ليبينتز والمنطق الرياضي (الجزء الثالث)

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
ليبتنز||

تعرضنا في الموضوع السابق للمنطق الأرسطى وأوضحنا النقد الموجه إليه فى العصور التي تلته وانتهينا إلى الحاجة لنقل طريقة الإستدلال المنطقية إلى الرياضيات لحل مشاكل الطريقة الأرسطية. وكان ليبنتز هو أول من وضع نظام منطقى، تتزاوج فيه الرياضيات مع المنطق.

رغم أن ليبنتز يعتبر من أهم المنطقيين فى التاريخ إلا أنه لم ينشر شيئا من أفكاره إلا ورقتين بحثيتين. وظلت أفكاره الثورية حبيسة الأدراج فى المكتبة الملكية فى هانوفر حتى عام 1903 عندما قام الرياضي الفرنسي لويس كوتيرايه بنشر ملاحظات ليبنتز وأفكاره. وفى نظر كوتيرايه فإن أفكار ليبنتز هي بذور المنطق الحديث. وبالرغم من عدم ترابط أفكار ليبنتز فى صورة نظام منطقي متكامل، إلا أنها تستعرض العديد من الأفكار فى المنطق الحديث بسهولة ويسر.
تدور الفكرة الأساسية للمنطق في نظر ليبنتز على أن اللغة العادية بها العديد من المشاكل في التعبير بدقة عن العالم الذي نعيش فيه مثل الإبهام أو الأخطأء في التعبير مما يسبب إختلاف الأراء. وبالتالى فوظيفة المنطق عند ليبنتز هي وضع لغة مثالية لتفادي كل تلك المشاكل بحيث أنه يمكن لتلك اللغة التعبير بصورة واضحة مطلقة ومطابقة لشكل العالم الذي نعيش فيه. فمثلا، لابد لأي مصطلح (Term) نستعمله، أن يكون له تعريف (Definition) يعبر عن كل خصائص (Properties) هذا الأسم وبالتالي تصبح الحقيقة واضحة للكل بمجرد الحديث عنها.

واذا كانت اللغة هي التعبير عن الأفكار فلابد للغة المثالية وأن تتكون من أبجديات الفكر البشري بحيث تكون مطلقة للكل وبعيدة عن مشاكل الاختلافات بين اللغات واسماها ليبنتز (Characteristica Universalis). حدد ليبنتز أبجديات الفكر البشري فى صورة الأفكار البسيطة (simple ideas) والتي يمكن استعمالها لتكوين أفكار معقدة (complex ideas) من خلال عملية اندماج مماثلة للعمليات الرياضية بين الأرقام في الرياضيات. السؤال الأهم هو لماذا أختار ليبنتز مماثلة الرياضيات فى محاولة بناؤه لنظام منطقي حديث؟ والإجابة هي لأن العمليات الرياضية “واضحة جدا للرياضيين، فبمجرد نظرة واحدة لها يمكننا اكتشاف الخطأ في الإثبات الرياضي وعند حدوث جدال حول قضية معينة فمجرد الحساب نحصل على نتيجة ملزمة للجميع”.

كان ليبتنز يؤمن بمبدأ أنه لا قفزات فى الطبيعة (Natura non facit saltum) بمعنى أن كل التغيرات فى الخصائص الطبيعة تحدث بإنتظام وليس فجأة لأن القوانين التى تحكم الطبيعة منتظمة وموجودة على الدوام. وكان هذا القانون أساس وضع ليبتنز للتفاضل الرياضى – ينسب إليه الفضل فى ذلك مع نيوتن ولكن منفصلا عنه – لأن المعادلات الرياضية التى تحكم تلك القوانين الطبيعية لابد أن وان تكون دائمة منتظمة وبالتالى تخضع لقوانين التفاضل.

أضاف ليبتنز لقوانين الفكر الثلاثة عند أرسطو، قانونين إضافيين أولهم “مبدأ السبب الكافى” (principle of sufficient reason) ويقول أن لكل شئ سبب كافى لوجود أى شئ أو لحدوث أى حدث أو لصدق أى فرضية. وقد أرتبط هذا القانون عند الفلاسفة بقانون منطقى قديم وهو “لا شئ يصدر عن لا شئ” (ex nihilo nihil fit). وبالتالى فأى نفى لمبدأ السبب الكافى يؤدى بنا لتناقض عقلى (contradiction) ، وكل ما كان نفيه تناقضا عقليا هو حقيقة ضرورية (Necessary truth)

القانون الثانى هو “وحدة ما لا يمكن تفريقه” (identity of indiscernibles) ويقول لو كل خصائص أ موجودة فى ب وكل خصائص ب موجودة فى أ ، فإن أ هو ب والفرق بينهما هو الأسماء فقط. وبالتالى فلا يوجد شيئين مختلفين متطابقين. ولكن هذا القانون ظل مثار نقاش بين الفلاسفة، لأنه يستدعى السؤال كيف يمكن أن نصل لكل خصائص أ ؟ وكيف يمكن أن نصل لكل خصائص ب ؟ ونضمن أننا نحكم حكما صحيحا بتطابقهما او إختلافهما؟

بدأ ليبنتز وضع طريق لاثبات تطابق الهوية بين مالا يمكن تفريقه (identity) أي اسمين مثل أ = ب، عن طريق تحليل كل اسم لمجموعة من التعريفات ثم تحليل أي اسم يظهر فى تلك التعريفات لتعريفات أخرى حتى نصل لنطقة تتطابق فيها التعريفات في الجانبين. وبالتالى يمكن اثبات أن أ = ب، وعرفت تلك الطريقة بقانون ليبنتز ويقول: أ = ب فى حالة أن كل خصائص أ تتطابق مع كل خصائص ب وبالتالي فهما شئ واحد له إسمين. ويجب ألا ننسى أن التعريف هو ذكر لخصائص الشئ. ويعتبر هذا التحليل الذي يربط المصطلح بخصائصه هو بداية فكرة (Recursion) في المنطق الحديث. وبإعتماده على التجريد الرياضي بدلا من المصطلحات النوعية الأرسطية، فقد ركز ليبنتز على الشكل المنطقي (logical form) وبين أن الإثبات المحكم يعتمد عليه (necessity depends on form).

ثم بدأ ليبنتز فى صناعة نظام منطقي جديد يعتمد على قواعد جبرية رياضية، فمثلا للقضية المنطقية “كل إنسان هو حيوان عاقل”:
1) يتخلص ليبنتز من كلمة “كل” ويحول القضية الأرسطية لعلاقة بين مصطلح “إنسان” يملك خصائص “حيوان” و”عاقل”.

2) المصطلحات يمكن أن تكون أسماء محددة (Singular Proper Nouns) مثل الشمس والقمر وغيرها أو أسماء كلية عامة (General Common Nouns) مثل الإغريق أو الفلاسفة وغيرها أو أسماء مجردة (Abstract Nouns) مثل العدل والقوة. نلاحظ أن ليبنتز عاد لتقسيم أرسطو للمصطلحات.

3) يبدأ بتحويل كل خصيصة إلى عدد أولي (Prime Number). مثال “حيوان” = 2 و”عاقل” = 3 و”نبات”=5

4) لحساب العدد الأولي المقابل للمصطلح، نضرب كل الأعداد الأولية المقابله لخصائصه. مثال الإنسان = 2*3 = 6

5) فى أى وقت يمكنى معرفة اذا كان مصطلح ما يحتوي على خصيصة ما عن طريق قسمة العدد الأولى المقابل للمصطلح على العدد الأولى المقابل للخصيصة، فاذا حصلت على عدد صحيح (Integer)، فإن المصطلح يحتوي على الخصيصة. مثال 6\2=3. وبالتالي فالمصطلح “انسان” يحتوي على الخصيصة “حيوان”. واذا أردنا معرفة اذا كان الإنسان نبات، نقسم 6\5=1.2 وهو ليس عدد صحيح اذا فالإنسان ليس نبات. فاذا أستطعنا تحويل كل الخصائص التي في الكون لأعداد أوليه وحسبنا قيم المصطلحات التي فى الكون كله، سنصل إلى الجبر المنطقي الذي يشمل الكون ككل كما تخيله ليبنتز.

6) المصطلحات هي مجموعة من الخصائص. لذا فالخصائص يمكن أن تتحول لمصطلحات والعكس أيضا صحيح، “حيوان” هى مصطلح وخصيصة.

7) اثبت ليبنتز بعض العمليات الجبرية في نظامه المنطقي، فالضرب الجبري هو تقاطع او اشتراك بين مصطلحين أو خصيصتين. فلو فرضنا أن أ وب خصيصتين، إذا أ*أ = أ كما أن أ*ب = ب *أ

8) أ = نفي نفي أ

9) لو أ = نفي ب إذا ب = نفي أ

10) لو أ = ب ولو ب = ج إذا أ = ج

11) لو أ = ب ولو ج = د ولو س = ص إذا أ*ج*س = ب*د*ص

رغم محاولة ليبنتز الجريئة والمبدعة في بناء نظامه المنطقي كنظام جبري إلا أنه لم يستطع جعله نظام متكامل للأسباب التالية:
1) يحتوي نظام ليبنتز على عملية جبرية مقابل لـ”و” (الجمع بين صفتين) وهى الضرب كما بينا سابقا لكنه لا يحتوى على عملية جبرية مقابلة لـ “أو”.
2) صعوبة تحويل كل الخصائص التى فى الكون لأعداد أوليه وحساب قيم المصطلحات الموجودة فى الكون كله. وحتى لو استطعنا، فسنجد صعوبة كبيرة في استعمال هذا النظام الضخم.
3) تكرار نفس المشكلة في كل الأنظمة المنطقية السابقة وهي معاملة العلاقة بين الأسماء الكلية العامة (General Common Nouns) كالعلاقة بين الأسماء المحددة (Singular Proper Nouns). ولنضرب مثال على تلك المشكلة: أحمد ينتمى للإسكندرية والإسكندرية هى محافظة من محافظات جمهورية مصر العربية إذا فأحمد هو محافظة من محافظات جمهورية مصر العربية. وهذا خطأ منطقى بسبب معاملة العلاقة بين أحمد والإسكندرية كالعلاقة بين الإسكندرية ومجموعة “المحافظات”. فالمفترض أن نحافظ على نفس الشكل المنطقى فتصبح النتيجة أن أحمد ينتمى لمحافظات جمهورية مصر العربية. وقد تم تلافيها فى المنطق الحديث بأن الأسماء الكلية العامة تعتبر مجموعات والعلاقة بين المجموعات تسمى جزء (Subset) تختلف عن العلاقة بين عضو ومجموعة والتي تسمى “ينتمى” (Belong To).
4) ظل ليبنتز حبيس المصطلحات النوعية الأرسطية وبالتالي ظلت العلاقات المنطقية هي علاقة “إمتلاك” (Containment) بين المصطلح والخصيصة؛ بمعنى أن المصطلح يمتلك خصيصة معينة. وبالتالي ظل النظام المنطقي قاصر في التعبير عن معظم الحالات الواقعية التي نجدها في العالم حولنا وان كان ليبنتز أضاف فكرة التحليل بإستخدام التعريفات.

رغم سيل الأفكار المبدعة عند ليبنتز، ومحاولته الرائدة فى الجمع بين المنطق وقواعد الرياضيات المجرده متحررا من قواعد أرسطو في الإستنباط، إلا أنه فشل في بناء نظام منطقي متكامل لأن بعض أساسيات منطق أرسطو ظلت مسيطرة عليه وان كان يكفيه ربطه المنطق بقواعد الرياضيات المجردة. كما أن عدم نشره لأفكاره كان من الأسباب الهامة لتأخر التحرر من المنطق الأرسطى وإزدهار المنطق الرياضى. إلا أن نهاية المنطق الأرسطى بدأت من الفلسفة الديكارتية، فكما إستطاع ديكارت كسر قيود أرسطو فى الفلسفة، كان له الفضل فى كسر قيود أرسطو فى فلسفة المنطق على يد إثنين من تلاميذه وهم أنطوان أرنولد (Antoine Arnauld) وبيير نيكول (Pierre Nicole) فى كتابهم الشهير (Logic, or the Art of Thinking) والمعروف فى النظم المنطقية بإسم “منطق الميناء الملكى” (Port Royale logic) نسبة لدير الميناء الملكى فى فرنسا عام 1662. ويعتبر هذا النظام المنطقي هو أساس كل النظم المنطقية الحديثة من ناحية فلسفة المنطق والفلسفة اللغوية، ولكن سنترك هذه القصة للمرة القادمة إن شاء الله.

إعداد: Ali Reda
تصميم: Bothaina Mohamed

مراجع
Simple Formal Logic by Arnold vander Nat
Introduction to Logic by Harry J. Gensler
The Development of Logic by William Kneale and Martha Kneale