في زمن كورونا.. البحث عن أملٍ في أدب الأوبئة!

أدب الأوبئة

يمر كوكبنا في هذه الفترة بأدق اللحظات التي يراها البعض عصيبة وصعبة؛ حيث يجتاح وباء فيروس كورونا -أو ما اصطلح العلماء على أن يطلقوا عليه “COVID-19”- عالمنا، مغيرًا من أنماط السلوك، ومحركًا لتقاليد رسخت في الأذهان، ومفرقًا لكل تجمع، ومقربًا لكل عادة تدعو إلى تشتت وتفرق الناس.

هذا الأمر ليس بالجديد والمستحدث؛ فقد مرت على سلالتنا البشرية على مدار التاريخ الإنساني كثير من الأمراض والأوبئة التي أودت بحياة الملايين، بعد ذلك التقط العلم أسرارها وأصبح قادرًا على فك شفرة رموزها، واكتشاف علاجٍ لها، وهذا بالتأكيد ما نأمله في وقتنا الحالي كذلك.

عند ظهور مرض أو وباء، تبدأ موارد كل شيء في النضوب والجفاف؛ حيث يكسد الاقتصاد، وتتراجع معدلات النمو، وتقل الاجتماعيات، ويصبح الأمن حُلمًا. باختصار شديد، تتوقف سبل الحياة جميعها، إلا ذلك الإنسان، لا يتوقف مسعاه، ولا عقله الذي ينسج بخيوطه أفكارًا تملأ الأرض أملًا.

وهذا ما فعله كثير من الكتّاب والأدباء حول العالم، الذين أدخلوا في حبكاتهم الروائية موضوع الأمراض والأوبئة؛ كي يضيفوا لأوراقهم الإثارة والغموض، ومنهم من مَلَك مخيلةً خصبة جعلته يبتكر أوبئة لا وجود لها على أرض الواقع.

لكن لنتفق على أن جميع تلك الأفكار أثبتت أن المرض أو الوباء هو عرض زائل، ومجرد أثر في كتب التاريخ الإنساني فقط، وأن الرواية قد استخدمته كممر لهدفها النهائي وهو الأمل والحياة.

فتعالوا نأخذ جولة سريعة لمجموعة من الكتب والروايات التي تناولت الأوبئة في قصتها، لنرى كيف أن الأمل الحقيقي موجود، وليس فقط في حكايا الأدب والفن.

 

طاعون ألبير كامو

غلاف رواية الطاعون. المصدر: www.fikrmag.com

في الأربع والثلاثين ربيعًا من عمره، أطلّ الكاتب المسرحي والروائي الفرنسي «ألبير كامو» على العالم برائعته «الطاعون»، حملت هذه الرواية إبداع فني ونضج روائي في سرد أحداث لا يمكن وصفها سوى بالكارثية؛ حيث استطاع كامو بقلمه الرشيق أن يصور المأساة، ويتدرج في شرح تفاصيلها منذ المشاهد الأولى، وصولًا إلى تفاقم الأزمة، مرورًا بالسقطات النفسية التي عانى منها بطل الرواية حتى لمع ضوء الشمس في العيون مرة أخرى.

تسرد الرواية قصة مدينة «وهران» الجزائرية الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي، والتي كان يرى الكاتب فيها مدينة متبلدة لا جديد بها، تتغير ملامحها وتنتفض أرواح من يعيشون فيها؛ حين يجتاحها وباء الطاعون الذي يقدم على قتل كل نفس يقابلها، لتتحول تلك المدينة إلى مكان اعتقال لمئات الأشخاص الذين أصبحوا لا ينتظرون شيء غير مقابلةٍ مع ذاك الوباء الذي يفتك بهم(1).

لا يستسلم الطبيب «بيرنارد ريو»، بطل الرواية، لهذا الوباء، فقد أخذ يعمل على اكتشاف هذا المرض، وساهم في علاج المئات، وفشل في إنقاذ أخرين، ولأنه كان شجاعًا لم يخف الوباء، فلم يصبه، وإن كان عانى من آلام نفسية ومعنوية.

استطاع صاحب نوبل في هذه الرواية أن يتفوق على نفسه، فهو لم ينشر الفزع والخوف من جراء كلمات روايته؛ بل جسَّد الأمل الذي لا يموت مهما كان بعيدًا.

الأديب الفرنسي ألبير كامو. المصدر: www.sayidaty.net

كامو حياته فريدة كأعماله، فرغم نشأته الفقيرة؛ اجتهد في دراسته وتخرج في جامعة الجزائر، وعمل لفترات طويلة صحفيًّا، وله العديد من الأعمال والروايات مثل: الغريب، والإنسان المتمرد، والمقصلة وغيرها. في عام 1957م، نال جائزة نوبل في الأدب عن إنتاجه الأدبي الهام ، الذي يبرز بجدية واضحة مشكلات الضمير الإنساني في عصرنا، وتوفي عام 1960م  بعمر السادسة والأربعين في حادث سيارة(2).

 

نظرة توماس مان إلى الموت في البندقية

الكاتب الألماني توماس مان. المصدر: ara.mainstreetartisans.com

لم يكن الأديب الألماني «بول توماس مان» يرغب في أن يجعل من الوباء في روايته «موت في البندقية» محورًا رئيسًا في قصته، فقد كان الانبهار المميت الذي يمكن أن يمارسه الجمال الجسدي هو الموضوع الذي يعالجه في هذه الأقصوصة.

إن الشخصية المركزية في الرواية هي «غوستاف أشنباخ»، ذلك الروائي الكهل ذائع الصيت الأوروبي، ولكونه يتمتع بحساسية فنان تخطى منتصف العمر، فسيكون عرضة لتلك الانحرافات المفاجئة المتمثلة في حبه الشديد للمراهق البندقي الجميل «تادزيو»، وذلك الهذيان المؤدي إلى الموت(3).

وفي وسط دراما الجسد والروح التي يستعرضها مان من خلال بطل قصته، يصل وباء الكوليرا الآسيوية إلى مدينة البندقية، وتبدأ بسحقها مثلما فعلت بسابقاتها ممن مرت بهم في طريقها، لتنتهي تلك الأحداث المتأزمة، والتي يصارع فيها أشنباخ حبه العاصف للشاب تادزيو، بموت البطل مصابًا بالوباء.

صورة من فيلم موت في البندقية إنتاج عام 1971م. المصدر: cairocinema.online

نهاية هذه الرواية القصيرة المنشورة عام 1912م، ليس الهدف منها إعلاء انتصار راية الوباء مطلقًا؛ بل هدفها تصوير موت كل ما هو غير صحيح وخاطئ، فالورقة الصفراء التي تعاني ذبولًا، سرعان ما تسقط من شجرتها وتدوسها الأقدام بسهولة من أضعف هبة ريح.

نجاح هذه الرواية، أثار السينمائيين لتحويلها على الشاشة، وهو ما تم على يد المخرج «لوتشينو فيسكونتي» عام 1971م، لتستكمل قصة الرواية نجاحها في عصر جديد، وتكتسب جماهير أخرى.

 

سقوط ماركيز في الحب في زمن الكوليرا

غلاف رواية الحب في زمن الكوليرا. المصدر: ar.wikipedia.org

من يقرأ للكاتب الكولومبي «جابرييل جارسيا ماركيز» بشكل مستمر، يعلم تمام العلم من هو، ويدرك كيف أنه كقارئ لا يكون أمام مجرد كاتب تقليدي يقرأ له مجموعة من القصص ذات الخيوط المتصلة ببعضها جيّدًا؛ بل أنه يمسك بين يديه كتبًا لا يكون الخيال فيها قادرًا إلا أن يجلس صامتًا أمام القدرة الإبداعية الهائلة التي يمتلكها هذا الكاتب، فهو كاتب يحوّل الكلمات إلى سبائك ذهبية؛ لذا استحق عن جدراة جائزة نوبل.

صاغ ماركيز في روايته التي نحن بصددها الحديث عن الوباء، ولأنه جارسيا ماركيز فالتناول سوف يكون مختلفًا عن سابقيه ولاحقيه كذلك.

