أكبر حادثة صناعية في تاريخ العالم (كارثة بوبال)

كارثة بوبال – أكبر حادثة صناعية في تاريخ العالم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
تعد كارثة بوبال أو كارثة يونيون كاربيد أكبر حادثة صناعية في التاريخ. حيثُ تَسبب الإهمال في حدوث تسريبٍ لخليطٍ من الغازات السامة من أحد مصانع المواد الكيماوية، في مدينة بوبال بالهند. مما أسْفَر عن تعرّض الكثير من الناس لمخاطرٍ صحية شديدة وموتِ عدد كبير من الأشخاص. ويأتي غاز الفوسجين على رأس الغازات المتسببة في تلك الكارثة.

خصائص الفوسجين

الفوسجين (Phosgene) مُركب شديد السمية، صيغته الكيميائية COCl2. ويعتبر الفوسجين غازًا سامًّا في درجة حرارة الغرفة -70 درجة على مقياس فهرنهايت. ويَظْهَر إما عديم اللون أو كسحابةٍ يتفاوت لونها بين الأبيض إلى الأصفر الشاحب. وفي التركيزات المنخفضة، يمكن أن تكون له رائحةٌ مقبولة مماثلة لرائحةِ القش المحصود حديثًا أو الذُرةِ الخضراء، وقد لا يلاحظ هذه الرائحة جميع الأشخاص. أما في التركيزات العالية، فربما تكون الرائحة قويةً وغير مقبولة. والفوسجين غير قابل للاشتعال ذاتيًا (لا يشتعل ولا يحترق بسهولة).(1)(2)

 تصنيع الفوسجين واستخداماته

لا يتواجد الفوسجين بشكل طبيعي في البيئة. ويُصنع الفوسجين من تفاعل أول أكسيد الكربون (Carbon Monoxide) وغاز الكلور في وجود الفحم النشط (Activated Charcoal). وصُنِعَ لأول مرة عامَ 1812م. والفوسجين مادة كيميائية أساسية في الصناعة، تُستخدم في صناعات البلاستيك، والمواد الصيدلانية، والرغوة الصناعية أو الفوم (Synthetic Foam)، والأصباغ، والمبيدات الحشرية. كما تنتج الصناعات الكيميائية في جميع أنحاء العالم أكثر من 2 – 3 ملايين طن من الفوسجين سنويًا.(1)(2)(3)

استخدام الفوسجين في الحرب العالمية الأولى

اكتسب الفوسجين سمعته القاتلةَ لأول مرة أثناء الحرب العالمية الأولى، إذْ استُخدِم في الحرب الكيميائية. واُستخدِم الفوسجين على نطاق واسع كعاملٍ خانق (Choking Agent)، وكان المسئول عن الغالبية العظمى لحالات الوفاة في الحرب الكيميائية. فتشير التقديرات إلى أن الفوسجين يتحمل مسئولية 80000 من أصل 100000 من الوفياتِ الناجمةِ عن التعرض للغازات الكيماوية في الحرب العالمية الأولى.(1)

تأثير الفوسجين

يعتمد التسمم الناجم عن الفوسجين على كمية الفوسجين التي يتعرض لها الشخص، وطريقة التعرض، وطول الفترة الزمنية التي يتعرض لها الشخص. ويعتبر الفوسجين (الغاز والسائل) من المواد المهيجة التي يمكن أن تلحق الضرر بالجلد، والعينين، والأنف، والحلق، والرئتين.(2) كما يمكن أن يسبب الفوسجين تلفًا للجزيئات الحيوية (Biological Molecules) بطريقتين. حيثُ يمكن أن يتفاعل مع الماء (التحلل المائي – Hydrolysis) مكونًا حمض الهيدروكلوريك (Hydrochloric Acid) الذي يعمل كمادة مهيجة (Irritant). وبالنظر إلى حقيقة تواجد الماء في الرئتين والجلد، فمن السهل إدراك كيف يمكن أن يسبب التعرض للفوسجين أضرارًا جسيمة. ويساهم هذا التفاعل الأول بقدر أقلَّ في الأعراض الشائعة للتعرض للفوسجين، ولكن قد يكون هو المسئول عن التأثيرات المهيجة.(1)(3)

يسمى التفاعل الثاني الأسيلة (Acylation)؛ يرتبط الفوسجين بالمجموعات التفاعلية (Reactive Groups) الموجودة في البروتينات والفوسفوليبيدات (Phospholipids). ويمكن أن تؤدي هذه التفاعلات إلى تغيّرات تركيبية في الأغشية والبروتينات، وتعيق عملهم بشكل صحيح. يهاجم الفوسجين المُستنشَق المكونات الأساسية للمواد الخافضة للتوتر السطحي (Surfactants) وأغشيةِ الأنسجة في الرئتين مسببًا إصابات رئويةً حادة لا يمكن تداركها وتراكم السوائل في الرئتين (الوذمة الرئوية – Pulmonary Edema) مما يهدد الحياة.(1)

طرق التعرض للفوسجين

تعتمد درجة خطورة تعرض الأشخاص للفوسجين على مدى قربهم من مكان انبعاث الفوسجين. إذا انبعث غاز الفوسجين في الهواء، يمكن أن يتعرض له الناس عن طريق ملامسة الجلد أو العين، أو من خلال استنشاق الهواء المحتوي على الفوسجين. وإذا تم تصريف الفوسجين السائل في الماء، قد يتعرض له الناس عن طريق لمس أو شرب الماء الذي يحتوي على الفوسجين. في حالة ملامسة الفوسجين السائل للطعام، فقد يتعرض له الناس عن طريق تناول الطعام الملوث. تعد أبرز طريقة للتعرض للفوسجين هي الاستنشاق.(2)(3)

الأعراض الفورية للتعرض للفوسجين

أثناء أو بعد التعرض مباشرة لتركيزات خطيرة من الفوسجين، تظهر الأعراض التالية: السعال، والشعور بحرقان في الحلق والعينين، والأعين الدامعة، والرؤية المشوشة، وصعوبة في التنفس أو ضيق في التنفس، والغثيان، والتقيؤ. كما يمكن أن تؤدي ملامسته للجلد لقرح مشابهة لتلك الناتجة عن قضمة الصقيع (Frostbite) أو الحروق. بعد التعرض لتركيزات عالية من الفوسجين، يُصَاب الإنسان بتجمع السوائل على الرئتين (الوذمة الرئوية)، خلال من 2 إلى 6 ساعات.(2)

قد يتسبب التعرض للفوسجين في حدوث تأثيرات متأخرة قد لا تظهر لمدة تصل إلى 48 ساعة بعد التعرض، حتى لو شعر الشخص بالتحسن أو بدا جيدًا بعد توقف التعرض. لذلك يجب ملاحظة الأشخاص الذين تعرضوا للفوسجين لمدة 48 ساعة من تعرضهم. يمكن أن تشمل تلك التأثيرات المتأخرة ما يلي: صعوبة في التنفس، وسعال يصحبه سائل أبيض إلى وردي اللون (من علامات الوذمة الرئوية)، وضغط الدم المنخفض، والسكتة القلبية. وإذا لم تتم ملاحظة علامات خطيرة بعد مرور 48 ساعة من التعرض، يكون هناك فرصة كبيرة للشفاء التام. يتماثل معظم المتعافين من التعرض للفوسجين للشفاء بشكل كامل. ومع ذلك، فقد تم الإبلاغ عن حدوث التهاب الشعب الهوائية المزمن (Chronic Bronchitis) والانتفاخ الرئوي (Emphysema) كنتيجة للتعرض للفوسجين.(2)(3)

كارثة بوبال (كارثة يونيون كاربيد)

المصدر: https://amnesty.or.kr/
كارثة بوبال.

نظرًا لأن الفوسجين مادةٌ كيميائية شائعة الاستخدام في الصناعة، كان هناك العديد من حوادث التسرب. في ليلة الثاني من ديسمبر عام 1984م، حدث عطل في مصنع يونيون كاربيد (Union Carbide India Limited) للمبيدات، في مدينة بوبال (Bhopal) بالهند. أدى هذا العطل إلى تسريب كميات كبيرة من الغازات السامة إلى الهواء؛ حيث تم إطلاق ما يقدر بنحو 40 طنًا من الفوسجين وغاز ميثيل إيزوسيانات (Methyl Isocyanate) -وهو شديد السمية أيضًا- في الهواء، وانتشر في المدن الواقعة بالقرب من المصنع. في غضون ساعات، امتلأت شوارع بوبال بالجثث البشرية وجثث الجواميس، والأبقار، والكلاب، والطيور. قُتِل ما يقدر بنحو 3800 شخص على الفور، معظمهم في مستعمرة فقيرة مجاورة لمصنع يونيون كاربيد. وسرعان ما اكتظت المستشفيات المحلية بالمصابين، وزاد من تفاقم الأزمة نقصُ المعرفة بماهية الغازات وآثارها.(1)(4)

تصل تقديرات عدد الأشخاص الذين قُتلوا في الأيام الأولى من الحادث إلى 10000 شخص، بالإضافة إلى حدوث من 15000 إلى 20000 حالة وفاة مبكرة خلال العقدين التاليين. وأظهرت العديد من الدراسات الوبائية التي أجريت بعد وقتٍ قصيرٍ من وقوع الحادث زيادةَ معدلِ الوفيات وانتشار الأمراض بشكل كبير بين السكان الذين تعرضوا للغازات السامة. وتعتبر كارثة بوبال أسوأ كارثة صناعية في التاريخ، إذْ تعرض أكثر من نصف مليون شخص للغازات السامة. وفي عام 1989م، دفعت يونيون كاربيد 470 مليون دولار للحكومة الهندية على سبيل التعويض. علاوة على ذلك، أدين سبعة من موظفي يونيون كاربيد بارتكاب جريمة القتل بسبب الإهمال، لدورهم في مأساة بوبال.(1)(4)