عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ

يأتي على لسان عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ:

«كنتُ أتعلَّمُ خلسةً، وأذاكر دروسي خفيةً واستتارًا، واستعدُّ للامتحانِ بين كل مرحلةٍ ومرحلة، في جوٍّ مشحون بالفزعِ والذُّعر. وحين كنتُ أخرج إلى المدرسة، في مواعيد اشتغال أبي بدروسه في المعهد الديني، كنتُ أمشي في الطريق فزعة اتلفت ورائي بين كل خطوة وأخرى، متوجِّسة خيفة أن يلمحني أبي! وإذا لم يخرج من البيت بقيت حبيسة لا أجرؤ على الخروج.. وفى مرة من هذه المرات، ذهبت لأؤدي امتحان شهادة الكفاءة للمعلمات، ولمَّا ظهرت النتيجة تحدَّثت الزميلات عن الحظ الذى أتاح لواحدة مثلي -من منازلهن- أن تكون أولى الناجحات في القُطر كله. ولم يشهدن بيتنا يومئذٍ وهو يترنَّح ويُوشك على الانهيار، وقد خرجت منه أمي مرتين طالقة، لأنها أصرَّت على تعليمي، وتعرَّض صغارها الأبرياء للتشرُّد والضياع!»

جاءت إلينا من وراء السنين صوتًا عبقًا نديًا، ونموذجًا نادرًا وفريدًا للمرأة المسلمة التي حررت نفسها بنفسها بالإسلام، في كلماتها أسلوب القرآن، هي التي عرَّفتنا على عوالم النبوَّة عبر موسوعتها الشهيرة عن البيت وأهل النبيّ، ومن كان لها الدور في إخراج المرأة المصرية من البيت إلى الجامعة والمجتمع.. إنها مُفكرة، وكاتبة مصرية، وأستاذة جامعية وباحثة، وهي أول امرأة تحاضر بالأزهر الشريف، ومن أولَيات من اشتغلن بالصحافة في مصر وبالخصوص في جريدة الأهرام، وهي أول امرأة عربية تنال جائزة الملك فيصل في الآداب والدراسات الإسلامية.. وهي نموذج للمرأة العربية الإسلامية المصرية التي قادت حركة التنوير في مصر: الدكتورة عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ.

مُستهلّ رحلة عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ

وُلدت وسط مناخ حضري بدمياط في 6 نوفمبر 1913، ولكن بوادر رحلتها كانت لا تدل إطلاقًا على مدى النجاح الذي حققته؛ فـ بطبيعة الحال في تلك الفترة المعروفة بحرمان الفتيات من التعليم، جاء رفض والدها التحاقها بالمدرسة خلال فترة التعليم الأساسي بعد حفظها القرآن بالكُتَّاب، ولكنه سمح لها بتلقي العلم بالمنزل؛ حيث أظهرت قدرة هائلة من الاستيعاب والمعرفة.

متى تظنين هذا النضال قد بدأ؟ لقد بدأ يا زميلتي وأنا طفلة في السادسة من عمري، لم تُنزع مني بعد تمائم الطفولة، إذ شاقني ذات يوم من عامي السادس أن أذهب إلى مدرسة دمياط كما تفعل لداتي وأترابي، فذهبت مزهوّة بما حفظت في كُتّاب قريتنا بالمنوفية من القرآن الكريم، وبما تلقيت عن أبي وأصدقائه الشيوخ العلماء، من مبادئ الفقه ودروس الدين، وما حفظت في صباي الطري من حديث وشعر!
وأديت امتحان القبول، فازدهاني ما آثرت من عجب ودهشة، ولم أدر يومئذٍ أني وضعت قدمي الصغيرتين في أول الطريق الشاق المرهوب المحفوف بالمكاره. لقد عدت يومها إلى البيت أتشدّق بالذي لقيت من إعجاب المدرسة الأميرية، وترحيبها، فكان رد والدي أن قال في لهجة صارمة، حاسمة:
(ليس عندي بنات يتعلمن في المدارس، إنما تتعلم بناتي هنا في البيت.)
وسجَّل بكلمته هذه حكمًا عليّ بأشقّ العذاب، سنين عددا..

والدها كان أزهريًا يعمل مدرسًا بالمعهد الديني بدمياط وجِدُّها لأمِّها أحد شيوخ الأزهر الشريف، وبعد انتهاء مرحلة التعليم الأساسي بالمنزل أرادت الالتحاق بجامعة القاهرة ولكنها واجهت رفضًا من والدها، ولكن هذا الرفض كان يقابله تشجيع من والدتها التي ساعدتها على الالتحاق بكلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة.[1]

إلى من أعزني الله به أبًا تقيًّا زكيًّا، ومعلمًا مرشدًا، ورائدًا أمينًا ملهمًا، وإمامًا مهيبًا قدوة: فضيلة والدي العارف بالله العالم العامل: الشيخ محمد عليّ عبد الرحمن الحسيني؛ نذرني رضي الله عنه لعلوم الإسلام، ووجَّهني من المهد إلى المدرسة الإسلامية، وقاد خُطاي الأولى على الطريق السويِّ، يحصنني بمناعة تحمي فطرتي من ذرائع المسخ والتشويه.

عائشة عبد الرحمن وتحطيم قيود المجتمع

تقول د. عائشة أنها ليست من جيل الرائدات بل من جيل الطليعة، فالرائدات قبلها هن التي فتحن لها ولجيلها الأبواب، جيل الأمهات اللواتي سهرن على ترضية وإرضاء طموحهن ورعايتهن، جيل نبوية موسى، مي زيادة، عائشة التيمورية، باحثة البادية، هؤلاء كلهن فتحن لهن الأبواب، ولكن لم يدفعهن الكثير، ومع ذلك كان عليهن أن يخوضن ثلاث حركات متداخلة في وقت واحد، وطبيعة الحركات المتداخلة أن تكون متعبة بمعنى أنهن لم يفرغن من واحدة ليلتقطن أنفاسهن ثم يدخلن في الأخرى، الخروج، التعليم، العمل، المجتمع لم يكن مستعد لاستقبال هذا التطور.
والطريق بالنسبةِ لها كان سهلًا علميًا؛ فهي تربَّت في المدرسة الإسلامية، والمدرسة الإسلامية تزوّد بكل الزاد الوافي، فلم يكن صعبًا عليها أن تدرس في الجامعة، ولكن الصعوبة كانت تكمن في وضعها كفتاة بنت شيخ في جيل يكره لبنات العلماء الظهور في الحياة العامة.

لم أتعلم في مدرسة ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية لكني خريجة المدرسة الإسلامية في الكُتّاب، ثم على أيدي المشايخ في دمياط، واختزلت كل مراحل التعليم بالحصول على أول شهادة كفاءة المعلمات من المنزل، وكنت الأولى على القطر المصري، وكان علي أن أتابع مسيرة التعليم، ولأن والدي كان ينتمى إلى جيل يكره البنات ويكره خروجهن للتعليم، واحترمًا لوالدي صنعت لنفسي اسمًا مستعارًا هو (بنت الشاطئ)، وتقدمت للامتحان من المنزل وواجهت صعوبة شديدة في اللغة، وفى هذا الوقت كان الباب مسدودًا لعدم وجود انتساب في الجامعة.

وقد كانت بنت الشاطئ منتسبة في الجامعة في الوقت الذي لم يكن يُعرف فيه نظام الانتساب، فقضية اختلاط الطلاب بالطالبات في الجامعة التي شاعت وقتها، وعلى الرغم من كرهها لهذا النظام لأنه يعيق التواصل بين الأستاذ والطالب، إلا أنها كانت تتسلل لترى الأساتذة بالقدر التي تشعر أنها في حاجةٍ إليه وتقنع الأساتذة أنها منتظمة وتشرح له ظروفها والتي هي رغمًا عنها حتى لا يكتب ضدها أن تتغيب عن حضور بعض الدروس.[1]

عائشة عبد الرحمن والمُضِي في رحلة التحرُّر

ظهرت بوادر بنت الشاطئ وحبها للكتابة منذ دراستها بالعام الثاني، فكتبت: «الريف المصري»، والذي يُعد أول أعمالها الأدبية، وبعد انتهاء مرحلة التعليم الجامعي سريعًا، سجلت دراستها بالماجستير وحصلت عليه بمرتبة الشرف الأولى في 1941.

تزوجت عائشة عبد الرجمن من أستاذها بالجامعة أمين الخولي، وكان له صالون أدبي وفكري يُقبل عليه الكثير من المثقفين، وأنجبت منه ثلاثة أبناء.

فقد آمنت من اللحظة الأولى للقائنا أنه اللقاء الذي تقرر في ضمير الغيب منذ خلقنا الله من نفس واحدة، وخلق منها زوجها.. وإن عدتنا الدنيا اثنين في الحساب الرقمي والواقع العددي.. اثنين، لكل منهما اسمه ونسبه ولقبه وصفته وصورته وعمله وشخصيته.. وبهذه الثنائية العددية يتعاملان مع الدنيا والناس، ولكنهما في جوهر حقيقتهما واحد لا يتعدد، ولا كما تغنى الشعراء بالروح الواحدة في جسدين، ولا كما تأمل الفلاسفة في وحدة الوجود، ولا كما تحدث العلماء عن الخلية الواحدة قبل أن تنقسم، وإنما هو سر وراء ذلك كله تجلت فيه آية الله الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها..

واصلت عائشة نجاحاتها بحصولها على الدكتوراة في 1950، وكان عميد الأدب العربي طه حسين من اللجنة المُناقشة لها خلال عرض رسالة الدكتوراة، ثم سافرت إلى عدد من البلدان العربية كأستاذ زائر بجامعات كثيرة، كما تقلدت منصب أستاذ التفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة في جامعة القرويين بالمغرب، مرورًا بمنصب أستاذ آداب اللغة العربية في جامعة عين شمس بمصر.

وقد تميَّزت عائشة عبد الرحمن عن أقرانها بجمعها النادر بين الدراسة العميقة لعلوم الإنسان وعلوم العربية حيث قرَّرت البيان القرآني منهجًا للدرس البلاغي، والدلالات القرآنية منهجًا للدرس اللغوي، والشواهد القرآنية منهجًا للدرس النحوي، ومنهج علماء الحديث منهجًا للمنهج النقلي وتحقيق النصوص وتوثيقها. وكان تحقيقها للنصوص نموذجًا جيدًا في خدمة النص وتذليل ما فيه من عقبات، وتقريبه إلى القارئ والباحث بتوضيح ما فيه من غموض وتصحيح ما اعتراه من تصحيف أو تحريف. ومن أبرز ما قامت به في ذلك المجال «تحقيق رسالة الغفران»، وكتابة دراسة شاملة عنها بعنوان: «الغفران».

إن المرأة التي يتحدث عنها العقاد والتي تتردد علي مجالسه لا نعرفها ولا نعرف الذين يعرفونها.. إضافة إلي ذلك.. من قال له إننا نتعلق بأن نكون طباخات أو مصممات أزياء أو نعمل مصففات شعر أو حائكات ملابس بعد أن وصلنا إلي ما وصلنا إليه من أستاذية في الجامعات؟!.. وقلت له: أنت لا تعرف المرأة لا زوجة ولا بنتًا ولا أختًا فهلّا عرفتها أمًا؟!

إلى جانب مسيرتها العلمية، اهتمت عائشة عبد الرحمن بالصحافة واتجهت نحو العمل بهذا المجال حيث كتبت بجريدة الأهرام باسم مُستعار وهو بنت الشاطئ والذي ينتمي لحياتها منذ طفولتها على شواطئ دمياط، وكانت في هذه الفترة بمثابة ثاني فتاة تكتب بجريدة الأهرام بعد مي زيادة صاحبة واحدٍ من المقالات الأسبوعية بشكل مستمر.[2]

تكريم عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ

حصلت على مجموعة كبيرة من الجوائز الأدبية نتيجة لمجموعة الإنجازات التي حققتها ومنها جائزة الدولة التقديرية في الآداب بمصر في 1978، جائزة الحكومة المصرية في الدراسات الإجتماعية والريف المصري 1956، وسام الكفاءة الفكرية من المملكة المغربية، جائزة الأدب في الكويت، جائزة الملك فيصل للأدب العربي مناصفة مع كاتبة أخرى، ومجموعة أخرى من الجوائز عبر مجموعة من المؤسسات الإسلامية، وكُرِّم اسمها بإطلاقه على عدد من القاعات بكثير من الجامعات المصرية والعربية.

ألَّفت بنت الشاطئ مجموعة هائلة من الكُتب والروايات مثل التفسير البياني للقرآن الكريم، القرآن وقضايا الإنسان، رواية على الجسر ومجموعة من الأعمال الأخرى تركتها وأثقلت بها التُراث الأدبي قبل رحيلها في مثل هذا اليوم 1 ديسمبر من عام 1998 وذلك عن عمر يناهز 85 عامًا.[3]

وفاة عائشة عبد الرحمن: بنت الشاطئ

وفي الأول من شهر ديسمبر عام 1998م رحلت عنّا الدكتورة بنت الشاطئ بعد إصابتها بأزمة قلبية أدّت إلى حدوث جلطة في القلب و المخ وهبوط حاد بالدورة الدموية، وقد خلفت خلفها ثروة هائلة من الكتب و المؤلفات الأدبيه التي و إن عبرت عن شئ فستعبر عن جهاد هذه المرأة والتي بذلت في سبيل علمها وقلمها الذي كان كالسيف البتَّار. لذلك؛ ستبقى كتاباتها وذاكرتها قدوة لمن بعدها وعلمًا يشير إلى المكانة السامية التي وصلت إليها المرأة المسلمة. وستبقى ذكراها خالدة في أذهان طلابها المنتشرين في كل بقعة من بقاع عالمنا العربي و الذين صاروا أعلامًا في الفكر و الأدب. كما سيهيم طيفها حول كل طالب علم تصفح كتبها أو تبنى أفكارها.[4]

إن طريق الفتاة في ميدان الحياة العامّة، أشبه شيء بجسرٍ ضيق مُعلَّق، إن انحرفَت عنه قيد شعرة؛ سقطت في الهاوية..

المصادر

  1. ترانيم. مقابلة عائشة عبدالرحمن ’ بنت الشاطئ ’ مع محمد رضا نصرالله في برنامج هذا هو عام 1994م [Internet]. [cited 2018 Aug 27]. Available from: https://bit.ly/2odUIDt
  2. مصر جيبت egypt. بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن [Internet]. [cited 2018 Aug 27]. Available from: https://bit.ly/2MD6DcT
  3. عائشة عبد الرحمن. التفسير البياني للقرآن الكريم. الجزء الأول. دار المعارف. (ص 9-18).
  4. رحيل الكاتبة بنت الشاطئ. جريدة البيان. 1998.
  5. الموسوعة العربية العالمية. مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر و التوزيع. 1416هـ 1996م. ص 8.

كتابة وإعداد: هبة خميس
مراجعة: آلاء مرزوق
تحرير: زياد الشامي