واستنساخ العمل المنزلي الذي تقوم به المرأة يشكل الأساس لجميع المعاملات الاقتصادية، على الرغم من عدم تلاقيهم رواتب على تلك الأعمال وبالتالى لا يتم إدراجه في الناتج المحلي الإجمالي[5]. ووفقًا لما قالته واريور: «الاقتصاد كما هو اليوم يفتقر إلى أي أساس في الواقع لأنه يترك الأساس خارج الحياة الاقتصادية» هذا الأساس مبني على عمل المرأة؛ أولها العمل الإنجابي الذي ينتج كل عامل جديد (والسلعة الأولى وهى حليب الأم والذي يدعم كل مستهلك/ عامل جديد)؛ وثانيًا يستلزم عمل المرأة التنظيف الضروري بيئيًا، والطبخ لجعل المواد الخام قابلة للاستهلاك، والتفاوض للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والتربية. بذلك تكون صناعة المرأة المستمرة تمكن العمال من احتلال مناصب في قوة العمل، وبدون العمل والسلعة الأساسيين لن يكون هناك نشاط اقتصادي ولن نكون على قيد الحياة لمواصلة التطور[6].

يُعد كتاب مارلين وارينج (إذا عُدت النساء – If Women Counted) والذى صدر عام 1988 الوثيقة التأسيسية لأدبيات الاقتصاد النسوى. وهو نقد رائد ومنهجي لنظام الحسابات القومية، والمعايير الدولية لقياس النمو الاقتصادي، والطرق غير مدفوعة الأجر التي تعمل بها المرأة وكذلك قيمة الطبيعة التي تم استبعادهن من ما يعد مثمرًا في الاقتصاد[7].

كما هو الحال في التخصصات الأخرى، كان التركيز الأولي للاقتصاديين النسويين يتمثل في نقد النظرية والمنهجية ونهج السياسة القائمة. بدأ النقد في الاقتصاد الجزئي وأسواق العمل وانتشر في الاقتصاد الكلي والتجارة الدولية، ويمتد في نهاية المطاف إلى جميع مجالات التحليل الاقتصادي التقليدي[4]. دافع الاقتصاديون النسويون عن النظرية والتحليل النوعيين، وسعوا من التركيز على الاقتصاد إلى التعددية في المنهجية وطرق البحث. وبحلول التسعينات، أصبح علم الاقتصاد النسوي معترفًا به بشكل كبير كحقل ثانوي راسخ في الاقتصاد من أجل توفير فرص نشر الكتب والمقالات للباحثين[8]. بالأضافة إلى وجود عدد صغير، ولكن متزايد من برامج الدراسات العليا في جميع أنحاء العالم تقدم دورات وتركز فيها على الاقتصاد النسوي مثل جامعة ماكيريري (Makerere University) وكلية لندن للاقتصاد[9].

نقد النسوية للاقتصاد التقليدي

في حين أن عدم رضا النسويات عن المنح الدراسية السائدة في المجال الاقتصادي كان متأصلًا في إهمال وتشويه تجاربها، إلا أن النسوية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي كانت قد أثارت انتقادات أكثر شمولًا. كان العديد من الاقتصاديين النسويين يكتشفون أن النماذج التقليدية للنظريات المختارة والتركيز الضيق على الأساليب الرياضية والإقتصادية كانت عبارة عن فراش بروكرست (Procrustean ped) -محاولة إحداث التجانس بالقوة- عندما يتعلق الأمر بتحليل الظواهر المشحونة بالعلاقة مع الآخرين والتقاليد وعلاقات الهيمنة. بدأت النسويات في إثارة التساؤلات حول التعريف السائد للاقتصاد، وصورته المركزية عن «الرجل الاقتصادي»، والاستخدام الحصري لمجموعة معينة من الأدوات المنهجية[3].

تم جمع المقالات حول هذا الموضوع في مجلد عام 1993 بعنوان (أبعد من الإنسان الاقتصادي: النظرية النسوية والاقتصاد – Beyond Economic Man: Feminist Theory and Economics). في هذا المجلد تم إجراء تحقيقات في كيفية وضع مجموعة معينة من القيم المهنية، مع التركيز على العوامل المرتبطة بالذكاء الثقافي مثل الاستقلالية والفصل، والعوامل الثقافية المرتبطة بالأنوثة مثل الاعتماد المتبادل والترابط والواقعية. جادل المساهمون بأن بدلًا من أخذ العوامل الأولى كدليل على الصرامة والانضباط، فإن اقتلاع الأساليب التي أوجدها التحيز الذكوري قد أضعف قدرة الانضباط على تفسير ظواهر العالم الحقيقي. مما أثار الأسئلة حول الاقتصاد السائد ليس لأنه موضوعي للغاية، ولكن لأنه ليس موضوعيًا بما فيه الكفاية[3].

ومن المحاولات، قيام مؤتمر عقد في أمستردام عام 1993 بتطوير هذا المجال،بتطوير نظريات السلوك البشري التي تشمل التوازن بين الفردية والعلاقة، الاستقلالية والاعتماد، والعقل والعاطفة. ويميل الاقتصاديون النسويون إلى أن يجدوا أن مثل هذه الجهود الجادة لخلق وتشجيع أشكال أكثر ملاءمة من الممارسات الاقتصادية تؤدي إلى رؤى جديدة في جميع المجالات، سواء كان الموضوع الذي تتم دراسته مرتبطًا بنوع الجنس أم لا[3].

وقدمت خبيرة الاقتصاد النسوية البارزة بولا انجلاند (Paula England) واحدة من أقدم نقاط نقد النسويات للاقتصاد التقليدي حيث حددت الادعاءات التي تقول:

  • من المستحيل إجراء مقارنات بين الأشخاص.
  • أن الأذواق خارجية وثابتة.
  • تلك الجهات الفاعلة أنانية.
  • يتصرف أرباب الأسر بطريقة خالية من الأنانية[10].

وهذه القائمة ليست شاملة ولكنها تمثل بعض الانتقادات الاقتصادية النسائية المركزية للاقتصاد التقليدي، من بين مجموعة واسعة من وجهات النظر والنقد.

الاهتمامات التجريبية للاقتصاد النسوي

يمكن توضيح المناهج التجريبية المختلفة اللازمة لمعالجة الشواغل النسائية من خلال مناقشة ثلاث مجالات رئيسية تهم الاقتصاديون النسويون على مر السنين.

  1. قياس/ تقييم عمل المرأة غير المدفوع الأجر.
  2. القضايا داخل الأسرة (توزيع الدخل والموارد، وتوزيع العمالة، وصنع القرار، وعلاقات القوة).
  3. عمليات النوع (الجنس) الاجتماعي في سوق العمل المدفوع[11].

هذه مكونات أساسية للتحليل يعتبر فيها النوع الاجتماعي من المبادئ الأساسية في الاقتصاد -وهو اقتصاد لا يقتصر على السوق- بل هناك موضوع موحد للعمل النسوي يتمثل في تحدي التمييز بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي، والعمل المدفوع وغير المدفوع الأجر، والأنشطة السوقية وغير السوقية، والعمالة الإنتاجية والإنجابية[11].

لا يزال الاقتصاد النسوي معترفًا به على نطاق واسع ويهتم به العديد من المنظمات المُكرسة له أو التي تتأثر بمبادئه. فعلى سبيل المثال، تأسس في عام 1992 الرابطة الدولية للاقتصاديات النسوية (IAFFE)، وتسعى إلى تحدي التحيز الذكوري في الاقتصاد الكلاسيكي[12]. ومجلة الاقتصاد النسوي تقر  جدول أعمال معياري لتعزيز السياسات التي من شأنها تحسين حياة الناس في العالم، رجالًا ونساء. حيث في عام 2007 صنف مؤشر الاستشهاد في العلوم الاجتماعية (ISI) مجلة الاقتصاد النسوي الـ 20 من بين 175 مجلة في علم الاقتصاد، والثاني من بين 27 مجلة متخصصة في دراسات المرأة[13].

ويشارك الاقتصاديون النسويون العديد من وجهات نظرهم مع الاقتصاد البيئي وفي مجال الاقتصاد الأخضر تحديدًا، حيث يضم الاقتصاد الأخضر أفكارًا من الاقتصاديات النسوية، سعيًا لتحقيق المزيد من المساواة الاقتصادية العامة بين الجنسين. وكثيرًا ما يرتبط الاقتصاد النسوي باقتصاديات الرفاهية أو اقتصاديات العمل، لأنه يؤكد على رفاهية الطفل وقيمة العمل في حد ذاته، بدلًا من التركيز التقليدي حصرًا على الإنتاج للسوق، بما في ذلك التركيز على قيم الاستدامة والطبيعة والعدالة والرعاية[7].

إعداد: هاجر درويش
مراجعة: عبدالله أمين

المصادر

[1] Floro MS, Willoughby J. Feminist Economics and the Analysis of the Global Economy: 2016;13.

[2] Ferber MA, Nelson JA. Feminist Economics Today: Beyond Economic Man. University of Chicago Press; 2003. 232 p.

[3] Nelson JA. Feminist Economics. Global Development and Environment Institute, Tufts University: February 2005.

[4] “Cambridge Women’s Heritage Project Database, W”

[5] Crow BA. Radical Feminism: A Documentary Reader. NYU Press; 2000. 569 p.

[6] BH_Modest-Herstory-of-Besty-Warrior_8-2013.pdf. Available from: http://www.ncdsv.org/images/BH_Modest-Herstory-of-Besty-Warrior_8-2013.pdf

[7] Bjørnholt M, McKay A. Counting on Marilyn Waring: New Advances in Feminist Economics. Demeter Press; 2014. 312 p.

[8] Peterson J, Lewis M. The Elgar Companion to Feminist Economics. Edward Elgar Publishing; 2001. 840 p.

[9] FEMINIST ECONOMICS | Makerere University Courses. Available from: https://courses.mak.ac.ug/courses/feminist-economics /FEMINIST ECONOMICS | Makerere University Courses. Available from: https://courses.mak.ac.ug/courses/feminist-economics

[10] .Ferber MA, Nelson JA. Beyond Economic Man: Feminist Theory and Economics. University of Chicago Press; 2009. 186 p.

[11] Feminist Economics: From Theory to Research on JSTOR. Available from: https://www.jstor.org/stable/136027

[12] Ferber MA, Nelson JA. Feminist Economics Today: Beyond Economic Man. University of Chicago Press; 2003. 220 p.

[13] Feminist Economics rises in journal rankings. Available from: http://news.rice.edu/2007/02/01/feminist-economics-rises-in-journal-rankings/