التاريخ الغريب لانتخابات الرئاسة الأمريكية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

«إن الانتخابات ملك للشعب، وهي قرارهم وحدهم، حتى إذا قرروا جميعًا أن يديروا ظهورهم ويجلسوا على نار مشتعلة؛ فهو حقهم، ولكن حينها سيكون عليهم تحمُّل الألم.»

إبراهام لينكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية، بتصرف.

يصعُب التيقن مما كان يدور في أذهان الأعضاء الخمسين للمؤتمر الدستوري الأمريكي الأول عندما اجتمعوا في ذلك الصيف من عام 1787 ليضعوا مواد الدستور الذي سيُكتب له الاستمرار لما يزيد عن مئتي عام ليكون أحد أطول الدساتير عمرًا وأكثرها ثباتًا وتطبيقًا في التاريخ، ولكن يمكننا أن نُخَمِّن أنه لم يجل بخاطر هؤلاء الذين سيطلق عليهم الشعب الأمريكي فيما بعد اسم «الآباء المؤسسون – The Founding Fathers» أن القواعد التي كتبوها لتحدد كيفية انتخاب الرئيس ستشغل بال معظم سكان الكوكب وليس فقط الشعب الأمريكي.

إنه الوقت الوحيد الذي يمكن أن ترى فيه مواطنًا نيجيريًا يتابع بشغف عبر تلفاز قديم آخر أنباء عدّ أصوات المجمع الانتخابي، سترى التلفزيون الرسمي في روسيا يفرد ساعات لتحليل كيف ستؤثر سياسات الرئيس الأمريكي القادم على بلادهم، وفي الشرق الأوسط قد تجد نفسك منغمسًا في نقاش حاد مع جارك الخمسيني حول تزوير أصوات الناخبين في ميتشجان بينما تنتظر دورك في طابور الخبز.
وأيًا كان موقعك في العالم فإن الحقيقة التي لا جدال فيها أن أنظار الكوكب تتجه كل أربعِ سنوات ميلادية إلى انتخابات الرئاسة الأمريكية ليس بسبب الفضول في رؤية كيف تعمل أحد أقدم الديموقراطيات في العالم أو لأن المواطن العادي قد أصبح فجأة مُغرمًا بتعقيدات السياسة الدولية بل لأن هناك إدراك عام بأن من يصل إلى الجلوس في البيت الأبيض سيصبح على الفور أقوى رجل في العالم والذي قد تحدد قراراته أو نزواته مصير مليارات البشر. كل ذلك يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي يتم بها اختيار هذا الشخص وكيف اخْتُرِعت، ليس فقط بسبب تفردها عن الطرق التقليدية، بل وأيضًا بسبب الأحداث الغريبة التي أنتجتها تلك الطريقة خلال أكثر من قرنين من الانتخابات.

خلفية تاريخية

اجتمع حشد من سكان مدينة فيلادلفيا في ذلك الصباح إلى ساحة مجلس المدينة استجابة لقرع أجراس برج المجلس -الطريقة التقليدية لحشد السكان في ذلك الزمن- كان لدى معظمهم فكرة ما عما يدور في باقي المستعمرات من اضطرابات، وخمن غالبيتهم أن هذا هو سبب اجتماعهم اليوم، المطلعون منهم كانوا يعرفون ما توصل إليه المؤتمر القاري الثاني المُجتَمِع في مدينتهم منذ أسابيع والذي يضم ممثلين عن المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر في أمريكا الشمالية، في ترقب انتظر الحشد حتى ساعة الظهيرة حين ظهر الكولونيل «جون نيكسون – John Nixon» رجل الأعمال السابق الذي تحول إلى ثوري معارض للحكم البريطاني، صعد نيكسون سلالم مجلس المدينة ثم أدار بصره بين الحشد المترقب، ثم أخرج من بين ثيابه ورقة وأخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ في القراءة:

«خلال لحظات حاسمة في تاريخ البشرية يصبح من المحتوم على شعب ما أن يعلن تحرره من القيود السياسية التي تربطه بشعبٍ آخر… ».

بتلك الكلمات بدأ إعلان الاستقلال الأمريكي ليعلن انفصال مستعمرات بريطانيا الثلاثة عشر في أمريكا الشمالية عن الإمبراطورية البريطانية في يوم 6 يوليو 1776 ليتبع هذا حرب استمرت لسبعِ سنوات بين المستعمرات وبريطانيا. كان ذلك اليوم هو نتاج أكثر من عقْد من الاضطرابات السياسية المتزايدة بين التاج البريطاني وقطاع مؤثر من سكان مستعمراتها الأمريكية الذين كانوا يتمتعون بحقوق أقل نسبيًا من نظرائهم في بريطانيا رغم كونهم رسميًا مواطنين بريطانيين، فجر هذا السَخط المتزايد قرار الحكومة البريطانية بفرض المزيد من الضرائب على سكان المستعمرات مع حرمانهم من حق تمثيلهم في البرلمان البريطاني في لندن.

خلال السنوات الأولى للحرب كانت المستعمرات على شفا الهزيمة قبل أن تنضم فرنسا وإسبانيا إلى الحرب ضد بريطانيا التي أدركت استحالة تحقيق الانتصار لتقبل في النهاية استقلال مستعمراتها السابقة في معاهدة باريس عام 1783 لتنشأ بذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

كان التحدي الأول الذي ينتظر الدولة الوليدة هو وضع دستور يؤسس حكومة وطنية تعمل على تنظيم العلاقات بين الولايات وتمثل الدولة أمام العالم. على الفور قابلت تلك المحاولات عدة عقبات، فعلى الرغم من أن الولايات المختلفة كانت قد قاتلت سويًا ضد الحكم البريطاني إلا أن كثيرًا منها كان لا يرغب باستبدال التبعية للحكومة البريطانية بتبعية لحكومة مركزية أخرى، بل إن كثيرًا من تلك الولايات كان يريد الانفصال بعد انتهاء الحرب ليكونوا دولًا مستقلة. وكان الحل الوسط الذي قبلت به معظم الولايات هو وضع مجموعة من الاتفاقيات التي تقبل بها كل ولاية تحت اسم «قوانين الاتحاد – Articles of Confederation»، وبموجب هذه القوانين كان المسئول عن تطبيقها هو (المؤتمر القاري -The Continental Congress) الذي يُنتخَب أعضاؤه من قبل الولايات المختلفة.

غير أن هذا النظام الذي أرسته قوانين الاتحاد كان هشًا من البداية؛ حيث لم يكن الكونجرس أو رئيسه يملكون أي سلطة لإجبار الولايات على دفع الضرائب أو قبول المعاهدات الخارجية أو حتى دفع رواتب الجيش، كانت كل ولاية تملك جيشها الخاص وقوانينها التجارية الخاصة بها وكان دور الكونجرس لا يتعدى دور الهيئة الاستشارية. بطبيعة الحال لم يكن هذا النظام الجديد مُستقرًا وسرعان ما بدأت الخلافات تنشأ بين الولايات إلى حد نشوب حروب محدودة بينها. وكان واضحًا أن قوانين الاتحاد قد فشلت وأن هنُاك حاجة لكتابة دستور قومي واضح يحدد سلطات الحكومة والولايات، وبحلول عام 1787 دُعي لعقد مؤتمر دستوري يضم ممثلين عن جميع الولايات الثلاثة عشر لهذا الغرض. (1)

المصدر:https://commons.wikimedia.org/wiki/File:United_States_direct_successor_states_from_original_Thirteen_Colonies.png
الولايات المتحدة الأمريكية

الصفقة العظيمة

الحقيقة أنه عندما اجتمع الأعضاء الـ 55 للمؤتمر الدستوري كان معظمهم يظن أن المؤتمر يهدف إلى تعديل بعض مواد قوانين الاتحاد، ولم يخطر ببال غالبيتهم أن المؤتمر الذي كان من المفترض أن ينعقد لبضع أسابيع قبل أن يعودوا إلى منازلهم سيستمر لعامين متواصلين، وأن تعديل بعض المواد سيتحول إلى إعداد دستور جديد بالكامل.

يرجع الفضل في تغير مسار المؤتمر بشكل أساسي إلى جهود رجل واحد وهو «جون آدامز – John Adams» الذي كان أحد زعماء حركة الاستقلال الأمريكية ضد بريطانيا. قضى آدامز الأسابيع الأولى للمؤتمر في حشد التأييد من أجل كتابة دستور جديد حتى تمكن أخيرًا من إقناع معظم المندوبين بفكرته، سارت عملية كتابة الدستور بعد ذلك على نمط متكرر من التنازلات والحلول الوسط للتقريب بين وجهات النظر المتعارضة للولايات المختلفة، في البداية اتفق المندوبون على إنشاء الكونجرس ليكون الهيئة التشريعية الرئيسية للبلاد ولكن سرعان ما نشب خلاف شديد حول الكيفية التي سيتم بها تمثيل الولايات في هذا الكونجرس، فمن ناحية أرادت الولايات الكبيرة مثل فيرجينيا ونيويورك أن تحظى كل ولاية بعدد مقاعد يتناسب مع عدد سكانها، وهذا الأمر سيعطي للولايات الكبيرة سلطة واضحة في المجلس الجديد.

وعلى الناحية الأخرى رفضت الولايات الصغيرة مثل رود أيلاند وميريلاند هذه الفكرة واقترحت أن يتم تمثيل كل ولاية بعدد متساوٍ من المقاعد في الكونجرس بغض النظر عن حجمها أو تعدادها السكاني وهو الاقتراح الذي عارضته الولايات الكبيرة كون ذلك سيعني إعطاء قوة كبيرة للولايات الصغرى بشكل لا يتناسب مع حجمها ومساهمتها في الاتحاد الجديد. ثم أوشك المؤتمر على الانهيار وهددت بعض الولايات بالانسحاب من الاتحاد بالكامل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها، وفي اللحظات الأخيرة قُدِم اقتراح لحل هذا الخلاف، نصّ المقترح الذي تقدمت به ولاية كونيكتيكت على أن يتكون الكونجرس من مجلسين يتشاركان السلطة فيما بينهما:

  • الأول مجلس للنواب تمثل فيه الولايات بعدد من النواب يتناسب مع عدد سكانها ووافق المؤتمر على هذا الحل الذي سيُعرف فيما بعد باسم «الصفقة العظيمة – The Great Compromise».
  • الثاني مجلس للشيوخ تمثل فيه كل ولاية بنائبين بغض النظر عن حجمها أو تعدادها السكاني.

مع حسم قضية الكونجرس أدار المؤتمر انتباهه إلى مسألة الرئيس، في البداية كان التفكير أن يكون رئيس الكونجرس هو رئيس الدولة أو أن يتم انتخاب الرئيس من قبل الكونجرس مباشرة حيث كان لدى المؤتمر خوف من أنه إذا تُرك انتخاب الرئيس إلى الشعب مباشرة فإنه من الممكن أن يصل قائد سلطوي إلى الحكم من خلال خداع الجماهير وهو ما قد يعرض ديموقراطية الدولة للخطر، فضلًا عن ذلك كان هناك مرة أخرى خوف لدى الولايات الصغرى من أن ينحصر منصب الرئيس على  القادمين من الولايات ذات التعداد السكاني الكبير الأمر الذي سيجعل فوز مرشحي تلك الولايات أمرًا محسومًا منذ البداية.

ظلت قضية من ينتخب الرئيس معلقة حتى الشهور الأخيرة من إعداد الدستور عندما تشكلت لجنة خاصة داخل المؤتمر لحل هذه المسألة، وفي النهاية، ونتيجة صفقة جديدة، تم الاستقرار على السماح للشعب بالتصويت لانتخاب الرئيس مع إنشاء هيئة تحت اسم «المجمع الانتخابي – The Electoral college» يكون لها القول الفصل إما في التصديق على اختيار الناخبين أو اختيار مرشح أخر، ولإرضاء الولايات المختلفة تقرر أن يتكون المجمع الانتخابي من ممثلين عن جميع الولايات بحيث تحصل كل ولاية على عدد أصوات في المجمع يماثل عدد مقاعدها في الكونجرس، فعلى سبيل المثال لو كان لدى ولاية ما عضوين في مجلس الشيوخ وثلاثة أعضاء في مجلس النواب يكون عدد أصوات الولاية في المجمع الانتخابي هو خمس أصوات ولكي يتم انتخاب مرشح لمنصب الرئيس فلا بد أن يحصل على أكثر من نصف عدد أصوات المجمع.

كان هذا هو النظام الذي تمت به أول انتخابات رئاسية أمريكية عام 1789 والتي ربح فيها جورج واشنطن جميع أصوات المجمع الانتخابي الـ 69 وقتها، لتكون المرة الأولى والوحيدة التي يربح فيها مرشح رئاسي جميع أصوات المجمع الانتخابي في الانتخابات الرئاسية.(2)

ثمان انتخابات

أثناء عملية التصديق النهائي على مواد نظام الانتخابات في الدستور وقف «ألكسندر هاملتون – Alexander Hamilton» أحد زعماء الثورة الأمريكية ومن أكثر مؤيدي نظام المجمع الانتخابي، ليخطب في زملاءه قائلًا:

«إن هذا النظام الذي اخترناه بكل تأكيد ليس مثاليًا ولكنه على أقل تقدير جيد.»

عَبْر ما يقرب من القرنين من الزمن أجُريت 58 انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة أسفرت عن 45 رئيسًا. طوال هذا التاريخ كان للنظام الانتخابي الذي أقره الدستور دورًا هامًا في الحفاظ على الاستقرار من خلال تسهيل عملية نقل السلطة سلميًا ولكنه، كما قال هاملتون، ليس نظامًا مثاليًا، وخلال عدة مرات عبر السنين التالية لتطبيقه ظهر ذلك بوضوح.(3)

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1800

جرت هذه الانتخابات في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأحزاب السياسية الأولى في البلاد. في ذلك الوقت، كانت طريقة تصويت المجمع الانتخابي مختلفة كثيرًا عما هي عليه اليوم، فبدلًا من أن يصوت كل عضو على ورقة من اثتنين تضم كل واحدة منهما الرئيس ونائبه صوت كل ناخب لمرشحين اثنين كلاهما على منصب الرئيس، الشخص الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات أصبح رئيسًا، بينما أصبح الوصيف نائبًا للرئيس. في ظل هذا النظام، تعادل كل من توماس جيفرسون وأرون بير في المركز الأول 73-73 بسبب سوء تفاهم بين المصوتين.

ونص الدستور على أن يكون القرار في حالة تعادل الأصوات في المجمع الانتخابي في يد الكونجرس بمجلسيه؛ حيثُ يختار مجلس النواب الرئيس ويختار مجلس الشيوخ نائب الرئيس، وللمرة الأولى من مرتين فقط في تاريخ البلاد ذهبت الانتخابات إلى مجلس النواب، ولأن التاريخ لا يخلو من السخرية كان ألكساندر هاملتون، الذي تولى في هذا الوقت منصب أول وزير خزانة في تاريخ البلاد، هو قلب التيار من خلال الضغط على زملائه في الحزب الفيدرالي لتقديم دعمهم لجيفرسون. وذلك على الرغم من أن هاملتون وجيفرسون كانا يحتقران بعضهما البعض، إلا أن هاملتون اعتبره خيارًا أكثر أمانًا من بور الذي كان في رأي هاملتون لا يحب إلا نفسه ومصالحه الشخصية فقط، وهكذا دخل جيفرسون إلى البيت الأبيض رئيسًا، وأصبح بور نائب الرئيس، وأضيف التعديل الثاني عشر إلى الدستور لتحديد أن الناخبين يصوتون بشكل منفصل لأعلى منصبين في البلاد، وبعد الانتخابات بثلاث سنوات فقط قام نائب الرئيس آرون بور بتحدي هاملتون إلى مبارزة انتهت بمقتله على يد بور الذي عاد بعدها لممارسة مهام عمله كنائب للرئيس.

