شيث، المسيح الآخر والابن الثالث لآدم، تقدمة عن الشيثية.

شيث.. المسيح الآخر والابن الثالث لآدم، تقدمة عن الشيثية.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

” والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”  (يوحنا، 5:1)

يؤمن اليهود والمسيحيون والمسلمون بالابن الثالث لآدم وحواء أخي هابيل وقابيل وهو النبي شيث-Seth، حيث ذُكر في التناخ على أنه الابن الثالث لآدم وحواء، كما يذكره المؤرخ الإسلامي ابن كثير باعتباره نبيًّا من أنبياء الله مثل والده آدم، ويختلف بعض المسلمين في وجوده بالاسم في الحديث المذكور في صحيح ابن حبان معلِّلين بتضعيف الشيخ الألباني للحديث.

وعلى الرغم من اتفاق الديانات الإبراهيمية على وجوده، فإنه غير مذكور في أي منهم باعتباره جزءًا من الطبيعة الإلهية، فهو ليس جزءًا من الثالوث المسيحي، وليس جزءًا من الذات الإلهية في أي من الديانات الإبراهيمية الثلاث، غير أن الشيثيِّين يؤمنون بغير ذلك.

أصل الديانة الشيثية

لنرجع إلى ما قبل العام ١٩٤٥، حين لم يكن لدى العالم معلومات عن الشيثية غير تلك المذكورة في كتب الآباء القدامى للكنيسة، باعتبارهم فرقة مهرطقة وغير سليمة، فكانت كل المعلومات  قادمةً من مصدر غير محايد  يتهمهم بالهرطقة، ما جعل الوصول إلى معلومات حول أصل المعتقد الشيثي نفسه عملية صعبة وغامضة.

يقول الكاتب فريدريك وايز-Frederik Wisse: «كان أول ذكر للشيثية في كتابات القديس إيرينيئوس-Irenaeus والقديس إبيفانيوس السلاميسي، وفي الحقيقة فكتابات إبيفانيوس ما هي إلا تكرار لإيرينيئوس.» [1]

وربما تتساءل الآن، ما هي الديانة الشيثية إذًا؟

الشيثية هي توجه أو معتقد غنوصي[2]، والغنوصية -Gnosticism أو العرفانية هي مجموعة من الأفكار الدينية والمعتقدات القديمة المؤمنة بثنائية الوجود، حيث أن الكون هو امتزاج لثنائي من الروحية والمادية، فالجسد البشري هو مادة تلمس وتتغير وتتأثر بقوانين العالم المادي والروح البشرية هي الجزء الروحي والبعد الثاني للوجود الكوني بأكلمه.

يؤمن الشيثيون أن البشر يمتلكون المعرفة الإلهية الروحية بداخل أجسادهم المادية، وللوصول إلى هذه الحقيقة الروحية الإلهية يجب على البشر اتباع طريق المعرفة للتحرر من سجن المادة وشرها ولهذا سُمُّوا بالعرفانية.[3]

أما عن أصل التسمية فتُنسب الشيثية إلى شيث، ويؤمنون بأنه تجسيد إلهي فيما يعد شبيهًا بالثالوث المسيحي وبعضهم يسمون النبي شيث بالمسيح، حيث يؤمنون بأن شيث ما هو إلا انبثاق من الرب الأعظم.[4]

ويؤمن الشيثيون بأنهم من سلالة شيث الذين يمتلكون المعرفة الروحانية والبعيدون عن المادية وشوائبها، وانتشرت حول بلاد البحر الأبيض المتوسط، تحديدًا في مصر وفلسطين، ويختلف المؤرخون فيما إذا كانت الشيثية هي انسلاخ من اليهودية، باعتبارها تيارًا غنوصيًّا يهوديًّا خالصًا، أم هي انحرافٌ فكريٌّ من المسيحية الأولى.

كان كل هذا قبل عام ١٩٤٥ م، لتتغير من بعده مفاهيم كثيرة عن المعتقدات والدراسات الشيثية.

مفاهيم الديانة الشيثية

ففي هذا العام في مصر تحديدًا، يكتشف القروي محمد السمان المخطوطات التي ستغير كثيرًا من تاريخ الغنوصية كما نعرفه، مخطوطات نجع حمادي، اثنتا عشرة بردية مكتوبة باللغة القبطية تتنوع في محتواها بين المقالات الغنوصية وأخرى تحتوي على أعمال من متون هرمس[5]، وترجمة غير مكتملة لكتاب أفلاطون، الجمهورية.

مخطوطات نجع حمادي وعلاقتها بالديانة الشيثية
مخطوطات نجع حمادي وعلاقتها بالديانة الشيثية

كانت المخطوطات مخبأة في فخارات، والتفسير الأقرب هو كونها مخبأة للحفاظ عليها من حركة الطمس والإحراق الإمبراطورية التي بدأها الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم للكتب والأعمال الهرطوقية والتي تم نفيها من الكنيسة.[6]

التصور الإلهي للشيثية يختلف كثيرًا عن التصور القائم في سفر التكوين وعن التصور في القرآن الكريم كذلك، حيث يؤمن الشيثيون بإله كامل شامل لكل شيء، صاحب الهيمنة العليا ولكن يؤمنون كذلك بآلهة أخرى أقل شأنًا معه، تتفاوت درجاتهم، وربما آلهة تتصف بالشر أو المسخ.

إن التصور الكوني للشيثية معقد للغاية، كونهم مجتمعًا منغلقًا على ذاته، يميل إلى الانعزال عن المجتمع القومي الذي يعيشون فيه، ويرفضون الانسياق وراء المعرفة المادية والعلوم الطبيعية، زيادةً على هذا فيطرح الشيثيون فكرة أنهم يمتلكون معرفة سرية تمكنهم هم فقط من فهم أدق وأكثر انكشافًا عن الكون، فكل هذا بالإضافة إلى الممارسات التعبدية التي ما زالت غير معروفة حتى اليوم تضع الشيثية كتوليفة ومزيج من المعتقدات الغامضة والمثيرة للبحث.

معتقدات الديانة الشيثية

يؤمن الشيثيون بأن المادة أو العالم المادي الذي نعيش فيه خُلِقَ من إله مشوه يدعى ديميرج -Demiurge- وهو خالق الكون المادي المعروف من أرض ونجوم وأجساد، وظهر هذا الإله نتيجة أحد انباثاقات الإله الأعظم غير السليمة والتي أدت إلى ظهور هذا الإله غير المرغوب فيه ليخلق العالم المادي الشرير، ويقمع بداخله العالم الروحي السليم.[7]

حتى اليوم، ما زالت الكثير من ممارسات ومعتقدات الشيثية والغنوصية محل دراسات وتساؤلات، ويمكنك دومًا الاطلاع على النسخة الأصلية من مخطوطات نجع حمادي الغنوصية، والتى ترجع للقرن الثالث الميلادي، لترى تفاصيل المخطوطات الرائعة، في المتحف القبطي في القاهرة.

سنتتبع في المقالات القادمة كذلك سلسلة من المعتقدات والطوائف الدينية الغامضة على مر التاريخ ونتساءل سويًّا لِمَ لَمْ يعد أحد يؤمن بذلك، ونستمر في تتبع الخيط المعرفي لعجائب الحياة البشرية.

 

  1. يذكر إيرينيئوس في كتابه Adversus Haereses – الشيثيون ومعلومات عنهم ورد على معتقداتهم من وجهة نظر الكنيسة ويقدم إبيفانيوس السلاميسي ذكره للشيثيين في كتابه Panarion الذي أورد فيه أجزاء من نصوص الغنوصية المعدومة.
  2. يختلف المؤرخون فيما إذا كانت الشيثية هي ديانة قائمة بذاتها أم هي توجه ومجموعة من الأفكار الغنوصية الخالصة والأساطير الملحمية النصية.
  3. يؤمن الغنوصيون بأن المعرفة ليست هي المعرفة المادية العلمية النظرية بل المعرفة هي المعرفة الروحية التي تؤدي للوصول في النهاية إلى الحقيقة الإلهية الروحية بداخل كل فرد.
  4. قد يتداخل مفهوم الانبثاق الإلهي لشيث بمفهوم الأقانيم الثلاثة المقدسة في المسيحية ولكن هذا ليس دقيقًا حيث إن مفهوم الأقنوم المقدس في المسيحية لا يعني الانفصال فالأقنوم الإلهي لا ينفصل عن أقنوم الابن أو الروح القدس، غير أن الشيثية تؤمن بالانبثاق الذي يؤدي إلى الانفصال الكامل لذات شيث عن ذات الرب الأعظم.
  5. المتون الهرمسية Hermetica – هي مجموعة من التعاليم والحكم المصرية اليونانية والتي تتناول قضايا إيمانية وفلسفية بين شخصية هرمس المثلث العظمة – Hermes Trismegistus وتلاميذه وسنتطرق لها في مقالات قادمة.
  6. بعد مجمع نيقية المسكوني الأول أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم قرارًا بإحراق كتابات آريوس-Arius الذي كان رافضًا لعقيدة الثالوث بعد صراعه مع الكنيسة وربما كان هذا بداية الخوف من إحراق الأناجيل الغنوصية على الرغم من تواجدها بعد موت قسطنطين بكثير، ولكن حركة القمع الفكرية للتيارات المسيحية الشاذة والتي بدأها قسطنطين ظلت تسيطر على الفكر الإمبراطوري والحركة الكنسية تجاه هذه المعتقدات.
  7. في هذا تأثر واضح من الأفلاطونية الوسطي (Middle Platonism) والأفلاطونية الحديثة (Neoplatonism) والتي تؤمن بأن الكون قد خلق من فيض الرب الأعظم بكل ما انتشر فيه من مادة أو روح.