سيكولوجية الموت

سيكولوجية الموت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
كتب الدكتور (ستيف تايلور – Steve Taylor) -محاضر علم النفس- في مجلة (علم النفس اليوم – Psychology today):

«علينا جميعًا أن نواجه الأمر في مرحلة ما. حدثٌ بهذه الضخامة يمكن أن يجعل كل شيء آخر في حياتنا يبدو غير مهم: الموت، نهاية وجودنا، رحيلنا عن هذا العالم».

نحن نعيش في ثقافة تنكر الموت، لقد تعلمنا أن الموت شيء يجب أن نهرب منه ونحاول نسيانه، فإذا بدأنا في تأمل موتنا -كما تقول الحكمة القديمة-؛ فسوف نصبح قلقين ومكتئبين، ولا شك في أن هذا هو الحال في كثير من الأحيان.

في علم النفس، تشير نظرية (السيطرة على الخوف – Terror management theory) إلى أن جزءًا كبيرًا من السلوكيّات البشريّة ناتج عن خوف لا واعي من الموت، هذا الخوف يولد قلقًا وذعرًا جوهريّين نحاول موازنتهما من خلال سلوكيّات مثل السعي إلى المكانة أو الدفاع بقوة عن قيم ثقافتنا.

يشعرنا الموت بالتهديد، لذلك نبحث عن الأمان لندافع عن أنفسنا ضده، وقد أظهرت الدراسات أنه عندما يصبح الناس أكثر وعيًا بموتهم يميلون لأن يكونوا أكثر وطنيّة وقبليّة وكذلك أكثر ماديّة.

مع ذلك ليس هذا هو الحال دائمًا في الواقع، فهناك أيضًا قدر كبير من الأدلة التي تظهر أن وعيك بموتك يمكن أن يكون له تأثير إيجابيّ قوي، ويؤدي إلى تحول جذريّ في مواقفك ونظرتك للأمور.

لقد قابلتُ العديد من الأشخاص ممن خضعوا لهذا التغيير في كتابي (الخروج من الظلام)، أشخاص شُخِّصُوا بالسرطان، أو ممن تعافوا من تجربة موت وشيكة الحدوث مثل أولئك الذين تعرضوا لأزمة قلبيّة أو كادوا يغرقون.

التأثيرات التحويليّة

إن الأشخاص الذين قابلتُهم حصلوا على قدرة جديدة على العيش في الوقت الحاضر، فقد علّمَتْهم مواجهةُ الموت أن المستقبل والماضي ليسا مهمين وأن الحياة لا تحدث إلا في اللحظة الراهنة، لقد قاموا باتخاذ موقفًا أكثر تقديرًا للحياة، وشعروا بالامتنان لجوانب حياتهم التي اعتبروها من الأمور المسلم بها قبل ذلك.

أصبحوا ممتنين لأصدقائهم ولعائلاتهم، ممتنين فقط لكونهم على قيد الحياة، ممتنين لكونهم قادرين على إدراك العالم من حولهم وتجربته، لقد أصبح العالم مكانًا أكثر واقعيّة، وأصبحت الأشياء التي لم يسبق لهم الانتباه إليها نابضةً بالحياة ورائعة بشكل لافت.

لم تعد المخاوف أو الأشياء المقلقة التي أرهقتهم من قبل مهمة بالنسبة لهم، -على سبيل المثال المخاوف المتعلقة بحب الناس، أو عدم النجاح في حياتهم العملية أو المخاوف المتعلقة بالأحداث التي سببت لهم حرجًا في الماضي-.

لقد كان هناك تحوّلٌ من موقفٍ ماديٍّ متمحورٍ حول الذات إلى موقف إيثاريٍّ أقل أنانية، كان هناك شعورٌ بالتحرر، فقد حرروا أنفسهم من الخوف، والطموحات، ومن التعلق بالسلع الماديّة والسعي وراء المكانة.

كان هناك مثال قويّ في نشرة الأخبار في المملكة المتحدة مؤخرًا، حيث شُخِّصَ عازف جيتار الروك (ويلكو جونسون – Wilko Johnson) عضو فرقة (دكتور فيلجود- Dr. Feelgood) بسرطان المعدة العام الماضي، وقد أخبروه أن أمامه ثمانية أشهر فقط أو تسعة للعيش، ثم تحدث بعد أسابيع قليلة من تشخيصه قائلًا إنه كان يشعر بأنه حيّ، وأنه استمتع بشعور من النشوة مع هذا الإحساس المذهل بالحرية.

كما قال (جونسون) (لهيئة الإذاعة البريطانية – BBC) أن شعور النشوة بدأ بمجرد أن أُخبِر بالتشخيص، فقد عبّر (ويلكو) عن شعوره وقتها قائلًا:

«خرجنا من غرفة الاستشارات وشعرت بابتهاج الروح، أنت تسير على طول الطريق ثم تصبح فجأة نابضًا بالحياة، تنظر إلى الأشجار والسماء وكل شيء وتتعجب! في الواقع أنا شخصٌ بائس، لقد قضيت معظم حياتي في اكتئاب وأمور مقلقة ولكن زال كل هذا، الأمور التي اعتادت أن تحبطني أو تقلقني، وتزعجني لم تعد مهمة بعد الآن، وذلك عندما تجلس مفكرًا تتعجب لماذا لم أفعل هذا من قبل؟ لماذا لم أكتشف هذا قبل هذه اللحظة المهمة التي أنا فيها».

إن القلق بشأن المستقبل أو الندم على الماضي هو مجرد تضييع أحمق للوقت، بالتأكيد لا يمكننا جميعًا أن نكون مهددين بالموت الوشيك، ولكن من المحتمل أن هذا سيجعلنا نفكر قليلًا بطريقة عقلانية في الوقت الحالي لأن الموت رائع؛ فهو يجعلك تشعر بأنك على قيد الحياة.

المشي في الشارع فقط يجعلك تشعر بأنك على قيد الحياة، كل شيء صغير تراه، كل نسيم بارد يشعر به وجهك، كل صخرة تمر بها في الطريق، أنت تقول في ذهنك: «أنا على قيد الحياة، أنا على قيد الحياة».

المواجهة والقبول

إِذَن، لماذا يكون للوعي بالموت تأثيرٌ إيجابيّ على بعضٍ من الناس وآخرين لا؟

يعتمد ذلك -إلى حد كبير- على شدة مواجهة فكرة موتنا، فيحدث القلق عادةً عندما نعي الموت بشكل سلبيّ، ونفكر فيه بطريقة غامضة بدلًا من مواجهته بالفعل، بالتأكيد هناك اختلاف مهم بين إدراك الموت باعتباره مفهومًا -كما كان الناس في بحث نظرية السيطرة على الخوف- وبين مواجهة حقيقة الموت والإجبار على التعامل معه باعتباره احتمالًا وشيكًا.

عندما نواجه الموت بشكل نشط ومباشر، فهناك احتمال بأننا سوف نتجاوز القلق والمخاوف، ونختبر قدرته على التغيير.

إن القبول مهم أيضًا، فإذا قاومنا الموت، وحاربنا حتمية وقوعه، ورفضنا التخلي عن حياتنا وشعرنا بالمرارة حيال كل ما سنخسره ونتركه خلفنا، فإننا سنكون أقل عرضة للتأثيرات الإيجابية المحتملة من تقبلنا له، الأهم من ذلك، يجب أن نستغل التأثير التحويليّ للموت دون الموت حقًا!

من المهم لنا أن نبذل جهدًا واعيًا لتذكير أنفسنا بحتمية موتنا، فقد يجب علينا قضاء بضع دقائق كل يوم نفكر في ذلك، متأملين في حقيقة أننا فقط على هذا الكوكب لفترة محددة من الوقت حيث قد يأتينا الموت في أيِّ لحظة.

قد يبدو هذا كئيبًا بالنسبة إلى البعض، ولكنّ الأمر يتعلق فقط بمواجهة الواقع، ففي النهاية نحن جميعًا في وضع مريض السرطان نفسه الذي أُخبِر أنه لم يتبق له من الوقت سوى قدر معين ليعيشه، نحن فقط لا نعرف مقدار الوقت المتبقي لنا، ومن المحتمل أن أغلبنا سيكون لديه وقت أكثر من مريض السرطان.

إن الموت موجودٌ دائمًا، وقوته التحويليّة متاحة دائمًا لنا، طالما كنا شجعان بما فيه الكفاية لمواجهته.

إن إدراكنا ووعينا بموتنا يمكن أن يكون تجربة تحرُّرية وصحوة لنا يمكنها -على نحو لا يخلو من المفارقة- أن تشجعنا على العيش بشكل أصيل وكامل لأول مرة.

 

المصدر