رواية «الحب في زمن الكوليرا»  تحكي عن قصة حب مثل التي نعرفها في الأساطير؛ حيث الحب الذي لا يتوقف جريان نهره، والإخلاص الذي لا تنفلت حباته وتفرط مع دقات ساعات الزمن، فالحبيبان يبدأ العشق بينهما منذ ربيع عمرهما، ويستمر في الإزهار حتى مع وصولهم إلى خريف العمر.

وباء الكوليرا لم يأت به ماركيز كإشارة لنهاية الحب؛ كي يشابه غيره في مجريات كتابة أي حكاية حب؛ بل حاكاه كحمامة سلام وعلم أبيض يرفرف ليشيع الأمان، لقد كان الوباء ملاذًا!

ف«فلورينتينو» ما لبث أن اجتمع بحب قلبه وعمره «فيرمينا» بعدما فرقهما القدر والزمن لسنين طوال، فلم يجد غير وباء الكوليرا مُعينًا له على أن تظل حبيبته بقربه، فأشاع أن الكوليرا قد نزلت ضيفًا ثقيلًا على سطح السفينة التي يتواجد على متنها مع حبيبته.

جارسيا ماركيز. المصدر: goodreads.com

كتابة صاحب «مائة عامٍ من العزلة» لهذه الرواية بمزيج من الشغف والحيرة، جعل الكثيرين يلحون على ماركيز لتحويلها إلى عمل سينمائي، وهو الذي طالما رفض هذا الأمر قائلًا:

أنا أفضل أن يتخيل قارئ كتابي الشخصيات كما يحلو له، أن يرسم ملامحها مثلما يريد، أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة؛ فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكالٍ محدّدة هي أشكال الممثلين، وهي ليست تلك الشخصيات التي يمكن أن يتخيلها المرء أثناء القراءة(4)

ولكنهم نجحوا في نهاية الأمر في تحقيق مرادهم، وأُنتج الفيلم عام 2007م حاملًا اسم الرواية، ومتناولًا نفس الأحداث على نهر «ماجدالينا».

فيلم الحب في زمن الكوليرا. المصدر: shahidwbas.com

 

أيام طهَّ حسين الشاقَّة

كتاب الأيام لطه حسين. المصدر: kutub-pdf.net

رصد كاتبنا الكبير «طه حسين» في كتاب «الأيام» حياته الصعبة التي عاشها، والمعاناة التي لازمته طوال سنوات عمره بسبب فقد بصره في سنوات حياته الأولى بفعل الجهل وعدم المعرفة، لدرجة جعلت حياته لكثيرين دَفعة قوية للتغلب عن أي مصاعب حتى يحقق رغباته.

وخلال السرد، تعرّض طه حسين لوباء الكوليرا الذي ضرب الأراضي المصرية في القرن التاسع عشر، وقدم تصورًا مفصلًا لوقائع انتشار هذا الوباء في قريته التابعة لمحافظة المنيا، وكيف مر هذا الوباء على كثير من أجساد أهل قريته ليقضوا نحبهم.

تتشكّل أكثر صور الأوبئة قتامة عندما ينقض ذلك الوحش على الدائرة الأقرب من المعارف، وهذا ما حدث مع الكاتب عندما بلعت دوامة هذا الوباء أخاه الذي كان يمثل مستقبل الأسرة في النهوض من كبواتها بدخول ابنها مدرسة الطب؛ ولكن كان للوباء رأي آخر.

ورغم هذه الضربة القاسية التي صفعتها الحياة على وجه طه حسين؛ إلا أنها جعلت منه نموذج وقدوة يحتذي بها فاقدو الأمل والمتشبثون بيد الحياة الرغيدة.

 

أن ترى العمى بعيون ساراماجو

هل يمكن أن يطير الخيال نحن آفاق بعيدة وأن يصنع أشياء ليس لها وجود على أرض الواقع لدرجة أن يخلق وباء لا وجود له؟

الحقيقة أن «جوزيه دي سوزا ساراماجو» هو من استطاع الإجابة عن هذا التساؤل؛ لأنه ببساطة هو من خَلَقه ووضع تفاصيل حيرته، وشفرة إجابته، وهذا من خلال روايته الرائعة «العمى».

أراد ساراماجو أن يضرب بكل الثوابت الخاطئة عرض الحائط، وأن يشير إلى العمى الفكري الذي يصيب المجتمعات، والذي بدوره يؤدي إلى الانفلات الأخلاقي، وتحكُّم الشهوة في كل أفكار البشر والتي جعلتهم يتجردون من كل ما هو إنساني بداخلهم.

رواية العمى لساراماجو. المصدر: enabbaladi.net

استخدم الكاتب الحائز على جائزة نوبل عام 1998م، الوباء في هذه الرواية كأداة فانتازيا؛ حيث صوّر إصابة شخص بالعمى دون سبب وتحوّل رؤيته لكل شيء إلى اللون الأبيض، لتنتقل العدوى من شخص لشخص ليصاب العديد من الأشخاص، ويبدأ ساراماجو في تصوير هؤلاء العميان وهم يسلكون تصرفات لا يراعون فيها أيّ أخلاق أو تفكير واعٍ منطقي(5).

ومن الملاحظات التي تكسب هذه الرواية صفة العالمية، أن كاتبها لم يسمّ شخوصها، ليعكس صلاحية تطبيق هذه الرواية على كل مجتمعٍ، وفي أيّ زمان، وأيّ مكان.

فيلم (العمى-Blindness). المصدر: c.cima4up.co

لا تثير كلمات الرواية سوى الأمل الدائم الذي يتواجد داخل قارئها الذي يظل يبحث عن ضوء نور مع كل صفحة يطويها، لترتاح نفسه وتهدأ بعد انتهاء وباء العمى أو المرض الأبيض بدون أسباب كما بدأ.

وكالعادة، أرادت السينما استثمار نجاح الرواية واكتساب جزء من هذا النجاح لصالحها؛ وذلك من خلال صُنع فيلم (Blindness) الذي يحمل نفس اسم الرواية.

 

إلى جانب ذلك، انتشر حديث البعض مؤخرًا عن رواية (عيون الظلام- The eyes of darkness) للقاص الأمريكي «دين كونتز»، والتي نُشرت عام 1981م، حيث يتوقع فيها ظهور فيروس خطير يهدد البشرية وحمل نفس اسم المنطقة التي ظهر فيها فيروس كورونا، وهي منطقة «ووهان» الصينيَّة؛ ولكن أوضح عدد من الأدباء ومنهم الكاتب واسيني الأعرج أن الرواية كانت تحمل أسماء أخرى تم تغييرها في الطبعات الحديثة للرواية للاستفادة مما يحدث في تحقيق النجاح الكبير لها.

 

إذا كنت عزيزي القارئ قد قرأت هذه الروايات من قبل، أو لم تقرأها بعد وبدأت لتوك؛ فلن تمتلأ روحك يأسًا أبدًا؛ بل أملًا كبيرًا في غد يعود فيه عالمُنا إلى سابق عهده.

 

إعداد: هدير جابر

 

المصادر

1- كامو، أ. (1981). الطاعون، (ترجمة سهيل إدريس). بيروت: دار الآداب. (العمل الأصلي نشر في عام 1947م).

2- https://www.nobelprize.org/prizes/literature/1957/camus/facts/

3- مان، ت. (2015). موت في البندقية، (ترجمة كميل قيصر داغر). عمان: دار أزمنة للنشر والتوزيع. (العمل الأصلي نشر في عام 1912م).

4- ماركيز، ج. (1991). الحب في زمن الكوليرا، (ترجمة صالح علماني). دمشق: دار دانية للطباعة والنشر. (العمل الأصلي نشر في عام 1985م).

5- ساراماجو، ج. (2002). العمى، (ترجمة محمد حبيب). دمشق: دار المدى للثقافة والنشر. (العمل الأصلي نشر في عام 1995م).

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي