تجربة الانتحار الكمي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
تجربة الانتحار الكمي هي تجربة فكريّة طُرحت لأوّل مرّة في عام 1997 على يدّ ماكس تيجمارك المنظّر بجامعة برينستون آنذاك بهدف إثبات تفسير كوبنهاجن لفيزياء الكمّ استنادًا إلى نظريّة العوالم المتعدّدة، ولكي نفهم هذه التجربة علينا معرفة بعض النقاط حول فيزياء الكم.

يعتبر المستوى الكمّي هو أصغر مستوى مكتشف حتّى الآن من المادة الكونيّة، حيث تتكوّن المادة في هذا المستوى من جسيمات متناهية الصغر تسمّى الكواركات بحيث يكاد يستحيل على العلماء البحث عنها بطريقة عمليّة باستخدام الأساليب التقليديّة للبحث العلميّ، لذا يلجأ الفيزيائيّون للتجارب الفكريّة الافتراضيّة للتحقق من صحّة تفسيرات ميكانيكا الكم أو دحضها.

مبدأ الشكّ وعدم التأكّد لهايزنبرج

لاحظ العلماء الفوتونات أو كمّات الطاقة التي تتواجد في المستويات الكمّية فوجدوا أنّها تتصرّف أحيانًا كجسيمات، وتتصرّف كموجات في أحيان أخرى فيما عُرف بازدواجيّة الموجة والجسيم، ثمّ وجد الفيزيائيّ الألمانيّ فيرنر هايزنبرج أنّه بمجرّد مراقبة المادّة الكموميّة، فإننا نؤثّر على سلوك هذه المادّة، فنجبرها أن تتّخذ حالة واحدة فقط (تتصرّف كموجة أو تتصرّف كجسيم)، وبالتالي لا يمكننا أبدًا أن نكون متأكدّين تمامًا من طبيعة المادّة الكمّية أو خواصها مثل السرعة أو الموقع وعُرف هذا المبدأ بمبدأ الشكّ وعدم التأكّد لهايزنبرج.

تفسير كوبنهاجن لفيزياء الكم

جاء تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكمّ الذي طرحه الفيزيائيّ الدانماركيّ نيلز بور ليدعم مبدأ هايزنبرج لعدم التأكّد حيث قال أنّ الجسيمات الكميّة لا توجد في حالة واحدة، بل توجد في جميع الحالات المحتملة في آن واحد في حالة تراكب، ويطلق على مجموع الحالات المحتملة لجسيم كمّي اسم دالّة الموجة، وعند عمليّة الملاحظة تنكسر حالة التراكب وتكون الجسيّمات الكموميّة مضطرّة بشكل أساسيّ إلى اختيار حالة واحدة فقط من دالّتها الموجيّة، وتفسّر هذه النظريّة لماذا تسلك الجسيمات الكميّة سلوكًا متناقضًا وتتّخذ حالات مختلفة عند قيام الفيزيائيين بأخذ قياسات معاكسة لنفس الجسم الكموميّ.

نظريّة الأكوان المتعدّدة

طرح باحث الدكتوراه هيو إيفريت في خمسينيّات القرن العشرين نظريّة الأكوان المتعدّدة لميكانيكا الكمّ لتنافس تفسير كوبنهاجن، وتقول النظريّة بأنه لكلّ نتيجة محتملة لأيّ فعل ينقسم الكون بحيث يستوعب كلّ من هذه الاحتمالات، ولكن دون أن يكون الشخص مدركًا حينئذٍ لنفسه في النسخة الأخرى من الكون، فمثلًا في حال ملاحظة الجسيمات الكمّية فهناك نتيجتان محتملتان لعمليّة الملاحظة، وينقسم الكون حينئذٍ إلى كونين مختلفين لاستيعاب كلّ نتيجة ممكنة، لذلك يكتشف هذا العالم في أحد الكونين أنّ المادّة الكمّية قد تصرّفت كموجة، بينما تقيس نسخة نفس العالم في الكون الآخر المادّة الكموميّة كجسيم.

يشبه الأمر إلى حدّ ما قصص المغامرات حيث يكون على البطل أن يختار بين دخول الكهف أو الفرار بعيدًا عنه وفقًا لنظريّة الأكوان المتعدّدة فإن الكون ينقسم في لحظة الاختيار إلى نسختين يدخل البطل الكهف في إحداها بينما يفرّ بعيدًا عنه في النسخة الأخرى، وبالعودة إلى الواقع تقودنا نظريّة الأكوان المتعدّدة إلى افتراضات مثل أنّه في عالم موازٍ للعالم الذي نحيا فيه نجح هتلر في أن يحكم العالم، وفي عالم موازِ آخر لم تلقي الولايات المتّحدة الأمريكيّة قنابلها الذرّية على هيروشيما وناجازاكي قطّ.

تتعارض نظريّة العوالم المتعدّدة مع مبدأ شفرة أوكام، الذي يقضي بأنّ أبسط التفسيرات هو على الأرجح التفسير الصحيح، كما أن نظريّة الأكوان المتعدّدة توصل في النهاية إلى أن الوقت لا يوجد في حركة خطيّة متماسكة بل يتحرّك في شكل قفزات تكوّن فروع عديدة تضاهي عدد عواقب جميع الإجراءات التي اتّخذت أيّ وقت مضى.

تجربة الانتحار الكمّي

ظلّت نظريّة إيفريت للأكوان المتعدّدة مهملة تتجاهلها الأوساط العلميّة وتعتبرها محض هراء حتّى أواخر تسعينيّات القرن العشرين حين تبنّاها الفيزيائيّ ماكس تيجمارك وحاول التحقّق من صحّتها نظريًّا من خلال تجربته الفكريّة التي عُرفت بتجربة الانتحار الكموميّ.

45641

تفترض التجربة وجود شخص يجلس مصوّبًا مسدّس نحو رأسه، ويكون هذا المسدّس مزوّدًا بآلة لقياس اتّجاه دوران الجسيم الكموميّ (الكوارك) بحيث يطلق المسدّس الرصاصة على رأس الشخص في كلّ مرّة يضغط الشخص على الزناد وتتمكّن فيها الآلة من رصد دوران الكوارك في اتّجاه حركة عقارب الساعة، بينما لا تنطلق الرصاصة إذا لاحظت الآلة أن الكوارك يدور في عكس اتّجاه حركة عقارب الساعة، ومن ثمّ يكون هناك احتمالان: أحدهما سيؤدّي إلى انطلاق الرصاصة وبالتالي موت الرجل، والآخر سيؤدّي إلى عدم انطلاق الرصاصة ويعيش الرجل ليكرّر التجربة مرّة أخرى، وبتكرار هذه اللعبة تتجدّد الاحتمالات بالموت أو البقاء على قيد الحياة وهكذا دواليك، ووفقًا لنظريّة الأكوان المتعدّدة فإن الكون ينقسم في كلّ مرّة يضغط فيها الشخص على الزناد إلى كونين، يدور الكوارك في الكون الأوّل في نفس اتّجاه حركة عقارب الساعة، فتنطلق الرصاصة ويموت الرجل، بينما يدور الكوارك في العالم الآخر في عكس اتّجاه دوران عقارب الساعة فلا تنطلق الرصاصة ويظلّ الرجل على قيد الحياة ليعيد الكرّة، فينقسم الكون مرّة أخرى إلى كونين، وهكذا إلى ما لا نهاية، وتُعرف الحالة التي يستمرّ فيها الشخص بمحاولة ضغط الزناد من دون أن تنطلق الرصاصة بحالة الخلود الكمّي، حيث أن النسخة الواعية من الشخص والتي تظلّ على قيد الحياة في كلّ مرّة ستستمرّ في تشغيل التجربة بغض النظر عن نتائجها، بينما تعُرف الحالة التي يموت فيها الشخص وبالتالي يتوقّف فيها الكون عن الانقسام بحالة الموت الكمّي، فهل حقًّا هناك خلود على المستوى الكمّي؟ وهل يعيش البشر حياة أبديّة بلا موت؟ يظلّ هذا عصيًّا على الإثبات أو النفي حتّى الآن، إذ إن الشخص الذي يطلق النار وفقًا للتجربة يكون هو مشغّل التجربة ومراقبها في آنٍ واحد، ومع فرضيّة أن الشخص الذي يعيش في أحد الكونين لا يدرك نسخته التي ماتت في الكون الآخر فهل يدرك الشخص حينئذٍ حقيقة الخلود؟