المصدر:History.com
آرون بور وهاملتون، انتخابات الرئاسة الأمريكية 1800

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1824

بحلول هذا الوقت، كان الحزب الفيدرالي قد تفكك وذهبت شعبيته، وكان جميع المرشحين الأربعة للرئاسة من حزب جديد يُدعى الحزب الجمهوري الوطني (حزب مختلف عن الحزب الحالي). فاز أندرو جاكسون، بطل حرب 1812، في التصويت الشعبي، وحصل على 99 صوتًا انتخابيًا. حصل وزير الخارجية جون كوينسي آدامز على 84 صوتًا انتخابيًا، بينما ذهب 41 صوتًا لوزير الخزانة ويليام كروفورد و37 صوتًا لرئيس مجلس النواب هنري كلاي. نظرًا لعدم حصول أي مرشح على أغلبية الأصوات الانتخابية، انتقلت الانتخابات مرة أخرى إلى مجلس النواب. تم استبعاد كلاي من المنافسة، حيثُ نصّ الدستور على إمكانية النظر في ثلاثة مرشحين فقط، لكنه ظل متحكمًا في مجلس النواب. بعد شهر من المفاوضات في الأروقة الخلفية، ألقى أنصار كلاي بثقلهم وراء آدامز إلى حد كبير، مما مكنه من الفوز في تصويت مجلس النواب حيثُ تحولت الولايات التي أدلت بمعظم أصواتها الانتخابية لصالح جاكسون فجأة في صالح آدمز.

بمجرد توليه الرئاسة اختار آدامز حليفه كلاي وزيرًا للخارجية، وهو الأمر الذي وصفه جاكسون الغاضب بأنها «صفقة فاسدة»، ليستقيل جاكسون بعدها من منصبه في مجلس الشيوخ ويتعهد بالعودة والفوز في عام 1828، وهو ما فعله على رأس حزب جديد اسمه الحزب الديمقراطي (وهو الحزب الديمقراطي الحالي)، وأطاح بآدامز بعد فترة ولاية واحدة فقط.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1860

لم تكن الانتخابات الرئاسية لعام 1860 مثيرة للجدل فحسب بل كانت الانتخابات التي مَزّقَتْ الولايات المتحدة وأدت نتيجتها في النهاية إلى نشوب الحرب الأهلية الأمريكية. كان وصول أبراهام لنكولن، المرشح المختار للحزب الجمهوري الناشئ المعروف عنه معاداته الشديدة للعبودية، لسدة الرئاسة خطرًا بالغًا على مصالح الولايات الجنوبية التي يقوم اقتصادها في الأساس على العبيد الذين يمثلون عمالة شبه منعدمة التكاليف لمُلاك الأراضي الأثرياء هناك.

على بطاقة الاقتراع في معظم الولايات الجنوبية مُحي اسم لينكولن من قائمة المرشحين. وتفرق الدعم الجنوبي بين المرشحين الثلاثة الآخرين للانتخابات. فاز لينكولن بنسبة 40 في المائة فقط من الأصوات الشعبية لكنه حصل على معظم الأصوات الانتخابية في الشمال، بينما فاز منافسه بريكنريدج بالأصوات الانتخابية في معظم مناطق الجنوب. ثم بعد أسابيع قليلة فقط من فوز لينكولن، قررت ولاية كارولينا الجنوبية الانفصال عن الولايات المتحدة لتتبعها ست ولايات جنوبية أخرى خلال الأسابيع التالية، وشكلوا معًا دولة جديدة تحت اسم الولايات الكونفدرالية الأمريكية في فبراير 1861 مع جيفرسون ديفيس كرئيس لها، لتبدأ بعدها مباشرة الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب ولتكون أكثر صراع دموي في التاريخ الأمريكي.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1876

تفوق الحاكم الديمقراطي صمويل تيلدن من نيويورك بـ 250 ألف صوت في التصويت الشعبي و19 صوتًا في المجمع الانتخابي على منافسه الجمهوري رذرفورد هايز، لكن تيلدن كان لا يزال ينقصه صوتًا انتخابيًا واحدًا أقل من الأغلبية المطلوبة في هذا الوقت (185) لكي يصبح رئيسًا. ولكي تزيد الأمور تعقيدًا كان لا يزال هناك 20 صوتًا انتخابيًا غير محسوب من عدة ولايات نتيجة لتقارب الأصوات.

صمويل تيلدن ورذرفورد هايز، انتخابات الرئاسةالأمريكية 1876
صمويل تيلدن ورذرفورد هايز، انتخابات الرئاسةالأمريكية 1876

اتهم كل طرف الآخر بالتزوير؛ ومع تصاعد الأزمة، بدأت تلوح في الأفق تهديدات بحرب أهلية أخرى. ولذلك، وفي خطوة غير مسبوقة، أنشأ الكونجرس لجنة مؤلفة من 15 عضوًا من أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مجلس النواب وقضاة المحكمة العليا (وذلك بعدد سبعة جمهوريين وسبعة ديمقراطيين ومستقل واحد) لاتخاذ قرار بشأن الانتخابات. بعد أن هدد الديموقراطيون بالتعطيل وعرقلة العد الرسمي للأصوات، تمت تسوية القضية في مفاوضات عقدت في أحد فنادق العاصمة واشنطن يُدعى فندق ورملي في فبراير 1877، أي بعد ثلاثة أشهر من الموعد المفترض لإعلان نتيجة الانتخابات. ووافق الديمقراطيون على فوز هايز بشرط أن يزيل هايز جميع القوات الفيدرالية من الجنوب والتي ظلت هناك لفرض الأمن وضمان حقوق العبيد السود المحررين بعد الحرب. وهكذا تحولت جميع الأصوات الباقية لصالح هايز الذي حصل على جميع الأصوات الانتخابية العشرين من الولايات المتنازع عليها مما منحه ال 185 صوتًا الضرورية لكي يصبح رئيسًا. عززت تلك التسوية السيطرة الديمقراطية على الجنوب، مما أدى إلى عكس المكاسب التي حققها الأمريكيون السود خلال حقبة ما بعد الحرب الأهلية مما قاد إلى ما يقرب من قرن أخر من الانتهاك لحقوقهم في الولايات المتحدة.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1912

غادر ثيودور روزفلت البيت الأبيض عام 1909 بعد أن انتهت فترته الرئاسية وتفرغ بعدها للسفر حول العالم معتزلًا السياسة بعد أن فاز صديقه المقرب وخليفته المختار بعناية وليام تافت بالرئاسة من بعده. ولكن مع اقتراب انتخابات عام 1912 كانت تصرفات تافت قد أغضبت روزفلت وزملاءه الجمهوريين من خلال الانحياز بشكل متزايد إلى الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، وهكذا قرر روزفلت قطع رحلة السفاري التي كان يقضيها في إفريقيا ليعود ويتحدى تافت في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري. وعندما فشل في منع ترشيح تافت من قبل الجمهوريين قرر روزفلت رفض النتيجة والانسحاب مع أنصاره من الحزب الجمهوري وقام بتشكيل حزب جديد أطلق عليه اسم الحزب التقدمي.

وليام تافت وثيودور روزفلت، انتخابات الرئاسة الأمريكية 1912
وليام تافت وثيودور روزفلت، انتخابات الرئاسة الأمريكية 1912

كانت الحملة الانتخابية شديدة التنافسية والاستقطاب إلى حد وصل إلى قيام أحد المتعصبين بإطلاق النار على روزفلت أثناء قيامه بإلقاء إحدى خطاباته الانتخابية، وفي حدث لا يتكرر كثيرًا قرر روزفلت أن يكمل إلقاء الخطاب بعد تلقيه للرصاصة. في النهاية، قُسِمت أصوات الجمهوريين بين روزفلت وتافت، مما ساعد الديموقراطي وودرو ويلسون على الفوز بالبيت الأبيض على الرغم من حصوله على أقل من 50 بالمائة من الأغلبية في العديد من الولايات. واحتل روزفلت المركز الثاني وتافت في المركز الثالث، وهي آخر مرة في التاريخ يفشل فيها مرشح حزب رئيسي في إنهاء السباق الانتخابي في المركز الأول أو الثاني في الانتخابات الرئاسية.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 1948

بدت نتيجة انتخابات عام 1948 واضحة، فكان الرئيس هاري إس ترومان في طريقه للخروج من البيت الأبيض. في انتخابات التجديد النصفي لعام 1946، وتحول مجلسا الكونغرس إلى الحزب الجمهوري لأول مرة منذ ما يقرب من 20 عامًا، وأظهرت استطلاعات الرأي أن واحدًا فقط من كل ثلاثة أمريكيين يوافق على قيادة ترومان، على الرغم من أن المنافس الجمهوري توماس ديوي كان مرشحًا قويًا، غير أن أكبر تهديد لترومان كان المعارضة التي واجهها من داخل حزبه.

فقبل الانتخابات بشهور قليلة استقال وزير التجارة الذي عينه ترومان ليخوض الانتخابات التمهيدية ضده داخل الحزب، بينما أدى دعم ترومان العلني للحقوق المدنية للأمريكيين السود إلى خسارته دعم الديمقراطيين الجنوبيين المحافظين. ورغم كل ذلك، قاد ترومان حملة انتخابية شرسة طوال فصل الخريف، وقام بالعديد من الجولات بالقطار في جميع أنحاء البلاد من أجل إثبات أن الكونجرس الجمهوري هو الذي كان يعيق مقترحاته وأنهم سوف يقومون بإلغاء برامج الدعم الاجتماعي التي أنقذت البلاد من الكساد.
وقبل الانتخابات بيوم واحد أُعلِن عن آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب ذات المصداقية الكبيرة والذي أظهر فوز ديوي على ترومان بما يزيد عن خمسة بالمائة، واعتقد الكل أن ترومان قد خسر الانتخابات إلى حد طباعة الصحف في تلك الليلة للخبر قبل ظهور النتائج الرسمية. وذهب ترومان إلى الفراش في تلك الليلة معتقدًا خسارته في الانتخابات، قبل أن يوقظه حرسه الرئاسي في الساعة الرابعة صباحًا ليبلغوه خبر انتصاره. في الصباح التالي رفع ترومان مبتسمًا أمام الكاميرات نسخة من طبعة صحيفة شيكاغو تريبيون الصباحية، كان العنوان الرئيسي للجريدة هو «ديوي يهزم ترومان».

ترومان يمسك طبعة صحيفة شيكاغو تربيون عقب انتخابات الرئاسة الأمريكية.
ترومان يمسك طبعة صحيفة شيكاغو تربيون عقب انتخابات الرئاسة الأمريكية.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 2000

هي الانتخابات التي أطلقت عليها الصحافة لقب الانتخابات التي استمرت إلى الأبد. في السباق بين آل جور وجورج دبليو بوش، حيثُ تعادل كلا المرشحين في الأصوات وتعلق انتصار أيهما بالنتيجة في ولاية فلوريدا. في البداية أعلنت شبكات التلفزيون أن الولاية قد ذهبت لصالح آل جور، ثم عادت لتقول أن فرق الأصوات ضئيل للغاية بين المرشحين، ثم أعلنت في النهاية فوز بوش. ومع وجود بضع مئات من الأصوات فقط التي تفصل بين المرشحين في فلوريدا، بدأت الدعاوى القضائية وقررت ولاية فلوريدا إعادة فرز الأصوات بالكامل.
وطوال خمسة أسابيع مؤلمة بعد يوم الانتخابات استمرت عمليات الفرز وازداد تبادل الاتهامات بين أنصار كلا المرشحين، حتى كان للمحكمة العليا الأمريكية الكلمة الأخيرة، إذ قضت بأغلبية قليلة بوقف إعادة الفرز التي أمرت بها المحكمة العليا في فلوريدا على أساس أنها تنتهك المبدأ الدستوري القائل بأن «جميع الأصوات يجب أن تعامل على قدم المساواة». وفاز جورج بوش بالرئاسة بفارق 537 صوتًا فقط في فلوريدا، سيكون بوش كذلك أول مرشح منذ 112 عامًا يفوز بالرئاسة دون أن يفوز في التصويت الشعبي الذي فاز به آل جور بفارق يزيد عن نصف مليون صوت، لكن بوش لن يكون الأخير الذي يفعل ذلك.

انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016

ربما كانت قضية بوش ضد آل جور هي المرة الأولى في التاريخ الأمريكي الحديث التي يتم فيها انتخاب رئيس على الرغم من خسارة التصويت الشعبي، لكنها لم تكن الأخيرة. في عام 2016، هزم رجل الأعمال ومقدم برامج تلفزيون الواقع دونالد ترامب السيدة الأولى السابقة، السناتور ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، رغم أنها حصلت على ثلاثة ملايين صوت أكثر منه في التصويت الشعبي. كانت الانتخابات غير مسبوقة من نواحٍ عديدة أخرى. ترامب، الذي ترشح للرئاسة رغم عدم امتلاكه لأي خبرة سابقة في تولي مناصب حكومية، جلب معه خطابًا شعبيًا قائمًا على خلق الخوف من المهاجرين والأقليات.

تصدّر ترامب عناوين الصحف بشكل متكرر بتصريحاته حول الهجرة؛ حيث دعا إلى حظر شامل على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وفي يونيو 2015، قال:

«عندما ترسل المكسيك مهاجريها، فإنهم لا يرسلون أفضل ما لديهم بل يرسلون المجرمين والمغتصبين.»

وفي أكتوبر 2016، بعد أن قبل ترامب ترشيح الحزب الجمهوري، ظهر تسجيل صوتي من عام 2005 له وهو يتفاخر بالاعتداء الجنسي على النساء، وندد مسئولون جمهوريون بهذه التصريحات لكنهم لم يتخلوا عن دعمهم لترامب. وعلى الرغم من أنه كان خلف كلينتون في استطلاعات الرأي، فاز ترامب بعدة ولايات حاسمة، مما منحه التفوق في أصوات المجمع الانتخابي ليتم تنصيبه في 20 يناير 2017.

خاتمة

في يوم العشرين من يناير2021 نُصِّب جو بايدن رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة الأمريكية بعد معركة قضائية وتشريعية خلقها الرئيس ترامب وأنصاره مُدعين أن الانتخابات قد تمت سرقتها وتزويرها رافضين القبول بالنتيجة، ليتوج هذا التصعيد باقتحام مجموعات من أنصار ترامب لمبنى الكونجرس في 6 يناير محاولين تعطيل عملية التصديق على الأصوات، ورغم ذلك اجتمع الكونجرس مرة أخرى في نفس اليوم وواصل عملية التصديق على نتائج الانتخابات.