التجارة في الخدمات مستقبل التجارة الدولية

التجارة في الخدمات مستقبل التجارة الدولية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
تُشير آخر إحصائيات منظمة التجارة الدولية (WTO) إلى أن التجارة في الخدمات الدوليّة تُمثل الجزءُ الأكبر من مكونات التجارة الدوليّة، إذ أنها تحتل ما يقارب من ثلثيّ قيمة الناتج المحلي الإجمالي الدوليّ، كما أنها تمثل القِطَاع الرئيسيّ لتشغيل للعمالة في جميع الدول، ومن المتوقع أن تتزايد هذه النسبة في المستقبل، فهل ستكون تجارة الخدمات الدوليّة هي مستقبل التجارة الدوليّة؟

الفرق بين التجارة السلعيّة، والتجارة في الخدمات

في البداية وقبل الخوض في التفصيلات المستقبليّة لتجارة الخدمات، نستعرض الفروق الرئيسية بين التجارة بين السلع، والتجارة في الخدمات على المستوى المحليّ ومن ثم على المستوى الدوليّ.

فالتجارة في السلع (Trade in goods) تشمل بيع السِلَع المنظورة الملموسة والتي يمكن رؤيتها ونقلها وتخزينها قبل استخدامها والاستفادة منها، وهي الشكل الأول من أشكال التجارة التي عرفها الإنسان مُنذ القدم، منذ أن قام بمقايضة سِلَعِه الزائدة عن حاجته بالسلع الأخرى الفائضة عند أقرانه الذين يعيشون حوله، عندما قايض القَمْح بالبَيْض، أو عندما قايض السَمَك بالدَجَاج. وهي التجارة التي توسعت فيما بعد عند ظهور الأسواق التي أصبحت تعرض سلع مختلفة من ملابس ومواد غذائية، حتى توسع نطاق السوق وأصبحت هناك أسواق عالميّة يتم فيها تصدير سلع فائضة عن حاجة الأفراد والمجتمعات لخارج الدول، ويتم من خلالها أيضًا استيراد سلع أخرى يحتاجها الأفراد ولكنها غير موجودة لديهم. فإذا كان النَفْط هو السلعة الأكثر توفرًا لدى دولة ما؛ فإن من مصلحتها تصديره للخارج، ومن ثم استخدام الدخل الذي تحصل عليه من بيعه لشراء ما ينقصها من سلع غذائية أو تكنولوجية. فعملية تصدير السلع واستيرادها بين الدول تعرف باسم التجارة الدولية للسلع.

أما النوع الثاني فهو التجارة في الخدمات (Trade in services) فهي تجارة تتعلق بتقديم منتجات غير ماديةّ أو ملموسة، تتصف بأنها محسوسة، تنتج وتستهلك في نفس الوقت. مثل خدمات النقل والاتصال، التي يستهلكها الفرد أثناء إنتاجها وفي مكان الإنتاج، كما أنها تتميز بعدم قابليتها للتخزين أو النقل دون أن تتلف.

والتجارة في الخدمات متعددة الأشكال والأنواع، إذ أنها تشمل خدمات السفر والنقل والاتصالات والخدمات الماليّة التي تقدمها البنوك بشتى أشكالها ومختلف أنواعها. وخدمات تصميم الأبنية وتشييدها الدولية، وخدمات الحاسوب المعلوماتية، وحقوق الملكية والفكرية والتأليف، حقوق منح تراخيص الإنتاج وإقامة الفروع وفتح فروع الامتياز، وخدمات الأعمال الدولية، وفتح شبكات التسويق والتأجير الدوليين، والخدمات المهنية كالاستشارات الهندسية والقانونية والطبية بين الدول. وتقسم منظمة التجارة العالمية الخدمات على أساس أساليب توفيرها من قبل المنتجين، حيثُ يمكن تبادل الخدمات مباشرة عبر الحدود كالاتصالات، أو من خلال ذهاب المستهلكين للبلد المنتج لها كالسياحة والدراسة، أو من خلال وجود المنتجين الأجانب للخدمة في البلد الأجنبيّ كالمصارف والفنادق، أو من خلال وجود قوى عاملة أجنبيّة في البلدان الأجنبيّة كالخدمات الطبية الأجنبية والإنشاءات وشركات الاستشارات.(1)

آلية قيام التجارة الدولية

ولكن كيف يمكن نقل السلع المصدًّرة أو المستوردة بين الدول في نظام التجارة الدولية؟

الإجابة بسيطة وتتمثل أن هناك وسطاء يقدمون خدمات تساعد على إتمام عمليات الاستيراد والتصدير، من توفير خدمة نقل البضائع بين الدول، سواء كان نقلًا بريًا، أو بحريًا، أو جويًا، كما أن هناك خدمة تأمين تدفع لحماية مخاسر محتملة في حالة تلف أو فقدان البضائع المصدًّرة أو المستوردة. كما أن للبنوك دورا مهمًا في تقديم خدماتها في تحويل أثمان البضائع عبر حوالاتها البنكية الدولية. وبذلك نجد أن هناك خدمات تتدفق بين الدول لإتمام الصفقات التجاريّة الدوليّة، وبمعنى آخر هناك تجارة في الخدمات الدولية. فالتجارة في الخدمات تحدث عند الحصول على حاجات تلبي رغبات الأفراد والمؤسسات، تتميز بأنها غير منظورة أو محسوسة، مثل خدمة النقل أو التأمين، بحيث يتم استهلاكها والاستفادة منها أثناء الحصول عليها، ولا يمكن تخزينها، فعند وضع السلع على ظهر السفينة فإن خدمة النقل التي تقدم لها لا يمكن رؤيتها، إنما هي عملية محسوسة تتمثل في نقلها من مكان لآخر.(2)

الاتفاقية الدولية للخدمات (جاتس GATS)

الاتفاقية الدولية للخدمات

في يناير من العام 1995 دخلت الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (GATS) حيّز التنفيذ، وذلك بعد جهود مضنية ومفاوضات طويلة ومناقشات تخللت دورة أُرجواي الثانية التي امتدت من العام 1987 حتى 1994 للاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة الدوليّة الجات (GATT)، والتي تهدف إلى تحرير التجارة الدولية وازالة القيود الجمركيّة بينها، من منطلق أن التجارة الدولية هي محرك للنمو الاقتصاديّ للدول. حيث أًسسِتْ منظمة التجارة الدوليّة (WTO). وتم تعريف التجارة بالخدمات وأنواعها وشروطها، وكيفية التعامل في حالة وجود خلافات تجارية متعلقة بالخدمات الدولية، وأعْطيت التجارة في الخدمات نفس الأهمية ونفس طريقة المعاملة للتجارة السلعيّة، وبذلك يكون النظام التجاريّ الدوليّ قد اكتمل ليضم جميع جوانب التجارة الدوليّة.(3)

أهمية التجارة في الخدمات

في عصر العولمة زاد الاعتماد على التجارة الخارجية، وأصبحت أكثر سهولة نتيجة للتطورات الهائلة في نظم الاتصالات الدولية، إذ يمكن اعتبار انتشار خدمات شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) من أبرز الإنجازات التي حُقِقت على مستوى تجارة الخدمات الدولية، بما تقدمه من خدمات اتصال سهّلت حركة انتقال السلع والعمالة عبر التجارة الدولية.

ويُعتبر قطاع الخدمات المحرك الرئيسي لنمو الاقتصاد والتنمية لأيّ دولة، كما أن له دورًا أساسيًا في عمليات تصدير السلع الخارجية، بما يقدمه من خدمات نقل وتأمين لها، كما أن القطاع الأساسيّ لتشغيل العاملين الذين يقدمون خدماتهم كمدخلات أساسية لعمليات الإنتاج الزراعي أو الصناعي.

كما ساهمت التجارة في الخدمات في زيادة الناتج المحليّ للدول، إذ مكّنت الدول النامية غير الصناعية من تصدير ما لديها من خدمات للخارج، وأصبح لها دور على مستوى التجارة الدولية بعد أن كانت مهمشة.

أنماط التجارة في الخدمات

هناك أربعة من الأنماط في التجارة في الخدمات حسب تعريف اتفاقية الجاتس، وهي:

النوع الأول، تقديم الخدمة عبر الحدود السياسية للدولة (cross border service trade): في هذه الحالة لا يتم انتقال أي منتج محسوس بين الدول، إنما يتم تقديم خدمة من دولة إلى أخرى عبر الحدود السياسية للدول. مثل تقديم خدمات شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) دون الحاجة للسفر والانتقال للحصول عليها.

النوع الثاني، تقديم الخدمة من حدود إحدى الدول الأعضاء إلى حدود أي دولة عضو أخرى: مثال ذلـك تقديم الخدمات الاستشارية والنقل الخارجي بأنواعه جميعها بحرية كانت أو جوية، مثل حالات عبور السفن للقنوات الدولية بين الدول، كمرور السفن عبر قناة السويس.

النوع الثالث، تقديم الخدمة داخل الحدود السياسية للدولة (Aboard Consumption for Service): وفي هـذه الحالـة يتطلب الحصول على الخدمة انتقال الشخص غير المقيم إلى الدولة للحصول على الخدمة، أو أن قطاع الخدمات المقيم يقدم الخدمة إلى الشخص غير المقيم داخل الحدود السياسية للدولة. ومثال على ذلك خدمات السياحة، والتعليم، والصحة العلاجية، ونفقات البعثات الدبلوماسية التي يحصل عليها الشخص غير المقيم داخل الدولة بعد سفره وانتقاله من دولته لدولة أخرى.

النوع الرابع، الحضور التجاري في الخارج (Abroad Presence Commercial): وفي هذه الحالة يجب أن يتم نقل المنتج إلـى دولـة المستهلك من أجل تقديم الخدمة داخل الحدود السياسية للدولة، مثال انتقال رأس المال النقدي أو المادي كالآلات لخارج الدولة، للقيام بالاسـتثمار مباشر فيها ومن ثم تقديم الخدمة التي يرغب بها، كإنشاء فروع للمصارف أو تقديم الخدمات البنكية.

أما فيما يتعلق بالوظائف الحكومية البحتة وإشغالها بأفراد من خارج الدولة فقد تم الاتفاق على استبعادها تمامًا من التجارة في الخدمات الدولية لأنها لا تُقدَّم بهدف تجاري يقصد منه الربح.

هذه الأنواع الأربع لأشكال التجارة في الخدمات نظمتها اتفاقية التجارة في الخدمات الدولية الجاتس، وحددت شروطها وكيفية التعامل معها. ومن الملاحظ في وقتنا الحالي أن هناك اتجاهات متزايدة للتجارة دولية في الخدمات، ومن المتوقع أن تتزايد بشكل كبير وسريع في المستقبل. (4)

كلمة أخيرة

تتكون التجارة الدولية من تجارة بسلع منظورة وخدمات غير منظورة، وتشير الاتجاهات الدولية إلى تنامي أهمية التجارة بالخدمات واتساعها وتنوع مجالاتها، حتى أصبحت جميع الخدمات قابلة للانتقال عبر الحدود، ولم تعد خدمة معينة حكرًا على اقتصاد معين. وتعتبر اتفاقية الجاتس لتنظيم التجارة في الخدمات الدولية من أكبر المؤشرات على أهميتها، مما يطرح على ساحة التجارة الدولية سؤالًا وجيهًا يتمثل في «هل التجارة في الخدمات هي مستقبل التجارة الدولية؟»، قد تكون الإجابة بنعم صحيحة ولكن السنوات القادمة ستقدم أدلة عملية للإجابة عن هذا السؤال.