جون مينارد كينيز

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
ظهرت أفكار جون مينارد كينيز بالتزامن مع حقبة الثلاثينات من القرن الماضي التي شهدت العديد من الأحداث الاقتصادية الجللة التي فرضت حدوث تغيير أو تجديد في الفكر الاقتصادي السائد آنذاك ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث ألقت أزمة الكساد الكبير بظلالها على الاقتصادات الصناعية الكبرى، والتي بدأت منذ سنة 1929 وكانت أسوأ أزمة اقتصادية عرفها التاريخ الحديث ولم تفلت أي دولة من آثارها؛ حيثُ ارتفعت معدلات البطالة وانخفض الناتج المحلي الإجمالي.
وأظهرت هذه الأزمة وجود فجوة بين النظريات الاقتصادية السائدة في هذا الوقت والحقائق الاقتصادية أو الواقع الاقتصادي حيثُ وقفت هذه النظريات عاجزة عن تفسير أو إيجاد مخرج لهذه الأزمة، فكانت هذه الأزمة من الشمول بحيث يصعب النظر إليها على أنها أزمة مؤقتة أو استثناء على القاعدة أو أنها تتطلب إصلاحات جزئية في النظام؛ بل إنها تتطلب صياغة قواعد جديدة عامة للاقتصاد، فالاقتصاد لم يصحح نفسه بنفسه كما ذهبت الأفكار الاقتصادية الكلاسيكية حينذاك.  هذه العوامل مهدت الطريق لظهور أفكار جون مينارد كينيز المختلفة ورواجها.

عن جون مينارد كينيز

قضى جون مينارد كينيز (1883-1946) طفولته في كمبريدج فقد كان والده جون نفيل كينيز أستاذًا للاقتصاد السياسي في جامعتها. وكانت اهتمامات كينيز واسعة، فقد كان موظفًا كبيرًا في الحكومة البريطانية وناشرًا ورجلًا للأعمال وأستاذًا وعميدًا للكلية وعضوًا في المجموعة الأدبية بلومسبري، وبالطبع أشهر اقتصادي منذ الثلاثينات من هذا القرن.

جون مينارد كينيز في مرحلة الشباب.
جون مينارد كينيز في مرحلة الشباب.

وقد شمل التنوع كتاباته أيضًا التي ضمت مؤلفًا في علم الاحتمالات ومؤلفات عديدة أخرى اهتم بعضها بالمشاكل الجارية في ذلك الوقت والبعض الآخر بالمسائل النظرية. ولعل مؤلفه الأبرز هو كتابه الاقتصادي: النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود The General Theory of) Employment, Interest and Money) الذي نشر عام 1936 وأهداه كينيز لزملائه الاقتصاديين والذي أصبح أساسًا لما عرف بالمدرسة الاقتصادية الكينزية. (1)

النظرية الكينزية

يمكن القول أن الاختلاف الرئيسي بين الفكر الكينزي والفكر الكلاسيكي هو أن الفكر الكينزي انصب على الاقتصاد الكلي وخصوصًا جانب الطلب فيه باعتباره المحرك الرئيسي للاقتصاد؛ حيث اهتمت النظرية الكينزية أساسًا بالكميات الاقتصادية الكلية كالناتج الكلي والتشغيل الكلي والمستوى العام للأثمان أكثر من اهتمامها بالأسس والمشروعات والصناعات وعلاقاتها المتبادلة. كما اهتم بالطلب الكلي الذي يتكون من طلب المستهلكين الكلي وطلب المشروعات للاستثمار والطلب الحكومي، كما عالج كينيز حالة التشغيل الكامل التي استند إليها الفكر الكلاسيكي التقليدي باعتبارها الوضع العادي أو الطبيعي للاقتصاد على أنها حالة خاصة، فالتشغيل الكامل يتحقق فقط عندما يتساوي الطلب الكلي والعرض الكلي عند مستوى التشغيل الكامل ولكن ليس من الضروري أن يتحقق هذا الوضع، فقد يتحقق التوازن الاقتصادي في ظل أوضاع تضخمية أو نقص جوهري في التشغيل. بل إن النظرية الكينزية وُصفت في عدد من الكتابات بنظرية التوازن في ظل نقص التشغيل.

وفقًا للنظرية التقليدية، إذا كان هناك نقص في التشغيل فإن انخفاض الأجور المترتب على هذا الانخفاض يؤدي إلى زيادة التشغيل؛ حيث يتجه أصحاب العمل إلى تشغيل عدد أكبر من العمال بحيث يختفي تدريجيًا نقص التشغيل. إلا أن هذا الطرح يفترض بالضرورة ثبات أو عدم تغير مستويات الطلب وهو ما رفضه كينيز في تحليله. فوفقًا لكينيز فإن انخفاض الأجور يؤدي إلى انخفاض الأجور النقدية للعاملين، وبالتالي انخفاض الطلب على منتجات المشروعات لا يمكن أصحاب العمل من تشغيل عدد أكبر من العمالة وهو ما يعني أن السوق لن يصحح نفسه بنفسه أو يعالج مشكلة نقص التشغيل بصورة آلية.

كتاب النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود لجون مينارد كينيز.
كتاب النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود لجون مينارد كينيز.

كذلك يعد من الإسهامات الرئيسية أو الاختلافات الجوهرية في النظرية الكينزية قيامه بدمج أو معالجة كلا الاقتصادين النقدي والعيني معًا ودمج نظرياتهم الاقتصادية معًا؛ حيث ذهب كينيز إلى أن العلاج الفعال لمشكلة نقص التشغيل لا يمكن حلها إلا من خلال تدخل أكثر فاعلية للدولة وأن هذا التدخل يكون من خلال إجراءات تستهدف التأثير على الطلب الكلي في الاقتصاد إما بشكل مباشر من خلال الإنفاق العام أو الضرائب أو من خلال التأثير على عرض النقود، وهو ما يعد جوهرًا أو أساسًا للنظرية الكينزية أو أساس نموذج التوازن الاقتصادي الكلي لكينيز والذي يدمج تفاعلات سوق الإنتاج العيني وسوق العمل والنقود.

دور الحكومة في الاقتصاد بالنظرية الكينزية

وبذلك يمكن القول أن كينيز ابتعد في أفكاره عن الشكل التقليدي للحرية الاقتصادية لأنه كان يرى أنه ليس هناك ما يضمن أن يخلق اقتصاد السوق من تلقاء نفسه طلبًا كافيًا للمحافظة على التشغيل الكامل، وهو ما دفع كينيز إلى تمييز دور جديد للحكومة في الاقتصاد وأن هذا التدخل يكون من خلال واحد من أسلوبين(1):

أولًا: تشجيع الاستثمار الخاص باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتخفيض سعر الفائدة، حيث رأى كينيز أن الفوائد تعتبر عقبة في وجه الاستثمار يمكن أن تساهم في انتشار الركود، ولهذا توقع أن التخفيض التدريجي لأسعار الفائدة وما يترتب على ذلك من اضمحلال الفئة الاجتماعية التي تعتمد إلى حد كبير على الحصول على الفوائد.

ثانيًا: اتخاذ إجراءات تؤثر مباشرة على نفقات الاستهلاك والاستثمار، فمن خلال فرض الضرائب تستطيع الدولة التأثير بشكل مباشر على الدخل الصافي للمستهلكين وبالتالي تؤثر على أنماط سلوكهم كما تستطيع التأثير على دخل المشروعات ونفقاتها، كذلك يمكن للدولة أن تساهم مباشرة في الأنشطة الاستثمارية لتكمل النقص في الاستثمارات الخاصة. وقد توقع كينيز أن يكون هذا الاستثمار له طابع اجتماعي.

وقد امتد تأثير كينيز من ميدان النظرية الاقتصادية إلى مجال السياسة الاقتصادية، فقد أدت النظرية الكينزية إلى إدراك المفكرين الاقتصاديين والحكومات أن السياسات المتبعة في مجال الإنفاق العام والضرائب لها آثار هامة على مستوى الرفاهية الكلي في الاقتصاد. وقد ترتب على ذلك أن زاد تدخل الدولة في العالم الغربي في الحياة الاقتصادية حيث اعتبرت السياسة المالية -وإلى الآن- أداة أساسية من أدوات تصحيح مسار الاقتصاد أو الإصلاح الاقتصادي خاصة في حالتي نقص التشغيل والتضخم. (2)

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Sherif
Sherif
4 شهور

مقال رائع د. سمر الباجوري ونتمنى مزيد من الأطروحات العلمية