Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

حجة اللغة الخاصة عند فتجنشتاين

50260493_328689514413665_8654858232474370048_n

يعد فتجنشتاين بلا شك قضية مميزة، فهو ربما الفيلسوف الوحيد الذي يمكنه أن يقدم حجة ويقوم جدلٌ كبير حول ما إذا كانت في الواقع حجةً أم لا. تُعرف القضية التي تثير هذا الاهتمام المريب باسم حجة اللغة الخاصة. إذا كنا سنطبق المعايير المنطقية الصارمة على هذه الحجة، فسننتهي إلى عدم حجيّتها، لأن الحجة يجب أن يكون لها مقدمات تؤدي إلى نتائج وفق قواعد الاستدلال، فنقول أن حجة اللغة الخاصة ليست حجة لأنها تفتقر إلى أي بنية واضحة وأي استنتاج واضح. لكن إذا كان يمكننا أن نقبل أي معلومة من النص تهدف إلى الإشارة إلى قضية فلسفية، فيمكننا إذًا أن نعتبرها حجة منطقية، ولهذا ما سنفعله هو قبول حجة اللغة الخاصة كحجة في هذا المقال. إذا كان الجدل قائمًا على كون اللغة الخاصة حجة أم لا، فإن الجدل الأكبر يكمن في طبيعة هذه الحجة وما تحتويه.

تظهر حجة اللغة الخاصة في الكتاب الملحمي “تحقيقات فلسفية” المنشور بعد وفاة فتجنشتاين، ويتألف الجزء الأول من الكتاب من 693 شذرة مرقمة، قام فتجنشتاين بترتيبها بنفسه، وكانت شذرات قصيرة يتخللها بعض الشذرات التي تتعدى الصفحة. وتم تجميع الجزء الثاني من الكتاب بعد وفاته وهو أكثر تنظيمًا وفضفضة، حيث كان يحتوي على 14 قسمًا من الأطوال المتباينة. يشير فتجنشتاين إلى فكرة اللغة الخاصة في الفقرة 243 من الجزء الأول في الكتاب، فيقول:

الكلمات المفردة التي يُقصد بها أن تدل على ما لا يعرفه سوى الشخص المتكلم، أي على إحساساته الخاصة المباشرة. ولذلك لن يستطيع شخص آخر أن يفهم هذه اللغة.

النقطة الأخيرة التي يذكر فيها اللغة الخاصة هي في الشذرة 275، والهجوم الرئيس الذي يسمى بحجة اللغة الخاصة يقع بين هاتين الملاحظتين، على الرغم من أن فتجنشتاين يستمر في مناقشة القضايا ذات الصلة المتعلقة بالأحاسيس (بالألم على وجه الخصوص) تقريبًا حتى الشذرة رقم 317.

الشيء الذي يتفق عليه معظم المعلقين هو أن أحد أهداف فيتجنشتاين الرئيسة هو إظهار أن مثل هذه اللغة الخاصة مستحيلة، وأنه حتى لو كان ذلك ممكنًا، فإنه سيكون عديم الفائدة تمامًا. لكن هذا مجرد خيط واحد من الحجة. ملاحظات اللغة الخاصة تعتبر منفصلة، ولكنها تتصل مع الجدل حول العلاقة بين اللغة العامة والأحاسيس الخاصة. ولكن كما هو مذكور أعلاه، فإن نطاق التفسيرات المحتملة واسع، وقبل أن نبدأ بالتفكير في ما يمكن أن يعنيه كل شيء، علينا أولاً أن نلقي نظرة على ما قاله فيتجنشتاين في الواقع.

ماذا يقول فتجنشتاين عن حجة اللغة الخاصة؟

أولاً، لننظر إلى مناقشة فيتجنشتاين المباشرة لمفهوم اللغة الخاصة. بعد أن تم الإشارة إليها في الشذرة رقم 243، لا تظهر اللغة الخاصة مرة أخرى حتى الشذرة 256، حيث يتساءل فيتجنشتاين عما يعنيه  ربط كلمة او علامة بإحساس. كيف تتم هذه العلاقة؟ كيف أن ارتباط الاسم أو الكلمة مع الإحساس يؤدي إلى اسم يعني في الواقع الإحساس؟

يعالج هذا الأمر المشكلة التي دارت منذ أن حدد فيتجنشتاين ما يعنيه باللغة خاصة بالقول:

الكلمات الفردية لهذه اللغة هي الإشارة إلى ما لا يمكن أن يكون معروفًا إلا للشخص الذي يتكلم، على إحساساته الخاصة المباشرة.

هل يعني هذا أن المفردات الكاملة للغة يجب أن تتكون من كلمات تشير إلى الأحاسيس الخاصة بالمتحدث؟ كيف إذًا يمكن أن يكون لهذه اللغة أي بنية قواعدية؟ هناك مشاكل أخرى أيضًا، ففي الشذرة رقم 257 يدعي فيتجنشتاين أن التعريف الخاص للكلمات يفتقر إلى “وسط سياقي” وهو الضروري لكي تكون اللغة  ذات معنى:

“عندما يقول المرء: “لقد أعطى اسمًا لإحساسه”، ينسى المرء أن هناك حاجة إلى قدر كبير من الوسط السياقي في اللغة ليكون مجرد فعل التسمية مفهومًا. وعندما نتحدث عن قيام شخص ما بإعطاء إسمه للألم، فإن ما يفترض هو وجود قواعد لكلمة الألم، إنها تُظهر الوظيفة التي تتمركز فيها الكلمة الجديدة.”

ما يحاول فيتجنشتاين قوله هنا هو أنه لكي تسمي كلمة ما شيئًا أو إحساسًا -لكي تعني أي كلمة أي شيء- يجب أن يكون هناك بعض القواعد التي تسمح بذلك، والتي “تُظهر الوظيفة التي تتمركز فيها الكلمة الجديدة”. يتمحور السؤال حول ما إذا كان أي نسق من هذا القبيل يمكن أن يوجد في خصوصية ذهن الشخص. تظهر هذه الفكرة مرة أخرى في الشذرة 261، حيث يوضح فيتجنشتاين أنه من الصعب للغاية التحدث عن أن علامة خاصة “س” تملك أي دور لغوي من أي نوع ما دامت لا ترتكز على قواعد راسخة وعامة.

تشكل الشذرة رقم 258 الهجمة الرئيسية ضد اللغة خاصة، حيث يحاول فيه فيتجنشتاين إثبات أن الكلمات أو العلامات في اللغة خاصة لا يمكن تعريفها بأي طريقة ذات معنى. أولاً ، أشار إلى أنه “لا يمكن صياغة تعريف العلامة”: لا يمكن تعريف علامة لغة خاصة باستخدام أي كلمات يعرفها المتحدث بالفعل، لأن هذا سيجعلها جزءًا من اللغة العامة. ولكن إذا تم تعريف كلمة ما بشكل خاص، فسيكون تعريفًا متوهمًا. يجب أن “نشير” إلى أحاسيسنا بنفس الطريقة التي قد نشير بها إلى كائن مادي من أجل تسميتها:

“لكن هل ما زال يمكنني أن أعطي نفسي نوعًا من التعريف المتوهم، كيف؟ هل يمكنني الإشارة إلى الإحساس؟ ليس بالمعنى العادي. لكنني أتحدث، أو أكتب العلامة، وفي نفس الوقت أركز انتباهي على الإحساس، وهكذا، كما هي، أشر إلى ذلك داخليًا. لكن ما هو الغرض من هذه الطقوس؟ إذ إن هذا يبدو طقسًا من الطقوس لا أكثر ولا أقل!

يصف هذا محاولة متحدث اللغة الخاصة لإنشاء اتصال بين كلمة أو علامة وإحساس. إحدى المشاكل التي تنشأ من الطبيعة الخاصة لهذا التعريف هو أنه من المستحيل معرفة ما إذا كان الشخص قد تذكر الاتصال بشكل صحيح. كل ما يبدو أنه صواب سيكون صحيحًا. لا يوجد فرق بين الاعتقاد بأن المرء على حق وأن يكون على حق فيما يتعلق بالاتصال [لأنك القاضي]، وبالتالي فإن الخطأ في تطبيق الكلمة الخاصة أمر مستحيل: “وهذا يعني أنه لا يمكننا هنا التحدث عن الصحيح”.

إذًا، كيف يتعهد المرء باستخدام كلمة معينة بطريقة معينة، مما يضمن استخدامها بهذه الطريقة في المستقبل؟ هذا هو السؤال الذي يثيره ويتجنشتاين في الشذرة رقم 262:

أستطيع (في باطني) أن أتعهّد بأن أسمي هذا في المستقبل (ألمًا). لكن هل تعهدت بذلك؟ هل أنت متيقن أنه يكفي أن تركز اهتمامك على مشاعرك؟ سؤالٌ غريب

يكرر فيتجنشتاين المشكلة التي نشأت في نهاية الشذرة رقم 258، وهي أنه لا يمكن أن يكون هناك “معيار من الصحة” لتعريف خاص باطني، لأن الذاكرة هي الطريقة الوحيدة لتحديد معنى العلامة والذاكرة لا يمكن الاعتماد عليها. فهو “كما لو كان شخص يشتري عدة نسخ عدة نسخ من جريدة الصباح حتى يتأكد من أن الأنباء الواردة فيها حقيقية”.

في الشذرة رقم 268 يجادل فيتجنشتاين بأن التعريف الخاص ليس مستحيلاً فقط، بل هو أيضًا بلا جدوى، وأنه سواء أتذكر أي تعريف من هذا النوع بشكل صحيح أو غير صحيح “لا يهم في أقل تقدير” (270). ننتقل إلى سؤال “لماذا لا يمكنني تعريف الكلمات بشكل خاص؟” قد يجيب فيتجنشتاين “لماذا لا يمكن ليدي اليمين أن تمنح اليد اليسرى المال؟” الاقتراح هو أن مثل هذه التعريفات لن تكون ذات نتيجة عملية. الغرض الوحيد الذي يمكن تصوره من ربط علامة بإحساس هو أن ينبهني إلى حقيقة أن لدي إحساس، بنفس الطريقة التي تكون بها كلمات الإحساس العام عبارة عن تعبيرات عن الأحاسيس بدلاً من الوصف (244). وبالنظر إلى أن علامتي الخاصة لن تتبادر إلى ذهني إلا نتيجة لكوني أشعر بالإحساس، يبدو أن هناك نقطة بسيطة في التعبير عن نفسي عن امتلاكها: فأنا أعرف ذلك بالفعل. وكما يقول فيتجنشتاين على نحو ملائم: “إن العجلة التي يمكن أن تديرها دون أن يتحرك معها أي شيء، تلك العجلة ليست جزءًا من الآلة” (271).

يثير فيتجنشتاين سؤالين رئيسين قريبًا من بداية ذكره لحجة اللغة الخاصة. في الفقرة 244 يسأل “كيف تشير الكلمات إلى الأحاسيس؟”، وفي الشذرة 247 يسأل “ما معنى إحاسيسي الخاصة؟” المناقشة التي تجري بين 244 و 317، متداخلة مع النقاش حول التعريف الخاص، ويبدو أنها تهدف إلى الإجابة على هذين السؤالين.

النقطة الأولى التي يقوم بها هي أن كلمة “ألم” هي تعبير عن الإحساس وليس وصفًا له، كما رأينا. إنه ليس وصفاً لسلوك الألم: “التعبير الكلامي عن الألم يحل محل البكاء ولا يصفه” (شذرة 244).

في شذرة رقم 246 يناقش فتجنشتاين معرفتنا بأحاسيسنا. ويخلص إلى أنه من الهراء القول “أنا أعلم أنني في حالة ألم” لأنه لا يعني أكثر من ذلك “أنا في حالة ألم”. من المنطقي أن نقول أنه في حين أن الآخرين يمكن أن يشكوا في أنني أشعر بالألم، أنا لا أستطيع الشك في ذلك.

في الفقرة رقم 246، يستنتج فيتجنشتاين أن الأحاسيس خاصة، وأن هذا هو اقتراح مسبق – أنه لا يمكن منطقيًا أن يكون بأي طريقة أخرى: “إن اقتراح” الأحاسيس خاصة “يمكن مقارنته بـ: “لعبة السوليتار التي تلعبها لوحدك”. (248) وهذا هو رفض واضح للسلوكية، التي تنفي وجود الأفكار والأحاسيس الخاصة.

في المادة 272 ، في ما يبدو أنه مقدمة لمَثل “خنفساء في الصندوق”، يقول فيتجنشتاين:

الشيء الأساسي في المرور بتجربة خاصة لا يتمثل بالتحديد في أن كل شخص يمتلك نموذجه الخاص، ولكن لأن لا أحد يعرف ما إذا كانت التجربة التي عاشها الآخر هي تلك نفسها أو واحدة أخرى مختلفة. وأن يكون حينئذ لجزء من الإنسانية إحساس بالأحمر ولجزء آخر إحساس ثان هو افتراض ممكن، رغم عدم إمكانية التثبت منه.

في الفقرة 293، تقترح حجة “الخنفساء في الصندوق” نفسها استنتاجًا مشابهًا ولكن أكثر عمومية. الكلمات العامة التي تشير إلى الأحاسيس الداخلية لا تحصل على معانيها من الأحاسيس نفسها. كل هذه الكلمات تخبرنا أن هناك إحساسًا، وليس ما هو الإحساس. بالنسبة إلى فيتجنشتاين، فإن المعنى اللغوي هو في استخدام الكلمات، وكما ذكر أعلاه، فإن استخدام كلمة “ألم” هو التعبير عن الإحساس بدلاً من وصفه:

لنفترض أن كل شخص لديه صندوق به شيء فيه: نسميه “خنفساء”. لا يمكن لأحد أن ينظر إلى صندوق أي شخص آخر، والجميع يقول إنه يعرف ما هي الخنفسة فقط من خلال النظر إلى خنفساء. هنا سيكون من الممكن جدًّا أن يكون لدى الجميع شيء مختلف في صندوقه. الشيء الموجود في العلبة ليس له مكان في لعبة اللغة على الإطلاق.

ما يقوله فيتجنشتاين هو أن كلمة “خنفساء” لا يمكن أن تشير إلى الخنفساء نفسها، لأنه إذا فعلت ذلك، فإنني فقط أستطيع أن أعرف ما قصدته بكلمة “خنفساء”، لأنني أعرف ما هو موجود في صندوقي فقط. وبنفس الطريقة، يمكننا أن نرى أن كلمة “ألم” لا يمكن أن تشير مباشرة إلى الإحساس، لأنني فقط أستطيع أن أعرف ما هو هذا الإحساس: إذا كانت الكلمة تشير إلى الإحساس، فإن الكلمة لن تعني شيئًا لأحد غيرى ( ككلمة في لغة خاصة). من الواضح أن كلمات الإحساس لدينا يجب أن تخبرنا بشيء عن نوع الإحساس الذي تشير إليه، وإلا سيكون من الصعب رؤية أي فرق بين “الألم” و”المتعة”. لكن ما يحاول فيتجنشتاين إظهاره هو أن ما نشعر به بالفعل -والذي لا يمكن لأحد أن يعرفه حقًا- لا علاقة له بمعنى الكلمة.

لذا يبدو أن موقف فيتجنشتاين هو أن الأحاسيس هي بالتأكيد خاصة، وأن كلمات الإحساس لا تملك الأحاسيس نفسها كمعنى لها، وفي الحقيقة فإن الطبيعة الدقيقة للإحساس ليس لها تأثير على معنى (استخدام) الكلمة على الإطلاق. تشير الكلمة فقط إلى وجود نوع معين من الإحساس.

التأويلات وتجلياتها

لماذا طرح فيتجنشتاين مفهوم اللغة الخاصة ليحاول تدميره على الفور؟ ما هي الخدمة التي كنت سأقوم بها لعلم الأحياء إذا كان لي أن أقترح نظرية تعرف باسم “نظرية العلجوم الضخمة”، مما يوحي بوجود بعض الضفادع الهائلة في مرحلة ما من عصور ما قبل التاريخ، فقط لأجيب نفسي أنه لا يوجد دليل على الإطلاق على مثل هذه الفكرة و أن النظرية بأكملها يبدو أنها لا أساس لها من الصحة.

هناك العديد من التفسيرات المحتملة لدوافع فيتجنشتاين، ويجب أن أكون واضحًا بشأن حقيقة أن التفسير الخاص بي ليس صحيحًا، وهو واحد من العديد من الاحتمالات.

أحد الاحتمالات هو أنه كان يرغب في الدفاع عن أو الهجوم على السلوكية. يشير مثال الخنفساء في الصندوق، بالإضافة إلى المناقشة التي جرت في فقرة رقم 244 حول العلاقة بين كلمات الإحساس والسلوك، إلى أن كلمات مثل “ألم” تحصل على معانيها من السلوك الذي تحل محله:

“هنا أحد الاحتمالات: ترتبط الكلمات بالتعبيرات البدائية  والطبيعية  والتعبير عن الإحساس وتستخدم في مكانها. لقد جرح طفل نفسه وهو يبكي. ثم يتحدث الكبار إليه ويعلموه علامات التعجب ثم لاحقًا الجمل. يعلمون الطفل سلوك الألم الجديد.”

إحدى الطرق لتفسير ذلك هي أن تعتقد أن فيتجنشتاين يعتقد أنه عندما أقول “أنا في ألم”، فأنا فقط أقول فقط أنني أصررت على القيام بسلوك الألم. القول بأنني أشعر بألم في يدي أن أقول إنني أميل إلى تمسك يدي والصراخ أو البكاء. لكن تعليقات فيتجنشتاين الخاصة تقوض هذا التفسير. في نهاية الملاحظة نفسها يقول:

“إن التعبير الكلامي عن الألم يحل محل البكاء ولا يصفه”

ثم يقول لاحقًا:

لكنك ستعترف بالتأكيد بوجود فرق بين سلوك الألم المصاحب للألم و سلوك الألم دون أي ألم؟  أعترف بذلك؟ ما الفرق الأكبر الذي يمكن أن يكون هناك؟

هكذا يدعي فيتجنشتاين أن كلمة “ألم” تشير إلى إحساس، لكنها لا تصفه. لذا فإن الإحساس الفعلي الذي تشعر به لا يؤثر على المعنى (أي الاستخدام العام) للكلمة، ولكن سواء كان هناك إحساس يشعر به أم لا.

هناك تفسير آخر محتمل هو أن فيتجنشتاين أراد معالجة مشكلة كونت حول استحالة الاستبطان، وهي فكرة أنني سأحتاج إلى تقسيم ذهني بطريقة أو بأخرى بين الشعور بإحساس وملاحظة نفسي بالشعور بهذا الإحساس. ومع ذلك، وفقًا لفيتجنشتاين، لا أحتاج إلى ملاحظة حقيقة أنني أشعر بالألم. أعرف ذلك جيدًا بالفعل، لا أستطيع أن لا أعرف ذلك. وبالنظر إلى أن لغة فيتجنشتاين لا يمكن أن تصف الأحاسيس الداخلية، فإن الاستبطان سيكون عديم الفائدة على أي حال. لا يمكن أن تخبرنا بأي شيء لا نعرفه. لكن كل من هذه الآثار تبدو وكأنها آثار جانبية بدلًا من كونها الإلهام الرئيسي للحجة.

هناك رأي آخر هو أن فيتجنشتاين كان يهاجم اللغة الخاصة من وجهة نظر التشكك في الذاكرة. وقد زُعم أن هذا الموقف سيؤدي إلى هزيمة الذات، لأن الاعتماد على قواعد الذاكرة يستبعد الصواب والاتساق في اللغة العامة كذلك. لكن هذا مبني على سوء فهم. تتعلق الأهمية في العلاقة العقلية الداخلية بين الكلمة ومعناها الذي لا يعترف به فيتجنشتاين. بالنسبة إلى فيتجنشتاين، فإن معنى الكلمة هو استخدامها المتفق عليه. في الشذرة رقم 241، مباشرة قبل حجة اللغة الخاص، يقول:

“إذًا أنت تقول أن الاتفاق الإنساني يقرر ما هو صحيح وما هو خاطئ؟”

هذا ما يقوله البشر أن هذا صحيح وكاذب، ويتفقون في اللغة التي يستخدمونها. إنه ليس الاتفاق في الآراء ولكن في شكل الحياة.

هذا يقودنا إلى الوظيفة الحقيقية للحجة اللغوية الخاصة والمناقشة المرتبطة بالأحاسيس. أعتقد أن التأويل الأكثر منطقية هو أن الحجة هي دفاع ضد اعتراض محتمل على “وجهة نظر المجتمع” لقواعد اللغة ومعناها. هذا هو الرأي الذي يفضله كل من ساول كريبيك ونورمان مالكولم وغيرهم.

يقرر المجتمع أن القاعدة يجب أن تشكل جزءًا من ممارسة متفق عليها من قبل مجموعة من الناس الذين يشكلون مجتمعًا محليًّا. يعترض كولن ماكجين على هذا المفهوم، ويقول أن فيتجنشتاين يطلب فقط أن يكون هناك تعدد لحالات اتباع القواعد لتشكيل ممارسة. يعترض مالكولم في المقابل في أن تكرار الفعل لا يعني أن الإجراء يتبع القاعدة. إذا كان الأمر كذلك، فلن يكون هناك فرق بين الممارسة التي تحكمها القاعدة والعادة. ثم نقل مالكولم عن فيتجنشتاين قوله:

هل يمكن للرجل الانفرادي أن يحسب؟ هل يمكن للرجل الانفرادي أن يتبع القاعدة؟ هل هذه الأسئلة تشبه إلى حد ما هذه الأسئلة: “هل يستطيع الشخص الانفرادي أن يمارس التجارة؟”؟

(ملاحظات حول أسس الرياضيات ، الصفحة 349).

كذلك، فإن قراءة واحدة للفقرات 240 و241 تعطينا رأيًا قويًا يفيد بأن فيتجنشتاين يعتقد أن هذا الاتفاق المجتمعي ضروري للقواعد الواجب اتباعها وللكلمات التي يجب أن يكون لها معنى. حتى إذا كان فيتجنشتاين غير صحيح هنا، فإنه لا يؤثر على ما أعتقد أنه الهدف وراء حجة اللغة الخاصة.

بعد أن صرَّح فتجنشتاين بأنه “من غير الممكن الامتثال للقاعدة بشكل خاص” (شذرة 202)، نظرًا لأن القواعد تستند إلى اتفاق المجتمع، يصبح هناك اعتراضين محتملين، خصوصًا عندما يعترف فيتجنشتاين بأن الإحساس خاص.

أولاً، إذا كان لدينا أحاسيس خاصة لا يمكن أن نخطئ فيها، فربما كان بإمكاننا أن نحصل على كلمات تشير إلى تلك الأحاسيس. لا يمكن أن نخطئ في معنى هذه الكلمات لأننا لا نستطيع أن نكون مخطئين بشأن أحاسيسنا. ولكن هذا من شأنه أن يصل إلى كلمة لها معنى ، ويتم اتباع قاعدة استخدام ، دون اتفاق المجتمع عليها. ثانيًا، تحتوي اللغة العامة على كلمات تبدو وكأنها تشير إلى الأحاسيس الخاصة، لكننا لا نستطيع أن نتفق على أحاسيسنا الخاصة، لذلك ربما لا يمكننا أن نتفق على معاني هذه الكلمات المثيرة. إن استنتاجات حجة اللغة الخاصة، إذا كانت صحيحة ، من شأنها أن تعالج هذه الاعتراضات بفعالية.

من الصعب اختبار ما يقوله فيتجنشتاين لأنه لا يجادل بالمعنى التقليدي. لم يشرع في الدفاع عن أطروحة، بل هو يريد الحد من التباسنا من خلال توضيح اللغة. إنه يعتزم “أن ترشد الذبابة كيف تخرج من فخ الذباب”. (شذرة 309)

تترك ملاحظات فيتجنشتاين شعورًا قويًا بالشك في أن اللغة خاصة ممكنة، مفيدة، أو حتى يمكن تصورها. وملاحظاته حول لغة الإحساس تقوم بعمل ممتاز لتوضيح ما نعنيه عندما نتحدث عن “الألم” (على ما يبدو المثال المفضل لدى فيتجنشتاين). بهذا المعنى هو ينجح.

ترجمة: مروان محمود

مصدر الترجمة

شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي