ستانلي كوبريك «انعكاس فلسفة نيتشه على السينما الأمريكية»

final

كوبريك هو ذلك المراهق المصاب بهوس الشطرنج وموسيقى الجاز والتصوير الفوتغرافي
مستحيل أن تجد قائمة بأفضل عشرة مخرجين في التاريخ لا تحتوي على اسم (ستانلي كوبريك/Stanley Kubrick)

وُلدَ كوبريك في 26 يوليو 1928 في نيويورك. كان والده مهووسًا بالشطرنج فنقلَ هذا الهوس لستانلي في الثانية عشر من عمره وأصبح كوبريك مهووسًا بهذه اللعبة طوال حياته، كما اشترى له والده كاميرا من نوع Graflex عندما كان في عمر الثالثة عشر، مما أدى إلى عشق ستانلي للتصوير الفوتوغرافي، في سن المراهقة كان كوبريك مهتمًا بموسيقى الجاز، وحاول بإيجاز أن يكون لاعب درامز.

درس كوبريك في ثانوية ويليام هوارد تافت في عام 1941 ،وفي الثانوية تم اختيار كوبريك ليكون المصور الرسمي للثانوية لمدة سنة واحدة. تخرج كوبريك من الثانوية في عام 1945 ولكن درجاته الضعيفة مقترنة بالطلب الكبير على الاعترافات الجامعية من الجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية، قضت على أمل التحاقه بالجامعة، ولكن اعترف كوبريك فيما بعد بأن التعليم لا يعني له أي شيء.

سعى كوبريك للعمل كمصور فوتغرافي وباع سلسلة من الصور الفوتوغرافية لمجلة Look واستكمل دخله بواسطة لَعبِه للشطرنج في حديقة ميدان واشنطن ونوادي الشطرنج في مانهاتن مقابل أرباع الدولارات.

بعد إنجازه مجموعة صور عن الملاكم (والتر كارتير/Walter Cartier) وبعد أن شجعه صديقه أليكس سينغر لصناعة الأفلام الوثائقية، وظف ستانلي كوبريك كل مدخراته المالية لتحويل هذه الصور إلى أول فيلم وثائقي له من 16 دقيقة بعنوان Day of the Fight وباع كوبريك هذا الفيلم بمبلغ 100 دولار لشركة RKO التي مولت فيلمه الوثائقي الثاني Flying Padre ومن ثم أنجز كوبريك فيلمه الثالث The Seafarers وهو أول فيلم ملون له.

 

تأثره بنيتشه:
يعتبر فريدريك نيتشه واحد من أكثر القوى الفكرية استقطابًا، وليس ذلك بكثير نظرًا لكلماته وفلسفته المثيرة للجدل التي كانت منهج لكثير من الفنانين.

كثير من الملحنين والرسامين والمخرجين والمصورين، كانت أعمالهم متأثرة بالكتابات الفلسفية لنيتشه.

أحد أهم الأسئلة الأساسية للفن هو مَنْ نحن، مِنْ أين أتينا، وماذا يكمن وراء ذلك؟! نيتشه يُعالج كل ذلك بطريقة العدمية. كتاباته قوية بشكلٍ مدهش، ولكنه نادرًا ما يصدر حكمًا دون سبب وجيه وصحيح بما فيه الكفاية، وقال أنه لا ينتقد الدين بشدة، ولكنه له أسباب واضحة ترجع لمفهومه للإرادة.

كذلك كان كوبريك نادرًا ما يلتفت للدين في أعماله بشكل مباشر حدث ذلك في «Clockwork Orange» و«Barry Lyndon»، فاستمرت فلسفة كوبريك المضادة لفكرة البطولة أو السلطة والخالية من حكم الإله أو المخرج.

ولكن فيلم «2001: a space odyssey» الجميع يجد الله في الفيلم، رغم تصريح كوبريك في أكثر من لقاء أنه أمر غريب فلم يتم ذكر اسم الله فيه.
ولكن الفيلم به تلك النيتشويه الساحقة حيث يتم حفر اثنين من الفلسفات المعارضة -التي هي أشبه بالمسألة ومكافحة هذه المسألة- على مسار تصادمي لمعرفة أي واحدة يمكن أن تكون النوع المرغوب فيه للإنسان.

معظم الأفلام تجد أنه من الضروري أن تنتهي بفكرة محددة الملامح مع نوع من شرح فوائد تلك الفكرة، لكن كوبريك لم يكن كذلك، وهذا جزء كبير مما يجعل أفلامه فريدة من نوعها.
كوبريك لا يهتم بما يجب أن يفهمه جمهوره، إنه يؤيد تمامًا فكرة أن النهايات تأتي من الإرادة الحرة وليس قانون أخلاقي، فشخصياته تتحرك في فضاء فلسفة نيتشه بين السبب والنتيجة وبعض التفكير النادر في العواقب.

أهم أفلامه:

  • «2001: a space odyssey» :

تخيل نفسك تجلس لتشاهد فيلمًا، فتجد بدايته عباره عن شاشة سوداء تمتد إلى ثلاث دقائق تقريبًا على صوت (أزيز حاد ومتفاوت الدرجات) يضعك مبكرًا تحت حالة القلق والخوف من المجهول التى ينشدها كوبريك، ينقلنا بعدها إلى شاشة زرقاء يتوسطها الأسد الذهبى التابع لشركة (Metro-Goldwyn-Mayer) الإنتاجية. ثم يعود مرة أخرى إلى الشاشة السوداء، بعدها يقفز المخرج Stanley Kubrick» « إلى سطح القمر المظلم المليء بالأخاديد والتشققات متحركًا لأعلى إلى قطب القمر الشمالى، وفجأة وبدون سابق إنذار تضرب موسيقى الألمانى» «Richard Strauss مع أول دفقة من دفقات الضوء الذى يأتى من الشمس القابعة على الطرف البعيد من الشاشة أثناء التعامد السماوي الثلاثي بين القمر والأرض والشمس، وقبل أن يختفى القمر تدريجيًا ليحل محله إسم الفيلم فى الجزء السفلي من الشاشة.

ربما يكون الفيلم الأمريكي الأكثر شهرة في القرن الـ 20، يعتبره العديد من النقاد أنه أعظم أعمال كوبريك، وهو فيلم ملحمي يتتبع الدكتور ديف بومان رائد الفضاء أثناء محاولة لفهم الصخرة الغامضة التي ظهرت تحت سطح القمر.

الفيلم يتناول العديد من القضايا، ولكن في الحقيقة أنه لَمْ يعطِ أية إجابات قاطعة على الأسئلة التي تثيرها، كوبريك لم يختلق فكرة عدم الوصول لإجابات على هذه الأسئلة، ولكنه أراد فقط أن يترك الفيلم مفتوح للتأويل.
قضية التكنولوجيا هذا هو الطريق الأكثر وضوحًا الذي يمكن أن ننظر إليه. في بداية الفيلم يتم عرض بداية الإنسان، القرود يدافعون عن أنفسهم كما أنهم يستخدمون أشياء بسيطة جدًا فقط لإنجاز مهماتهم، والشيء الوحيد من (التكنولوجيا) المستخدمة هي قوتهم وعظامهم.

بينما عندما نذهب إلى بعثة كوكب المشتري، نجد الإنسان يسيطر على كل شيء بواسطة أجهزة وفيديوهات وهواتف.

فيما بعد من الفيلم نجد «HAL 9000» يبدأ الهيمنة على الشخصيات الرئيسية لدينا إلى حد قتل أفراد الطاقم.

إلى أين يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القادمة؟ هل ستحل محلنا الآلات؟ وحريتنا في التعبير والخصوصية هل ستهددها التكنولوجيا؟! هذه هي بعض الأسئلة التي يثيرها الفيلم وبطريقة ما يحذرنا حول ما يمكن أن يحدث.

التطور مستمر:

منذ بداية الإنسان إلى وصوله لكوكب المشتري وما بعده من اللانهاية، يعرض الفيلم موضوعًا ضخمًا وهو التطور، وإلى أي مدى وصلنا كبشر وكيف يمكننا مواصلة التطور. بدأنا كجنس بسيط من الكائنات في محاولة لفهم الحياة وهدفنا منها، ثم في نهاية المطاف في محاولة لفهم أكثر من ذلك كبشر، ونواصل القيام بذلك اليوم.

الجنين يخبرنا الكثير حول من أين ينحدر التطور، ليس مجرد منذ بداية الوقت، ولكن أيضًا منذ ميلاد الحياة. فنحن نتطور من كوننا أطفال إلى كبار وعندما تأتي حياة جديدة في العالم، يبدأ التطور مرة أخرى ومرة أخرى. إنها دورة الحياة، مثل التناسخ، والذي يقودنا إلى النقطة التالية.

الدين:

الكثير من الصور التخيلية وضع نغمات دينية لها، على سبيل المثال: القرود تنظر إلى المسلة كما لو أنهم ينظرون إلى ربهم، طريقة القرود تلمس وتشعر أنها تشابه الناس الذين يصلُّون أمام الصليب في الكنيسة.

بالإضافة إلى ذلك كما ذكرنا، الفكرة كلها من كونها وُلدتْ من جديد واستمرار دائرة التطور البارزة خصوصًا في نهاية المطاف، حيث تظهر المسلة أمام السرير لـ «Dave» العجوز ومن ثم فإننا نرى الجنين. تشابه لفكرة أن الله يأخذ الحياة من إنسان لحياة أُخرى قادمة. رغم ذلك، ما هي الحياة القادمة؟! هذا هو السؤال الذي تبقى للجمهور لاتخاذ قرار.

 

  • «a clockwork orange»

 امتداد للاستخدام الأمثل للموسيقى الكلاسيكية في 2001 واستمرار كوبريك في التمسك بالعمق الفلسفي في أفلامه.
يبدأ الفيلم بتناول أحداث الاغتصاب والسرقة التي يمارسها المراهق أليكس وعصابته، التي تستمر إلى أن يتم حبس أليكس ومواجهته لوسائل إعادة تأهيله.

ربما يقصد كوبريك في المقام الأول من فيلمه التحرري أن يُعلق على القوة المتزايدة للدولة وكيف يمكن أن تسيء استعمال قوتها عمدًا ودون قصد. ومن الواضح أن أليكس يحتاج إلى بعض المساعدة النفسية ولكن يصطدم بمنهج الدولة التي يمكن وصفها أنها لا تعرف الرحمة، فبعد العلاج المستمر يخرج أليكس وهو لا يستطيع الإقدام على أي أعمال عنف حتى لو كان دفاعًا عن النفس، على الرغم من ذلك، قال أنه لايزال يعمل بشكل غير أخلاقي في السعي لتقديم تعويضات.

ربما هو كوبريك قائلًا أن الطبيعة البشرية هي إلى حد ما غير قابلة للتغيير، ولكن يبدو أيضًا وكأنه قائلًا أن الدولة هي أداة غير حادة قادرة تمامًا على تصحيح عيوب الرجل.
يعرض كوبريك أيضًا تعليقًا على الإرادة الحرة، ويؤكد بأن أي محاولة لسلبها، لها نتائج عكسية.

انعكاس فكرة الدين في البرتقالة الآلية ظهر في السجن فكان أليكس يعمل كمساعد لقسيس السجن، وفيه نرى أليكس يقول أنه عندما كان يقرأ الكتاب المقدس كان يستمتع بقصص ضرب قدماء اليهود لبعضهم ومغامراتهم الجنسية، كما كان يتخيل نفسه وهو يعذِب، وكما يقول كان مسؤولاً عن الجلد ودق المسامير.

وفي هذا الجزء ومن خلال موعظة القسيس نتعرف على المحور الأساسي للفيلم، وهو تعريف الصلاح وهل ينبغي أن يكون تطوعي يأتي من الداخل أو يفرض فرضًا كما سنرى لاحقًا، يقول القس أن الإنسان إذا فقد القدرة على الاختيار فقد إنسانيته.

 

  • «The Shining»

هنا استخدم كوبريك قالب الرعب لعرض بعض النقاط الفلسفية، ويبدو أن الفيلم يركز على ثلاثة محاور فلسفية كبرى: الهاجس، والتاريخ، ومفهوم القصاص.

جاك لديه هاجس بوضوح في عمله ويجده مأوى مريح بالنسبة له لتجنب عائلته وإهمال واجباته الأبوية في نواحِ كثيرة، وأحداث الفيلم هي نتيجة لإهمال جاك، فتجول داني في جميع أنحاء الفندق وتلك الحوادث المختلفة هي بالتأكيد نتيجة ثانوية لعدم وجود إشراف الوالدين.

هناك أيضًا سابقة تاريخية تتخلل هذه الأحداث، فنعلم أنه في وقت سابق حدثت جريمة قتل مروعة في هذا الفندق، يبدو أنه محكوم عليه تكرار هذه الأحداث بغض النظر عن مدى العبثية التي من الممكن أن تلاحظ.

هكذا باختصار، يمكن أن يدمر هاجس كل شيء، ومن المهم دائمًا أن يوضع في الاعتبار التاريخ وتطوره، وربما هناك شعور الكونية أكبر من الكرما التي تعمل جنبًا إلى جنب مع هاتين الحقيقتين.

لن نستطيع إنهاء الحديث هنا دون الرجوع إلى آداء نيكلسون الكلاسيكي فربما هذا الفيلم هو أكثر أفلام هذا النوع كمالًا من حيث التصوير والموسيقى والإخراج والآداء.

 

 

إعدادeslam mostafa

مراجعة لغوية: سمراء طارق

المصادر :
http://sc.egyres.com/O8FpB
http://sc.egyres.com/399IH
http://sc.egyres.com/02XH7

http://sc.egyres.com/W6C4l

 

شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي