تستطيع البكتيريا أن ترى أيضًا !

aaaaa

|

يدرك العلماء منذ عشرات السنين قدرة بعض الأنواع من البكتيريا، تلك الكائنات الأولية وحيدة الخلية، على استشعار الضوء والتحرك قرباً و بُعداً عن مصدره. و يُعّرف العلماء تلك الظاهرة بإسم “الحركة الضوئية – Phototaxis”. و تتباين الحركة الضوئية في إتجاهها؛ حيث من الممكن أن تكون الحركة الضوئية موجبة، في إتجاه الضوء، أو تكون الحركة الضوئية سالبة، في عكس إتجاه الضوء، مما يعطي تلك الكائنات البسيطة قدرة فريدة علي التعايش والإستفادة من البيئة المحيطة. و بالرغم من معرفة العلماء لتلك الظاهرة، لم تخضع آلية الحركة الضوئية للدراسة بشكل كامل من قبل الباحثين و المتخصصين، مما شكل لغزاً لكل المهتمين بدراسة تلك الكائنات المجهرية الدقيقة.

في مصادفة مثيرة، توصل فريق من الباحثين بعدة جامعات لاكتشاف أن الآلية التي تستشعر بها البكتيريا عالمها تشبه إلي حد كبير آلية عمل العين البشرية؛ مما يجعلنا نعتبرها
“العين الأصغر والأقدم في العالم”.

و قد اعتمد الباحثون في دراستهم علي نوع البكتيريا يُعرف باسم “البكتيريا الخضراء المزرقة”، و هي كائنات مجهرية أولية النواة، تتميز عن باقي الأنواع البكتيرية الأخري بقدرتها على توفير طاقتها من خلال عملية البناء الضوئي. ويرجع تاريخ البكتيريا الخضراء المزرقة في السلسلة التطورية إلي أكثر من ملياري سنة، مما يجعلها من أقدم الكائنات التي ظهرت وإستمرت بالحياه علي كوكب الأرض، مما مهد لظهور الأشكال الأكثر تعقيداً من أوليات و حقيقيات النواة. والآن، تستوطن البكتيريا الزرقاء المسطحات المائية بأعداد كبيرة، مُستفيدةً من توافر المواد الأولية اللازمة للقيام بعملية البناء الضوئي.

وقد أعتمد الباحثون في ورقتهم العلمية ، و التي تم نشرها بالمجلة العلمية eLife، على أحد أنواع البكتيريا الخضراء المزرقة كروية الشكل، يُسمى “سينيكوسيستيس – Synechocystis”. و قد مَثّل الشكل الكروي ميزة نسبية لهذا لكائن وحيد الخلية؛ حيث تقوم خلاياه المفردة بعمل العدسات المُحدّبة، و التي تقوم بتجميع الضوء في نقطة ما علي الجهة المقابلة للضوء، وهذا هو تماما ًما يحدث في الخلايا البصرية للكائنات المختلفة من الحيوانات الأكبر حجما ً والأكثر تعقيدا ً. يوضح شكل 1 الطريقة التي تتكون بها الصورة في كل من الكاميرا الضوئية، وعين الإنسان، والخلية البكتيرية.

شكل توضيحي 1: تكون البكتيريا صورة ضوئية مقلوبة مثل العين البشرية، ولكنها أقل وضوحا ً.

وقد صرح البروفيسور كونراد مولينو Conrad Mullineaux ـ أستاذ الميكروبيولوجي في جامعة كوين ماري في لندن، وأحد المشاركين في البحث ـ لبي بي سي نيوز، أن هذه الملاحظة حدثت بالصدفة أثناء مراقبة سلوك البكتيريا. ويؤكد مولينو أن استجابة البكتيريا للضوء واحدة من أقدم الحقائق العلمية الملاحظة بشأن سلوك البكتيريا، غير أن “عمل الخلية البكتيرية كعدسة ضوئية أمر بديهي، ولكن لم يفكر فيه أحدٌ قبل أن نراه نحن، ولم يلحظه أحدٌ قبلنا، على الرغم من أن العلماء يراقبون البكتيريا تحت الميكروسكوب منذ 340 عام”.

يقول فريق العمل أن تلك النتائج قد تنطبق على الكثير من الأنواع البكتيرية الأخرى التي لم تشملها الدراسة، ولكن هناك حاجة للمزيد من العمل لكشف إن كان نفس الأمر يحدث في الأنواع الأخرى التي ليس لها شكل كروي؛ مثل البكتيريا الخضراء المزرقة عصوية الشكل، ولو كان ذلك فماذا عن الكيفية!

وعلى الرغم من أن هناك أنواعا ً أخرى من الكائنات وحيدة الخلية الأكبر حجما ً والأكثر تعقيدا والتي لديها تجمعات من مستقبلات الضوء تسمى “بالبقع العينية – eyespots” ؛ مثل كائن اليوجلينا (Euglena)، إلا أن ما تم اكتشافه في تلك البكتيريا مثيرٌ للاهتمام بدرجة أكبر، وذلك لضآلة حجم تلك الكائنات، ولبساطة تركيبها.

يقول جاسبر يكلي Gasper Jekley ، الباحث في معهد ماكس بلانك للبيولوجيا النمائية، في تعليق موجه إلي بي بي سي نيوز على هذا البحث الذي لم يشارك فيه “تعيش البكتيريا الخضراء المزرقة منذ 2.7 مليار عام، ولذلك فهي أقدم من أي عين حيوانية، وهذا يعني إذن أن هذه الآلية موجودة منذ وقت طويل جدا ً”.

إن نتائج هذا البحث تقدم مثالاً جيداً لدراسات التطور التقاربي (Convergent Evolution) ،والذي يشير إلي تطور بعض الصفات الوراثية أو الوظيفية المتشابهه بصورة مستقلة في كائنات مختلفة وراثياً، مما يهدف لإكسابها نفس الصفة المرغوبة. و مثالٌ علي ذلك هو التطور الوظيفي الذي أدي إلي إكتساب كل من البكتيريا الخضراء المزرقة و باقي الأنواع الحيوانية والإنسان القدرة على الرؤية وفقا ً لنفس القواعد الفيزيائية.

المصادر:

http://sc.egyres.com/myg1c

http://sc.egyres.com/DgOcX

Schuergers, N., et al. Cyanobacteria use micro-optics to sense light direction. eLife 5(2016)

إعداد:

محمد أبو الغيط


شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي