ليو تولستوي: إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى|ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى|ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى|ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى

عندما طُلب من الشاعر والروائي الأمريكي (ويليام فوكنر) أن يحدد أعظم ثلاث روايات على الإطلاق، أجاب:

آنا كارنينا، آنا كارنينا، آنا كارنينا

وقد قال الروائي الروسي (فلاديمير نابوكوف):

عندما تقرأ لـ (إيفان تورجينيف)، فإنك تقرأ لـ إيفان تورجينيف. ولكن عندما تقرأ لـ (ليو تولستوي)، فأنت تقرأ لأنك ببساطة لا يمكنك التوقف عن القراءة.

وأخيرًا، هناك مقولة للكاتب (إسحاق بابل):

إذا كان بمقدور العالم أن يكتب عن نفسه، فسوف يكتب مثل تولستوي.

ولكن من هو ليو تولستوي؟ كيف أصبح الشخصَ الذي بإمكانهِ أن يكتُبَ روايتيّ «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا»، روايتان على قمَّةِ الأعمالِ الأدبيَّة، وربما اثنان من أعظمِ الإنجازاتِ في تاريخِ الحضارةِ الإنسانيَّة جمعاء؟ لماذا توقَّفَ عن كتابةِ الروايات، وماذا فَعَل فيما تبقَّى من حياتِه؟ وكيفَ بحثَ عن المعنى في حياةٍ بلا معنى؟ (1)

ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى
ليو تولستوي

من هو ليو تولستوي؟

في التاسع من سبتمبر عام 1828، وُلد ليو تولستوي في مزرعة عائلته بمقاطعة تولا في روسيا. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، كتب أولى أعظم رواياته وهي «الحرب والسلام»، وفي العام 1873، بدأ ليو تولستوي في كتابة ثاني أعظم رواياته وهي «آنا كارنينا». وواصل كتابة الروايات خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. وكانت واحدة من أنجح رواياته الأخيرة هي «موت إيفان إيليتش».

مات ليو تولستوي في العشرين من نوفمبر عام 1910 بمستوطنة (أستابوفو – Astapovo) في روسيا، والتي اُطلق عليها اسمه فيما بعد تكريمًا وتخليدًا لذكراه. تُوفيت والدته وكان يبلغ من العمر عامين فقط، وتُوفي والده الكونت نيكولاي تولستوي بعدها بسبعة أعوام؛ انتقل ليو تولستوي وإخوته إلى بلدة كازان الروسية، لتتولى عمته رعايتهم. ومع أنه تعرض لخسارة وفقدان أحبائه في سنٍ مبكرة، إلا أنه كتب عن ذكريات طفولته بصورة مثالية.

تلقى تعليمه الابتدائي في المنزل، على أيدي مُعلّمين فرنسيين وألمان. وفي عام 1843، التحق بدراسة اللغات الشرقية في جامعة كازان، حيث فشل في التفوق كطالب. وفي النهاية ترك الجامعة في عام 1847، بدون أن يحصل على الشهادة الجامعية. وعاد إلى مزرعة والديه، حيث حاول أن يصبح مزارعًا، وأن يقود المزارعين أثناء العمل، ولكنه كان دائم الغياب بسبب زياراته المستمرة لبلدته تولا ولموسكو، وسرعان ما أثبتت هذه التجربة فشلها. ومع ذلك، نجح في تسخير طاقته من خلال الاحتفاظ بدفتر يومياته، وهي كانت نقطة البدء لعادةٍ استمرت معه على مدار حياته، وألهمته الكثير من رواياته.

وفي هذه الأثناء، أتى شقيقه الأكبر -نيكولاي- لزيارته بينما كان في إجازته من الخدمة العكسرية، وأقنع تولستوي بالانضمام للجيش كجندي، جنوبًا في جبال القوقاز. وتبعًا لمهمته، نُقل تولستوي إلى سيفاستوبول في أوكرانيا في نوفمبر من العام 1854، حيث قاتل هناك في حرب القِرم حتى أغسطس من العام التالي. (2)

 

أعظم روايات ليو تولستوي

الحرب والسلام

قضى ليو تولستوي معظم سنوات ستينيات القرن التاسع عشر في كتابة أولى أعظم رواياته: «الحرب والسلام». نُشر جزء من الرواية لأول مرة في مجلة (the Russian Messenger) في عام 1865، تحت عنوان «العام 1805». وبحلول عام 1868، كان قد نشر ثلاثة فصول أخرى. وبعد ذلك بعام، اكتملت الرواية. كان كل من النقاد والقراء يجادلون حول الوصف التاريخي للرواية لحروب نابليون على روسيا، بالإضافة للتطور المدروس للشخصيات الواقعية برغم كونها خيالية ومن وحي تولستوي.

كما تضمّنت الرواية بطريقة متفرّدة ثلاثة مقالاتٍ طويلة تهجو القوانين التاريخية. ومن بين الأفكار التي يمجّدها تولستوي في روايته: الإيمان بأن جودة ومعنى حياة الفرد تُستمد في الأصل من أنشطة حياته اليومية.

ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياة بلا معنى
الحرب والسلام

آنا كارنينا

بعد نجاح رواية «الحرب والسلام»، بدأ تولستوي في كتابة ثاني أفضل رواياته المعروفة عام 1873 «آنا كارنينا». وبالمثل، صوّرت هذه الرواية بعض الأحداث التي مرّ بها في حياته، كما كان جليًّا بصورةٍ خاصة في رومانسية شخصيتي (Kitty) و (Levin)، اللذين يُقال إن علاقتهما تشبه علاقة تولستوي بزوجته.

تشتهر أولى جمل الرواية بين معظم جملها: «جميع العائلات السعيدة تشبه بعضها البعض، وكل عائلة تعيسة تتميز بتعاستها الخاصة». نُشرت الرواية على حلقات، من العام 1873 وحتى العام 1877. ساهمت العائدات التي حصل عليها تولستوي من الرواية في نمو ثروته سريعًا.

ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياة بلا معنى
آنا كارنينا

موت إيفان إيليتش

استمر ليو تولستوي في كتابة الروايات طوال الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر. ومن بين أشهر أعماله الأخيرة كانت القصص الروحية والأخلاقية، وكذلك الخيال الواقعي. وكانت واحدة من أنجح رواياته الأخيرة هي «موت إيفان إيليتش» عام 1886. تكافح شخصية الرواية الرئيسية من أجل السيطرة على موتها الوشيك. ليدرك «إيفان إيليتش» أنه أهدر حياته في مسائل تافهة، لكن جاء هذا الإدراك متأخرًا.

ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى
موت إيفان إيليتش

 

إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى

لكي يتمكَّنُ الإنسانُ من الحياة، فعليه إمَّا أن يغُضَ البصرَ عن اللانهائيَّة، أو أن يملُكَ مثلَ هذا التفسير لمعنى الحياة، كما سيربُطُ النهائيَّةَ مع اللانهائيَّة.

بعد بلوغه الخمسين بفترة وجيزة، استسلم ليو تولستوي لأزمة روحانية عميقة. بعد صدور أعظم أعماله الأدبية، وجد أن إحساسه بالهدف والمعنى في الحياة بدأ يتضائل مع تصاعد شهرته وهتاف الجماهير باسمه، ليغرق في حالة من الاكتئاب الشديد والسوداوية على الرغم من امتلاكه لمنزل كبير، وصحة جيدة مقارنة بعمره آنذاك، والزوجة التي أنجبت له أربعة عشر طفلًا، ووعد بالخلود الأدبي.  وعلى حافة الانتحار، تمسّك بضوء أخير عبر ظلام كينونته، باحثًا ومتفحصًا في التقاليد الدينية والفلسفية العظيمة حول العالم للحصول على إجابات عن سؤال قديم قدم الإنسان ذاته بشأن معنى الحياة.

ليو تولستوي.. إيجاد المعنى في حياةٍ بلا معنى
اعترافات تولستوي

وفي العام 1879، بعد عقد من كتابة رواية «الحرب والسلام»، وعامين من كتابة رواية «آنا كارنينا»، وقبل عقد من بداية تجميع نتائج بحثه الفلسفية في كتابه «تقويم الحكمة»، واجه تولستوي أزمة وجودية داخلية وعرضها في كتابه «اعتراف»، وهو مذكرات من سيرته الذاتية تميزت بالصراحة الاستثنائية والكثافة العاطفية، والذي أعطانا لمحة عن تأمل تولستوي في المال والشهرة والكتابة لأسباب خاطئة. إذ شبّه تطور اكتئابه بمرض جسدي خطير، وهو ما يستدعيه العلم الحديث عن هذا المرض، ليكتب:

وحدثَ لي ما يحدثُ لكلِ من يقضُّ مضجَعَه مرضٌ داخليٌّ قاتل، تبدو على المريضِ أولًا أعراضٌ طفيفةٌ من التوعُّكِ لا يُعيرُها اهتمامًا، ثم يتكرَّرُ ظهورُ هذه الأعراضِ حتى تُصبحَ فترةً واحدةً متَّصلةً من العناءِ والألمِ، ويشتَدُّ الأَلمُ، وقبلَ أن يستطيعَ العليلُ أن يلتفتَ حولَه يجدُ أنَّ ما كان يحسبُه توعكًا طفيفًا قد باتَ لديهِ أهمَّ شيءٍ في الحياة، إنَّه المَوت!

غمرته الأعراض الكلاسيكية لانعدام المتعة، فقد الشغف لعمله، ورفض الشهرة التي لا معنى لها، والتي طالما كان يحلم بها.  حتى أنه توقف عن الذهاب للصيد ببندقيته، خوفًا من أن يغريه هذا الأمر بأن يُطلق على نفسه النيران. وأصبح يشعر أن حياته كانت مجرد خدعة يمارسها عليه شخص ما، خدعة بالمعرفة المزعجة لفنائنا المحتوم، وكل ذلك يصحبه مزيدٌ من اليأس:

واليومَ أو غدًا يحلُّ المرضُ والموتُ بي أو بمن أُحبُّ (وقد حلَّا بالفعل)، ولا يبقى إلاَّ الرائحةَ النتنةَ والدُّود، وسوف تتردَّى في وَهْدةِ النِّسيان -إن عاجلًا أو آجلًا- شؤوني جميعًا مهما تكون، وسوف لا يكونُ لي وجودٌ، إذن فلماذا أواصلُ بذلَ المجهود؟ كيف لا يستطيعُ المرءُ أن يُبصرَ هذه الحقيقة؟ وكيف يواصلُ العَيْش؟ إنَّ هذا لأمرٌ عَجَب!
إنَّ المرءَ لا يستطيعُ أن يحيا إلاَّ وهو ثَمِلٌ بنشوةِ الحياةِ، فإذا ما صحا استحالَ عليهِ ألاَّ يرى أنَّ الأمرَ كُلَّه خِداعٌ في خِداعْ!
هذا كلُّ ما في الأمرِ، وليسَ فيهِ ما يتسلَّى به المرءُ أو يلهو، والحياةُ كلُّها سَخَفٌ وقَسْوَة.

ليجيب تولستوي بنفسه على تساؤله بإحباط:

لماذا يوجدُ كلُّ شيءٍ موجود، ولماذا أنا موجود؟

لأنَّه موجودٌ بالفعل.

يبدأ تولستوي بالتساؤل لماذا لم يقتل نفسه؟ ليدرك فجأة أن جزءًا منه كان يشكك في صحة أفكاره الاكتئابية، ليقدم بعض الشك المبهم حول استنتاجاته اليقينية بشأن عبثية الحياة. شاعرًا بالتواضع إزاء وعيه بأن العقل مجرد دُمية وفي ذات الوقت سيد هذه الدُمية، ويكتشف أن الحل لا يكمن في الفلسفة أو العلم أو في حياة الملذّات، ولكن في عيش الحياة بأنقى وأبسط صورها. (3)

وأدركتُ أنّي إذا كنتُ أرغبُ في فِهمِ الحياةِ ومعناها، فيجبُ ألاَّ أحيا حياةَ الطُّفيلِ، ولكن يجبُ أن أحيا حياةً حقيقيَّة.

 

إعداد: محمد يوسف

المصادر:

 

1. Wilson AJ. 147 Leo Tolstoy [Internet]. The History of Literature. [cited 2019 Mar 15]. Available from: https://historyofliterature.com/148-leo-tolstoy/

2. Leo Tolstoy | Russian writer [Internet]. Encyclopedia Britannica. [cited 2019 Mar 15]. Available from: https://www.britannica.com/biography/Leo-Tolstoy

3. Popova M. Leo Tolstoy on Finding Meaning in a Meaningless World [Internet]. Brain Pickings. 2014 [cited 2019 Mar 15]. Available from: https://www.brainpickings.org/2014/06/03/tolstoy-confession/