ماري آن إيفانس: الحياة غير المألوفة للكاتبة وراء اسم جورج إليوت

ماري آن إيفانس: الحياة غير المألوفة للكاتبة وراء اسم جورج إليوت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
خشيت (إيفانس- Evans) أن في حالة الكشف عن هويتها ستُرفض أعمالها باعتبارها خفيفة وعاطفيّة. وللمفاجأة، في عصر السيادة الأبويّة، لم تكن تلك الحالة. نمتْ سمعة (إليوت- Elliot) بثبات منذ مولدها من أكثر من 200 عام. وغالبًا ما يُزعم أن روايتها «ميدل مارش- Middlemarch» هي أعظم رواية باللغة الإنجليزية.

نشأة ماري آن إيفانس

وُلدت (ماري آن إيفانس- Mary Ann Evans) يوم 22 نوفمبر عام (1819) بـ(نونيتون، وارويكشاير) بإنجلترا. وكانت الابنة الثالثة لـ(روبرت- Robert) و(كريستيانا إيفانس- Christana Evans)، تمتعت (إليوت) بنوع من التعليم لم يكن متاحًا للنساء في هذه الفترة. لم تُعتبَر جذّابة شكليًّا، وآمن والدها أن هذا سيُقلل من احتماليّات زواجها.

وفي عام (1850) انتقلت إليوت -التي أطلقت على نفسها وقتها اسم (ماريان إيفانس)- من كوفنتري إلى لندن مُصممةً أن تصبح كاتبة.

الشهرة لأسباب خاطئة

تحطَّم تنكُّر إليوت بعد فترةٍ قليلة من نشر روايتها الأولى الأكثر مبيعًا «آدم بيد- Adam Bede» عام (1859). وذُهل النقاد، ليس فقط لأن الكاتب الذي تخيّلوه كرجل دين طيب من الريف كان امرأة، بل أيضًا لأنها كانت ملحدة تعيش مع زوج امرأة أخرى أمام الجميع.

في عصرٍ كان فيه عددٌ قليل من النساء مُتعلمات أو مُتملكات وقليل من نساء الطبقة الوسطى يعملن بأجر، تغلَّبت إليوت على كل عقبة. بل وعاشت حياةً فاضحةً وفقًا للمعايير الفيكتوريّة، ومع ذلك كانت واحدةً من الكُتاب المُفضلين للملكة (فيكتوريا- Victoria).

وفي آلاف الكلمات التي كانت تنتشر عبر صفحات المجلات الأدبيّة الفصليّة حول كتب (إليوت)، كان هناك اهتمامٌ أكثر بالنميمة البذيئة مُقارنةً بمسألة ما إذا كانت قد رسمت صورة للعالم كما هو في الحقيقة.

بغض النظر عن مدى هجوم نقاد القرن التاسع عشر -ومعظمهم من الذكور- على روايات إليوت بسبب هرطقاتها السياسيّة والثقافيّة، فكان من الواضح -والمدهش حقًّا- أنهم أخذوها على محمل الجد باعتبارها أعمالًا مهمة بشكل أساسيّ. (1)

رواية ماري آن إيفانس الأشهر «ميدل مارش»

ماري آن إيفانس: الحياة غير المألوفة للكاتبة وراء اسم جورج إليوت

«واحدة من الروايات القليلة المكتوبة للأشخاص الناضجين.»

-(سيلفيا بلاث) عن «ميدل مارش»

بالنسبة إلى إليوت عملُ الكاتب هو فهمُ الأفراد بغض النظر عن عيوبهم. ولكن ليس بمعزلٍ عن الآخرين، لكن كجزءٍ من شبكة الحياة المُختلطة التي تُشكل المجتمع نفسه.

لـ«ميدل مارش» شخصيّتان مركزيّتان تُقدمان ادعاءات خاصة للقارئ، المثالية (دوروثيا بروك- Dorothea Brooke) والطبيب الموهوب (تيرتيوس ليدجيت- Tertius Lydgate). ويكمُن نموُّ الرواية جزئيًّا في الطريقة التي لا تقدم بها إليوت للقارئ نهايات القصص الخياليّة، ولكن تُقدم الزيجات المُحاطة بالتسوية وعدم الرضا، والمواهب التي لم تتحقق. وهذه الواقعيّة الجادة تنحرف عن الجدّيّة من خلال التطبيق الماهر لخفّة الدم.

لكنّها في جوهرها روايةٌ عن المجتمع. ميدل مارش نفسها هي البطل الحقيقيّ -المدينة الصغيرة الخياليّة التي منحت الكتاب عنوانه-. يُشير الاسم إلى مكانٍ مركزيٍّ جغرافيًّا ومجازيًّا (وسط) وأيضًا هامشيّ (-مسيرة، كما في المسيرات أو الأراضي الحدوديّة). إنه كتابٌ ينتمي تمامًا إلى منطقة ميدلاندز الإنجليزيّة، ولكن مُؤلِّفته وضعتْ فيه كلَّ مشاعر الحياة المغموسة في الثقافة الأوروبيّة (يقع قسمٌ مهمٌّ من الرواية في روما). كانت (إليوت) مُثقَّفة أوروبيّة تتمتَّع بمعرفةٍ عمليّة بخمس لغاتٍ قديمة وحديثة، وقامتْ بترجمة أعمال مهمة في اللاهوت الألماني؛ وتمت مقارنة «ميدل مارش» بأعمال كُتاب مثل: (جورج ساند- George Sand) و(أونوريه دي بلزاك- Honoré de Balzac)‏ و(جوستاف فلوبير- Gustave Flaubert) من قِبَل نقّاد القرن التاسع عشر. (2)

حياة ماري آن إيفانس العاطفيّة

ومع ذلك، لا مفرَّ من الانبهار بحياة إليوت الرومانسيّة ومظهرها، وكلاهما يُمثِّل تحديًا للأعراف المقبولة. فبعد أن رفضت عرضَ زواجٍ من مُرمِّم لوحات، عندما كانت في منتصف العشرينات من عمرها، تورَّطت إليوت في أوائل الثلاثينيات من عمرها مع رجال لم تكن متزوجة إيذاهم -كالمُنظر الاجتماعي (هربرت سبنسر- Herbert Spencer)، الذي رفض الوقوع في حبها- ومع رجال كانوا متزوجين من أُخريات، بما في ذلك (جون تشابمان- John Chapman) ناشر مجلة (وستمنستر ريفيو- Westminster Review) الذي كان ربَّ عمل إليوت ومالكَ المكان الذي عاشتْ فيه.

كانت كلٌّ من زوجة تشابمان وعشيقته التي تعيش في منزله -وهي مربية أطفال تشابمان- مُنزعجةً للغاية من الاهتمام الذي كان يدفعه إلى مستأجرته المثيرة للاهتمام لدرجة أن إليوت اضطرَّت إلى المغادرة، على الأقل حتى تفوَّق احتياجُ تشابمان لمهاراتها في التحرير على تفضيلات جماعته من النساء.

ماري آن إيفانس: الحياة غير المألوفة للكاتبة وراء اسم جورج إليوت
جورج هنري لويس

بعد تلك المغامرات المنيرة، والمؤلمة في بعض الأحيان، عاشت إليوت لمدة أربعة وعشرين عامًا مع رجلٍ آخر مُتزوج، وهو (جورج هنري لويس- George Henry Lewes)، في تحدٍّ سعيدٍ للعادات. وبعد عام ونصف من وفاة لويس، تزوجت إليوت أخيرًا من (جون والتر كروس- John Walter Cross)، وهو صديق ومستشار منذ فترة طويلة وكان يصغرها بعشرين عامًا. وسواء كان هذا الفعل يوحي بالرغبة أو بشيءٍ أكثر رقة -مثل الحب- فقد وجده معظمُ معاصريها حتى أكثر صدمةً من تعايُشها خارج إطار الزواج. وقد وجد معظمُ كتاب سيرتها الذاتيّة اللاحقين أن الأمرَ يثير الاشمئزازَ بطريقتهم الخاصة أيضًا- لأسباب ليس أقلها أنه بينما كان العرسان الجدد يقضون شهر العسل في البندقيّة، قفز كروس من نافذة في القنال الكبير -وهي قناة مائيّة-، وهو إجراءٌ حاول العديد من المُعلّقين على حياة إليوت وخياراتها تفسيرَه بأنه يُشير إشارةً ضمنيّة إلى أن أساس زواجهم هو عدم التكافؤ الشنيع في الرغبة. (3)

جمال ماري آن إيفانس القبيح

ماري آن إيفانس: الحياة غير المألوفة للكاتبة وراء اسم جورج إليوت

وماذا عن قبح إليوت المزعوم؟ منذ أن وُجدت السير الذاتية لـ(جورج إليوت)، كان هناك كُتاب سيرة يُعلقون على مظهرها غير اللائق. كتبت الناقدة (آن فريمانتل- Anne Fremantle) عام (1933) التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 24 عامًا: «أن تكون شابًّا وغير جذاب، بالتأكيد إنه أمرٌ حزين: أن تنظر في المرآة وترى وجهًا شاحبًا غيرَ صحيّ، ذا جلدٍ مصفر وأنف مستقيم وشعر بلون الفأر».

كما اكتشف (كاي كاي كولينز- KK Collins) أثناء تجميع مُجلَّده الذي لا غنى عنه، «جورج إليوت، مقابلات وذكريات-George Eliot, Interviews and Recollections» أن العديد ممَّن قابلوا جورج إليوت شعروا بالرغبة في وصف مظهرها. ورأى الناقد (ويليام مايكل روسيتي- William Michael Rossetti) أنها كانت «امرأة بلا جمال أو سحرٍ أنثويّ أو مظهر أو حتى شخص».

ووصفتها الروائيّة الأمريكية (غريس غرينوود- Grace Greenwood) بأنها «بسيطة للغاية، بفكها العدوانيّ وعينيها الزرقاوين المراوغتين.» ووصفها (هنري جيمس- Henry James) بأنها:

«قبيحة بشكل رائع، بشعة بشكل لذيذ.»

لكن (جيمس) لاحظ أيضًا ظاهرةً مثيرةً للاهتمام حول قبح إليوت المزعوم: عندما بدأتْ في الحديث، كان تعبيرُ وجهها مليئًا بحنانٍ وتعاطُفٍ يترك مُحاوِرها مُتمتعًا بإحساسٍ دائمٍ بالجمال، فكتب بعد لقائه الأول معها: «انظروا لي، وقعتُ حرفيًّا في حالة حب مع هذه المرأة المُثقفة ذات وجه الحصان”!

عُرفتْ (جورج إليوت) بأنها لم تكن حسنة المظهر -بصفتها امرأة شابة، ألقتْ نكاتًا مؤلمة وغير مضحكة حول شكلها في رسائل إلى الأصدقاء- لكنها كانت تعلم أيضًا أن لديها أشياءٌ أكبرُ تقضي وقتها فيها، بما في ذلك التزامات المحبة التي قطعتها على نفسها للرجال الذين رفضهم كلُّ من حولها.

وأخبرتْ أحد أصدقائها الميّالين للنقد القاسي بعد أن هربتْ مع (لويس): «إن الروابط الخفيفة والتي يسهل كسرُها هي ما لا أرغب فيه نظريًّا ولا يمكنني العيش من أجلها عمليًّا، فالنساء اللواتي يشعرن بالرضا عن هذه الروابط لا يتصرَّفن كما فعلت، إنهن يحصلن على ما يرغبن، وما زِلن مدعوّاتٍ لتناول العشاء.» (4)

وفاة ماري آن إيفانس

تُوفيت (ماري آن) في عام (1881) بعد أشهرٍ قليلة من زواجها.

 

فريق الإعداد

إعداد: يارا أبوزيد
مراجعة علمية: هبة خميس
تدقيق لغوي: محمود خليفة
تحرير: هدير جابر
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments