Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

مي زيادة: فراشة الأدب، وفاتنة الأدباء

مي-زيادة

مي زيادة|باحثة البادية: ملك حفني ناصف.|مي زيادة|رسالة من جبران خليل جبران الى مي زيادة بخط يده من كتاب الشعلة الزرقاء.|جبران خليل جبران.|عباس محمود العقاد|مصطفى صادق الرافعي|رسالة مي زيادة إلى طه حسين بخط يدها.|رسالة من جبران خليل جبران الى مي زياده بخط يده من كتاب الشعلة الزرقاء.|الشاعرة التركية: عائشة التيمورية.

أنا امرأةٌ قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكُتبي ودراساتي، وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المَثَل الأعلى، وهذه الحياةُ المثاليةُ التي حييتُها؛ جعلتني أجهل ما في البشر من دسائِس، أجل.. كنت أجهل الدسيسة، وتلك النعومةَ التي يظهر بها بعضُ الناس، ويخبِّئون السُّمَّ القتَّال.

إنَّها أديبة، وشاعرة، ومترجمة، وعازفة، وأنثى اسثنائيَّة من الطراز الأول، مُتمرِّدة، وحرَّة، فُتِنَت بالوطن، وفَتنت أعظم الرجال.. إنَّها: مي زيادة.

عن مي زيادة

وُلدت في الناصرة عام 1886، وكانت الابنة الوحيدة لأم فلسطينية هي: «نزهة خليل»، وأب لبناني هو: «إلياس زخورة زيادة» الذي نزح من كسروان إلى الناصرة وامتهن التدريس في مدارسها.. اسمها الأصلي كان «ماري إلياس زيادة»، وقد نحتت من الحرفين الأول والأخير من اسمها اسم: «ميّ».

تعلَّمت في مدرسة للراهبات، واتقنت تسع لُغات، وتعلَّمت العزف على العود بعد أن كانت قد تعلَّمت العزف على البيانو أثناء دراستها.. اشتهرت في مصر التي وصلتها مع عائلتها عام 1907 وهي ابنة العشرين عامًا، وتلقت تعليمها الجامعي في كلية الآداب، فأتقنت اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ودرّستهما في مدارس العاصمة، كما أجادت الألمانية والإيطالية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية، لكن معرفتها بالفرنسية كانت عالية للغاية، ولها عدّة أشعار مكتوبة بالفرنسية، وأخذ نجمها يتألق حتى صارت كاتبة مقالات اجتماعية وأدبية ونقدية، كما عكفت على إتقان اللغة العربية لتجويد التعبير بها بعدما كانت عاجزة عنه، ولها دراسات في الأدب العربيّ والتاريخ الإسلامي والفلسلفة في جامعة القاهرة. (1)

كانت ذات عقلًا منفتحًا على مختلف الثقافات، فقد كانت مختلفة عن سائر النساء في هذه الحقبة في مصر اختلافًا جليًّا، حيث كانت ذات وعي وثقافة وتحرر كبير، وعلى الرغم من وجود الكثيرين من صفوة الأدباء والمفكرين حولها، إلا إنها كانت تتّسِم بالرزانة والتحفُّظ كما الراهبات.

مي زيادة نظرت إلى الحياة نظرة مملوءة بالخوف، شغلتها الحياة، فما أرادته مي زيادة لم يكن متوفّرًا بين يديها.. أرادت أشياء أخرى غير موجودة، أرادت الماورائيات، أرادت أن تسبح في المثاليات.
كانت الوحدة بالنسبة لها مرتعًا تختلي فيه، كانت الطبيعة بالنسبة لها مهربًا، كالنهر، والبحر، والشجر، كما قدَّست الحُب..

هيهات للزهرةِ أن تعيشَ بلا شمس، وللإنسانِ أن يحيا حياةً عظيمة بلا حُب

مي زيادة
مي زيادة

خداع مي زيادة

بدأت مي حياتها الأدبية برعاية والديها وتشجيعهما، إذ كانت وحيدتهما، وهذا ما جعل شخصيتها منطلقة في شبابها، ولكن الأيام حملت لها الآلام والمصائب دفعة واحدة، إذ فقدت والدها، ثم حبيبها جبران، ثم أمها، ولعل أكثر الآلام قسوة ظلم ذويها  ومحاولتهم الاستيلاء على ثروتها.

فقد كان أكثر ما يزعجها في القاهرة ابنيّ عمٍ لها في حياتها طامعين بمالها مطالبين بحصّتهما من إرث أبيها، والثروة التي جنتها، ومن ضمنها ملكية جريدة: «المحروسة»، بعد إعلانها عن رغبتها بإهداء مكتبتها النفيسة للقاهرة التي حضنتها.. فأُصيبت بانهيار عصبي حاد.

أقعدها المرض في البيت فكتبت رسالة لقريب لها في بيروت تدعوه لنجدتها، فأتى إلى القاهرة وأخذ منها وكالة عامة وصحبها إلى لبنان واعدًا بالاهتمام بها، لكنه أدخلها مستشفى الأمراض العقلية بمؤامرة مبيتة تبرز ظلمهم لها في أبشع صورة، وبقيت فيها ثمانية أشهر، أقام عليها أهلها في أثنائها دعوى للحجر عليها.

إلا إن صديقًا قديمًا لأسرتها اكتشف الحقيقة وأنقذها بمعونة الأصدقاء من أدباء وصحفيين، ووكّل أصدقاؤها كبار المحامين للدفاع عنها، ودعوها باسم جمعية: «العروة الوثقى»؛ لإلقاء محاضرة في الجامعة الأمريكية بحضور هيئة المحكمة، فتحدثت أمام جمهور غفير عن: «رسالة الأديب إلى المجتمع»، وأبدعت، فصدر الحكم برفع الحجر عن أملاكها، ولولا تبني الأديب أمين الريحاني قضيتها، ومساندة الصحافة الحرة لها، لقضت مي حياتها كلها في هذه المصحة.(1)

تطوُّر لغة مي زيادة العربية

لقد وضع القدر مي زيادة أمام الحالة الأدبية أو أمام المجتمع الأدبي والكتابات الأدبية، فكون والدها كان يعمل في الصحافة وأصبحت جريدة المحروسة ملكه، شعرت مي زيادة ربما بأنها تستطيع أن تكتب.

ولكنها كانت تخشى أن توقّع باسمها، فقد كانت توقّع باسم «إيزيس كوبيا» إلى أن بدأت لديها الجرأة الأدبية أن تنشر باسمها. طبعًا قرأت كثيرًا وترجمت عددًا من الكتب إلى اللغة العربية ودرست والتحقت بالجامعة ودرست اللغة العربية..
حتى قال «يعقوب صرّوف»:

ما عرفَت العربية كاتبة أفضل من مي زيادة وأجلى وأرقى.

مي زيادة كانت نابغة، كانت أديبة مبدعة، كانت قادرة على ترجمة ما تريد أن تقوله بكل سلاسة وبكل سهولة.
حتى وصلت جرأة مي زيادة أن تنقد النشيد الوطني المصري. (3)

تأثُّر مي زيادة بباحثة البادية

تمحورت أغلب دراساتها حول شخصيّات نسائية أمثال: «ملك حفني ناصف» باحثة البادية، «عائشة التيمورية»، «وردة اليازجي». ومع أن عالمها مكوكب من الرجال.لكن دراساتها اهتمت بالنساء؛ فهي أرادت أن تختار تلك النسوة كي تشير إلى أدبهن في ذلك الوقت الذي ظهرن فيه في الوقت الذي احتجبت فيه النساء. وكأنما أرادت أن تقول أن لـ مي زيادة هدفًا من وراء دراسة ملك حفني ناصف واليازجية والتيمورية.

وتقول الروائية «منى الشرافي تيّم» في حوار صحفي عن مي:

مي زيادة كانت لها شخصية، وهي كانت تحاول دائمًا أن تُظهر كمّ ثقافتها وتطفو على النص الذي تدرسه. يعني: حين درست ملك حفني ناصف، أشادت بكتاباتها، أشادت بفكرها، أشادت بجرأتها، أشادت بها ككاتبة في ذلك العصر، أشادت بكلماتها، بصوتها الصارخ، أشادت بمناداتها بإعطاء المرأة حقّها. ولكنها في الوقت نفسه حاولت أن تطغى على تلك الشخصية. فقد كانت تقابل نصًّا لباحثة البادية، ملك حفني ناصف، بنصّ آخر لمي زيادة. فأنت حين تقرأ نصّ باحثة البادية وحين تقرأ نصّ مي زيادة تنحاز تلقائيّاً إلى مي.

وستجد أن هناك فرقًا شاسعًا بين هذه اللغة وتلك، فـ ملك حفني ناصف كانت مباشرة، كانت تقول ما تريد أن تقوله من دون تلك اللغة الشعرية، من دون تلك اللغة المجازية، من دون تلك اللغة الخيالية التي تطفو على النص.. أمّا مي زيادة فقد كانت تستعمل تلك اللغة، إنها مقدرتها اللغوية الرائعة لتعبّر عمّا كانت تقوله ملك حفني ناصف. والأمر الذي أودّ الإشارة إليه هو هنّة من الهنّات التي وقعت فيها مي زيادة: أنها في بعض الأحيان حكمت، كانت تحكم أحكامًا قطعية وصارمة في الوقت الذي أثبتُّ فيه بالكتاب أن أحكامها كانت مغلوطة. (3)

مساندة مي زيادة للمرأة الشرقية

تحدّثت مي عن نهضة المرأة في خطبة «المرأة والتمدّن» وفي غيرها، في خطبة «الكوخ الأخضر» في ضهور الشوير عام 1911 نوّهت بدور الرجل الشرقي في نظرته إلى المرأة، في احتضانه لها.

ولقد تكلمت على واقع لمسته فقط مع النخبة؛ لأن الواقع في ذلك الوقت كان مختلفًا، كان ضد المرأة. كان الرجل يتعالى على المرأة، وكان المجتمع ذكوريًا. لا نقاش في ذلك الموضوع. في الوقت الذي ظهر فيه قاسم أمين واعتبرت مي زيادة في ذلك الوقت أن باحثة البادية قد تأثّرت بأفكار قاسم أمين الذي نادى بتحرّر المرأة في كتابيه تحرّر المرأة والمرأة الجديدة. وبالإضافة إلى أنها اعتبرت أن باحثة البادية هي بنت من بنات أفكار قاسم أمين في ذلك الوقت، لا يمكن لأحد أن يقرأ كتابات مي زيادة عن المرأة من دون أن يشعر بتأثّرها هي أيضًا بكتابات قاسم أمين في كتاباته عن المرأة.

كانت مي زيادة تتحايل على الأمور، لم تتكلم في السياسة، ولم تتكلم في الدين. فهي تجنّبت الكلام عنهما كي لا يثور عليها المجتمع ومجتمع الرجال بشكل خاص. المجموعة التي كانت حولها من الرجال أحبّوا أدبها، أحبّوا فكرها، ولكنهم تلاشَوا وقت محنتها ومأساتها. لذلك نستطيع أن نقول إنها حين تكلّمت على الرجل بهذا الشكل تكلّمت على تلك النخبة التي أحاطت بها في ذلك الوقت. ولكن لو عادت لتتكلم عليهم لكانت لم تجدهم؛ لأنهم تلاشوا وصدّقوا بجنونها. وهذا الأمر الذي أتعسها جدًا.. أنهم صدّقوا بجنونها.

ولقد كتبت مي زيادة للفتاة العربية، ولكنها لم تنادِ بتحرر المرأة كما فعلت ملك حفني ناصف، مي زيادة كانت تتكلم من خلال ملك حفني ناصف حين كانت تقارن بين معاملة الرجل الغربي للمرأة العربية والمرأة الغربية. فقد كان يُظهر احترامًا كبيرًا للمرأة الغربية، ولكنه كان ينظر بصورة دونيّة إلى المرأة الشرقية. كتبت هذا الموضوع ملك حفني ناصف وعلّقت عليه مي زيادة. ولكن مي زيادة لم تكتب عن تحرر المرأة ولم تنادِ مي زيادة بتحرر المرأة. ولكنها نحت منحى ملك حفني ناصف ونحت منحى قاسم أمين. (3)

صالون مي زيادة الأدبي

بدأت في كتابة مقالاتها الأدبية والنقدية والاجتماعية منذ صباها، وألمَّت بالثقافتين الشرقية والغربية، فلفتت الأنظار إليها سريعًا حتى ذاع صيتها، وأثارت اهتمام المثقفين والساسة والأدباء، وفتحت بيتها بعد ذلك لاستقبال الأدباء والشعراء، فعقدت صالونها الأدبيّ الذي عُرف بـ: «صالون الآنسة مي» كل ثلاثاء، والذي كانت تقيمه في منزلها الكائن في شارع عدلي، وتردّد إلى صالونها أرباب القلم وأئمة الفكر وزعماء السياسة ودُهاة الدبلوماسية، فضلًا عن سَدَنة الدين وصفوة المجتمع أمثال «محمد عبده»، و«قاسم أمين»، و«طه حسين»، وأمير الشعراء «أحمد شوقي»، وشاعر النيل «حافظ إبراهيم»، و«إسماعيل صبري»، و«مصطفى صادق الرافعي»، والدكتور «مصطفى فهمي»، والكاتب «أنطوان الجميل»، والشاعر الثائر «وليّ الدين يكن»، واستمرت ندوتها عشرين عامًا أسهمت في أثنائها في تفعيل النهضة الحديثة وتكريم المُثقفين العرب الوافدين إلى القاهرة. (1)(5)

وقال الأديب: «عبَّاس محمود العقَّاد» الذي كان من روَّادها:

لو جُمِعَت الأحاديث الذي دارت في ندوة الثلاثاء؛ لتألَّفت منها مكتبة عصرية تُقابل مكتبة: «العقد الفريد»، ومكتبة: «الأغاني» في القافتين الأندلُسية والعباسية

وكان الشاعر «إسماعيل صبري» يقول في صالونها:

روحي عَلى دورِ بعضِ الحَيِّ حائمةٌ     كظامىءِ الطَيرِ تَوّاقا إلى الماءِ
إن لــم أُمَتِّــع بمَــيٍّ ناظـــرَيَّ غـــدًا     أَنكَرتُ صُبحَـكَ يا يـومَ الثُـلاثــاءِ

ويقول «مصطفى عبد الرازق» عنها:

أديبة جيل، كتبت في الجرائد والمجلات، وألفت الكتب والرسائل، وألقت الخطب والمحاضرات، وجاش صدرها بالشعر أحيانًا، وكانت نصيرة ممتازة للأدب تعقد للأدباء في دارها مجلسًا أسبوعيًا، لا لغو فيه ولا تأثيم، ولكن حديث مفيد وسمر حلو وحوار تتبادل فيه الآراء في غير جدل ولا مراء

ومن العجب إن جبران، والعقاد، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشاعر ولي الدين يكن.. كلهم أحبوا مي زيادة، وجميعهم راسلوها.

المُتيَّمون بمي زيادة

جُبران خليل جُبران العاشِق على مَهِل

كانت مي مُعجبة بجبران خليل جبران؛ فبدأت بالكتابة إليه عام 1912 بعد إطّلاعها على روايته: «الأجنحة المتكسرة»، تناقشه آراءه في الزواج وقيوده وتنتقدها، فتؤاسلا وتهاديا مؤلفاتهما، ونشأت بينهما علاقة من نوع فريد، وقد تبادلا العشق على مهل، وكان جبران سعيدًا لاهتمامها بأعماله اللاحقة وتقريظها له في الصحف العربية، ومُعجبًا بكتاباتها التي كان يمجدها في رسائله التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر، لم يلتقيا البتة؛ لأن جبران كان مقيمًا في أمريكا، وقد دعته مي للعودة إلى مصر قائلة:

تعال يا جبران وزرنا في هذه المدينة، فلماذا لا تأتي وأنت فتى هذه البلاد التي تناديك! تعال يا جبران، تعال فالحياة قصيرة، وسهرة على النيل توازي عمرًا حافلًا بالمجدِ والثروة والحُب.

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

نعم، لقد هامت به، ورفضت كل الذين تقدّموا للاقتران بها أملًا بلقائه؛ يقينًا منها بأنه أحبها، وكان يعدها بالمجيء إلى القاهرة للقائها، ولكنه للأسف لم يفِ بوعوده.

وكانت مي تزور ألمانيا وإيطاليا ولا تسافر إلى نيويورك، وتدعو جبران لزيارتها في أوروبا، ولا يفعل هو، وكأنهما تعمدا عدم اللقاء، وكأن الحب القائم على الورق أكثر ملائمة، حيث يتيح لهما قسطًا من الفضفضة تناسب خجل ميّ وشرقيتها، وطريقتها في الحب.

ولقد عشق جبران مي زيادة.. ولكنه كان يعشق امرأتين، وقالهما في إحدى رسائله، كان يعشق ماري هاسكل، وكان يعشق ماري التي هي مي زيادة، وقد صرَّح بذلك لها، وهذا ما أزعج مي زيادة وغضبت منه..

ولقد أحبّها، ولكن لم يحبّها إلى درجة أن يسافر لها أو يعبر لها، وهذا جزء واضح من المخاتلة عند الرجل.

كانت مي تسعى إلى توثيق المراسلة بينها وبين جبران؛ كي تجعلها عاملًا في تطويرها الفكري والأدبي، ولم تتوقع أن تقع أسيرة كلماته، لكن ما إن أحسَّت أن عواطفها بدأت تتحرك تجاه جبران، إلا وأن بدأت بالتهرب منها. مي لم تكن في بداية علاقتها بجبران امرأة منطلقة في التعبير عن ذاتها، فقد اكتفت في البداية بالعلاقة الفكرية، بل دعت جبران للالتزام بحدودها، فاتسمت لغتها بالحذر، وتحصَّنت باللهجة الرسمية في الخطاب، فأخفت مشاعرها بألف قناع، حتى تساءل جبران مستغربًا بشدة ترددها وحذرها:

أهو الخجل أم الكبرياء أم الاصطلاحات الاجتماعية!

لعله كان يقارنها بالمرأة التي التقى بها في الغرب، والتي تتمتع بحرية وجرأة التعبير عن أعماقها دون حواجز أو قيود، مُتجاهلًا حياء المرأة الشرقية وضغط القوانين الاجتماعية عليها، مما يضطرها إلى الاحتماء بالخجل تارة وبالكبرياء تارة أخرى.

حتى غلبها الحُب فأرسلت له: (1)

جبران!
لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحُبِّ يُنمّي الحب في أعماقهم قوةً ديناميكيةً رهيبة، قد يغبطون الذين يوزِّعون عواطفهم في اللألأ السطحيّ، لأنهم لايقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ويفضّلون تضليل قلوبِهم عن ودائعها، والتلهّي بما لاعلاقة له بالعاطفة، ويفضلون أي غربةٍ وأي شقاء -وهل من شقاءٍ وغربةٍ في غيرِ وحدة القلب؟- على الأكتفاء بالقطرات الشحيحة..

ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرفُ ماذا أُعني به! ولكني أعرف أنَّك: «محبوبي»، وأني أخاف الحُب.

أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير.. الجفاف و القحط واللا شيء بالحب خيرٌ من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟ لا أدري، الحمدلله أني أكتبه على ورق ولا أتلفَّظ به؛ لأنَّك لو كنت حاضرًا بالجسد لهربت خجلًا بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمنًا طويلًا، فما أدعك تراني.. إلا بعد أن تنسى.

حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانًا؛ لأني بها حُرَّة كل هذه الحُريه، قُل لي ما إذا كنت على ضلالٍ أو هُدى.. فأني أثقُ بك! وأصدق بالبداهةِ كل ماتقول، وسواء كنت مخطئةً، فإن قلبي يسير إليك، وخيرُ مايفعل هو أن يظل حائمًا حولك، يحرسك، ويحنو عليك..

غابت الشمس وراء الأفق ومن خلال الأشكال والألوان حصحصت نجمةٌ لامعةٌ واحدة: هي الزُهرة. أتُرى يسكنُها كأرضِنا بشرٌ يحبّون ويتشوّقون؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي، لها جبرانٌ واحد، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مراتٍ كثيرة قبل أن ترى الذي تحبه. فتتسرب إليها كل وحشة الشفق وكل وحشة الليل، فتلقي القلم جانبًا لتحتمي من الوحشة في اسمٍ واحدٍ: جبران!

ويرد جُبران بهذه الكلمات الحافلة بالتّوق والوجد في أروع ما خُطَّ في رسائل: «الشعلة الزرقاء» وهي رسائل جُبران إلى ميّ: (2)

تقولين أنَّكِ تخافين الحب! لماذا تخافينه؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا تُرى تخافين الحب؟ لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.

رسالة من جبران خليل جبران الى مي زياده بخط يده من كتاب الشعلة الزرقاء.
رسالة من جبران خليل جبران الى مي زياده بخط يده من كتاب الشعلة الزرقاء.

ولما توفي في نيويورك في أوائل عام 1931 حزنت عليه ورثته في مقالة نشرتها في مجلة: «الحديث» التي كانت تصدر في حلب، كما حزنت على وفاة والدها قبله بعام، ثم وفاة والدتها بعده بعام، فألمَّ بها انهيار عصبي ودخلت مستشفى الأمراض العقلية، وغرقت كعجوزٍ مقيتة قبل الأوان، وعاشت بلا زواج إخلاصًا لحبها الوحيد الضائع، فكانت السنوات العشر التي أعقبت موتهم أسوأ سنين حياتها على الإطلاق؛ إذ قضتها الآنسة مي امرأةً مفجوعة ويائسة حتى ذوى وذبُلَ جمالها تمامًا. ولكن يكفي أنّ حبّ مي قد ألهم جبران البدائع في أخصب مراحل عطائه الأدبيّ والفنيّ من جهة، وأن يكشف لقرائه الكثيرين عبر كل الأزمنة معطيات نفيسة عن طفولته وذكرياته ومشاريعه ونزعاته وآرائه الأدبية والفكرية في هذه الرسائل، بل ويودعها ريشة رسوماته الفريدة. (1)(5)

عباس محمود العقاد: العاشِق على الحياد

كان عباس محمود العقاد مُعجبًا بمي في أول الأمر، ثم أحبَّها بكبرياء صامت، ولكن رويدًا رويدًا، بدأ يذعن لمشاعره تجاهها حتى تملَّكت من قلبه وعقله، وبدلًا من أن يكتفي بزيارتها في صالونها الأدبيّ، بدأ يعزز علاقته بها؛ فكان يقضي معها ما يقرب الساعة سيرًا في صحراء مصر الجديدة، وتطور الأمر أكثر ليدعوها إلى السينما ويذهب بصحبتها إلى سينما الكنيسة كما اشترطت هي. (5)

في قصة: «سارة»، يروي العقاد قصته مع مي ويقول:

كانا أشبه بالشجرتين منهما بالإنسانين، يتلاقيان وكلاهما على جذوره، ويتلامسان بأهداب الأغصان، أو بنفحات النسيم العابر من تلك الأوراق إلى تلك الأوراق.. كانا يتناولان من الحب كل ما يتناوله العاشقان على مسرح التمثيل ولا يزيدان، وكان يغازلها فتومئ إليه بإصبعها كالمُنذرة المتوعِّدة، فإذا نظر إلى عينيها لم يدرِ، أتستزيد أم تنهاه! لكنه يدري أن الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز.

وبدأت الغيرة تجد طريقها إلى نفسه بسبب جبران. وكانت مي تستلذ بغيرة العقاد عليها، فتستزيد من تلك اللذة كلما وجدت إلى ذلك سبيلًا، مستخدمة أحيانًا الدلال الأنثوي الناعم الجذاب، كما تُظهر رسالة أرسلتها إلى العقاد من برلين في 30 أغسطس عام 1925، قالت فيها:

وحسبي أن أقول لك: إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان. بل إنني خشيتُ أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة «المحروسة». إن الحياء منعني، وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك. والآن عرفتُ شعورك، وعرفتُ لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران.. لا تحسب أنني أتهمك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعله لن يراني، كما أني لم أره إلَّا في تلك الصور التي تنشرها الصُحف. ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها! أليس كذلك؟! معذرةً، فقد أردت أن أحتفي بهذه الغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعورًا بأن لي مكانة في نفسك، أهنئ بها نفسي، وأمتّع بها وجداني.

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

مصطفى صادق الرافعي العاشِق بكبرياء

كان الرافعي في الثالثة والأربعين من عمره عندما التقى بالآنسة مي زيادة في أوائل عام 1923م، وهي في منتصف العقد الثالث من عمرها، وكانت مي تلتقي في صالونها بحشد كبير من الأدباء، فتخاطبهم واحدًا واحدًا، وتدير دفة الحديث بينهم بلباقة وبراعة يحسدها عليها كبار أهل الفصاحة. وعلى الرغم من ذلك فإن شخصيتها لم تكن تخلو من تناقض، فقد كانت تبدو في مظهرين مختلفين أشد الاختلاف، الأول يوحي بالألفة والاجتماع، حيث تدير في بيتها المناقشات بين الجنسين، وتلتقي بالرجال، وتنظم الاجتماعات، والثاني، تبدو فيه مي التي تؤثر الوحدة، وتلح على نفسها بالعزلة، وهو مظهر كان ينمو شيئًا فشيئًا أول الأمر، ولكنه سرعان ما أصبح ملحًا في آخر عمرها.

ويبدو أن الرافعي  قد تحرَّج من اتصاله بمي، وبخاصة بعد أن أخذ يتردد إلى صالونها كل يوم ثلاثاء، فقد كان في ذلك الوقت متزوجًا، وهو ما أوقعه في حيرة بين زوجته وبين مي زيادة، وظل في هذه الحيرة إلى أن ذهب يومًا إلى ندوتها، وكان في مجلسها الشاعر إسماعيل صبري، تحدثه ويحدثها، ودخل الرافعي، فوقفت له حتى جلس، ثم عادت إلى شاعرها لتتم حديثًا بدأته، وجلس الرافعي  مستريبًا ينظر، وأبطأت به الوحدة، وثقل عليه أن تكون لغيره أحوج مما يكون إليها، ونظر إلى نفسه وإلى صاحبه، وقالت له نفسه: «ما أنت هنا وهي لا توليك من عنايتها بعض ما تولي الضيف؟» فاحمر وجهه، وغلى دمه، ثم وقف واتخذ طريقه إلى الباب، واستمهلته فما تلبث، وكتب إليها كتاب القطيعة؛ كما روى العريان. ولسنا ندري إن كان هذا هو السبب في تلك القطيعة، أم أنه كان نتيجة إحساسه بواجبه تجاه زوجه، ذلك أن الرافعي لم يطب قلبًا إلا بعد أن ألقى بخبر حبه إلى زوجته المثالية، وصار لا يكتب لمحبوبته رسالة إلا وتطلع عليها زوجته التي تعرف سلامة نيته، كما تفهم موقف تلك المحبوبة الأديبة من رواد مجلسها الأدبي الرفيع. (5)

مصطفى صادق الرافعي
مصطفى صادق الرافعي

طه حسين العاشِق للصوت العذب

«مي زيادة وطه حسين» علاقة فريدة بدأت عام 1913 حين استمع إليها لأول مرة في حفل تكريم خليل مطران، ويقول طه حسين في مذكراته إنه لم يرض عن شيء مما سمعه في حياته أكثر من صوت مي الرائق الذي ينفذ من القلب، حتى إنه في كتاب سيرته الذاتية «الأيام»، قال إنه لم تعجبه قصيدة «مطران» لأنه «لم يفهم منها شيئًا، ولم يذق منها شيئًا، وأحس فيها إسرافًا من الشاعر في التضاؤل أمام الأمير الذي أهدى إليه ذلك الوسام».
كان صوت «مي» كفيلًا بخفقان واضطراب قلب «الفتى»، كما يعرّف نفسه في «الأيام»، حتى إنه خصص فصًلا كاملًا في سيرته الذاتية للحديث عن «مي»، بعنوان «كنت في ذلك المساء هلالًا»، ناقلًا رغبته الشديدة في التعرُّف عليها بعدما تحدث عنها «أستاذه» «أحمد لطفي السيد».

في سيرته الذاتية وصف إحساسه حين سمع صوتها للمرة الأولى في الحفل: (6)

لم يرض الفتى عن شيء مما سمع إلا صوتًا واحدًا سمعه فاضطرب له اضطرابًا شديدًا أرق له ليلته تلك، كان الصوت نحيلًا، وكان عذبًا رائقًا، وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ منه في خفة إلى القلب، فيفعل فيه الأفاعيل، وكان صوت الآنسة مي التي كانت تتحدث إلى الجمهور للمرة الأولى. فتاة تستقبل الرجال حفية بهم معاتبة لهم في رشاقة وظرف.

هكذا وصف طه حسين، مي زيادة حين التقاها لأول مرة في صالونها الأدبي، لتبدأ بينهما علاقة صداقة قوية استمرت سنوات، تخللتها الرسالة التي ربما احتفظ بها عميد الأدب العربي حتى وفاته.

وتقول رسالتها:

يا أبا العلاء: مبروك، حقك يرد إليك كما يرد إلى الشباب المصري حقه عندك، أود أن أذكرك أني تنبأت بهذا في إيوان أبي الهول بتاريخ 12 يوليو، وكاهن أوزوريس يشهد. قلت يومئذ أن الجامعة المصرية تستدعيك إليها خلال شهر نوفمبر، ولم يكن في ذلك الحين من حديث أو شبه حديث عن الأزمة التي ظهرت في الشهرين الأخيرين. أتعد يا أبا العلاء وفولتير معًا، أتعد بتصديق إلهام المرأة بعد اليوم، لقد كنت طوال هذه المدة رجلًا، وعرفت أن تتألم كرجل حقًًا، لدي الآن كلمة واحدة أرجو أن تغتفر ما فيها من أنانية: إني سعيدة.

رحيل ميّ زيادة

لم تعلن مي عن تلك الرسائل لكنها في نفس الوقت كما قالت هي نصًا: «أتمنى أن يأتي بعد موتي مَن ينصفني» فكانت تتمني من يكتب عنها بإنصاف وجاء بالفعل في حياتها، وليس موتها حين أصدر الكاتب الصحفي المصري «خالد محمد غازي» كتابه «جنون امراة: مي زيادة» فأيقنت أن أمنيتها تحققت بالفعل فالرجل لم يترك كتابًا ولا رسائل إلا وبحث عنها وكتب كل تفصيلة من بين سطور مقالات وكتب تقارير حتى مرافعات قضائية لكنه في النهاية لم يسلم من بريقها وسحرها فوقع في حبها، وقد اشتد عليها المرض، لكن بعد خمسة أيام كانت حياتها قد انطوت وانتهت للأبد، حيث توفيت مي في مستشفى المعادي في 17 أكتوبر 1941، وتحت عنوان «انطفأت مي» نعى المفكر «أمين الريحاني» وفاة الآنسة بعدة مقالات، وتولت السيدة هدى شعراوي تنظيم موكب دفنها وإقامة حفل لتأبينها، وقالت فيه:

كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة

ونحت على قبرها شاهدًا مؤثرًا جاء عاكسًا لوحدة وغربة شديدتين عانتهما في أواخر حياتها، فكُتب عليه:

هذا قبر فتاة لم ير الناس منها غير اللطف والبسمات، وفي قلبها الآلام والغصَّات، قد عاشت وأحبت وتعذبت وجاهدت، ثم قضت(7)


كتابة وإعداد: هبة خميس
مراجعة: آلاء مرزوق
تحرير: زياد الشامي

المصادر:

[1]: زيادة مي.رسائل مي. دار بيروت للطباعة والنشر, 1954.دراسة وتقييم: جميل جبر

[2]: جبران جبران خليل.الشعلة الزرقاء. وكالة الصحافة العربية, 1972.

[3]: “أجراس المشرق | مي زيادة | 2015-11-08.”Gale – Enter Product Login, HuffPost, 8 Nov. 2015, bit.ly/2L4rOUn.

https://bit.ly/2L4rOUn

[4]: زيادة مي.من أدب مي زيادة. دار عواد للطباعة والنشر, 1981.

[5]: “فراشة الأدب.. مي زيادة.”Gale – Enter Product Login, HuffPost, 18 Oct. 2016, bit.ly/2mnaawb.

https://bit.ly/2mnaawb

[6]: حسين طه.الأيام. مركز الأهرام للترجمة والنشر, 1992.

[7]: زيادة مي.ظلمات وآشعة. مؤسسة نوفل – بيروت, 1985.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي