حِكْمة الشَّرق المَنسيّة: تهافت معجزة الفلسفة اليونانية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

|

يُمكننا القول؛ أن إحدى أهم التساؤلات المركزية التي طُرحت في عملية تأريخ الفلسفة، كانت لابُدَّ أن تنطلق عبر تحديد موقفٍ من أصل نشأة الفلسفة وحدودها، والتي لم تَحسِم أيَّ إجابة الأمر بشكل جليّ، إطلاقًا، بل لقد وجِدت أطروحتان على موقفٍ نقيض، منذ القدم. إحداها تزعم أصالة الفكر الفلسفي في نسبته إلى بلاد اليونان، إذ هو ابتكار يخصُ العقل الإغريقي؛ يتفرد بأصالته. ويمثل هذا الموقف «أرسطو»، الذي أرجع نشأة الفلسفة إلى بداية القرن السادس ق.م، على يد «طاليس الملطي». بينما يُرجِح الموقف المقابل؛ إلى كون الفلسفة هي ميراث نُقل وتشكّل عبر التأثر والتواصل مع الحضارات الشرقية السابقة  لحضارة اليونان، ويعبر عن هذا الاتجاه، قديمًا؛ «ديوجانس اللاثرسي»، حين قال:

«أن أول فلسفة قامت عند الشرقيين والمصريين».[1]

وقد اعتادت السيادة في جانب النموذج الأول على المذاهب الفلسفية وفي الدراسات الاكاديمية الحديثة، على اعتبار أن الفلسفة هي إغريقية خالصة، بل أن أُسس الحضارة والعلم  ككل يوناني المنشأ، مع تهميش وإهدار تام لدور وإسهام أيّ من الحضارات السابقة لها في مسيرة الفكر البشري؛ كمصر وسومر وبابل وآشور وفارس. ويشتهر هذا الاتجاه بشعار «المعجزة اليونانية».

بيد أن تناول تلك الكلمات ذات الدلالة الواضحة في القطع على اقتصار النظر الفلسفي على أبناء الحضارة الهلينية، تعبر عن فحوى اختزالية لأسس الحضارة الإنسانية إلى الإغريق الذين وصلوا إلى ما لم يصل إليه غيرهم. وفي هذا المقام الذي يوغل الاختلاف فيه، نذهب في هذا البحث نحو عرض رؤية نقدية حول ملامح النظرية السائدة، لما تحمله من جزم يقيني، تقوم عليه رؤية مركزية للحضارة الغربية، إذ أن المناهج العلمية والبحثية، لا تعترف بالصنمية أو تكتفي بالمُصادرات التي لم تصل لحد كافي من الأدلة والبراهين الدامغة، لا أن تظهر في ثوب ألفاظ طنانة وعبارات جوفاء، تشير بشكلٍ أو بآخر عن مكنون صامت، وعوامل متقاطعة، تقوم خلف ترجيح الأصالة الفلسفية للحضارة الهلينية، أكثر من أن تؤسس على معلومات تاريخية وأدلة أثرية واضحة، إذ أن علم التأريخ بالأخص لا يَسلم من العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية والعرقية، فكثيرًا ما يكون في مقدرة التأريخ رسم صورة مخالفة، إذ أن المؤرخ ليس ناقلًا للأحداث التاريخية بشكل محايد، بل هو كالفنان يتأثر بالسياق الزمني والموقف الفكري الذي ينظر إليه من موضعه، بشكل واعي أو لا واعي، إذ به كما قال «ادوارد ماير» (المؤرخ وعالم المصريات): «ينبغي أن نعطي المؤرخ كافة حقوق الفنان المبدع».[2] وما نهدف إليه بشكل محدد في هذا المقال، أن نُعين الاعتبار لفقر الأدلة الحفرية وتضارب الروايات التاريخية، وتعقيد وغموض القدرة على الوصول إلى حقيقة راسخة حول فترة زمنية معينة، بشكل يُمكّننا من رسم صورة كاملة أو قريبة من الحقبة المؤرخة، لذا كان الأجدر بنا الميل إلى تقديم نقد وتفنيد حول السردية المهيمنة، التي تبثُ خطاب يقيني يساهم في بنية الايديولوجيات التي تنطلق منها المركزية الأوروبية، وهذا ما نراه أقوّم من محاولة إيجاد إجابة قطعية عن معلومات تاريخية كاملة، وهي أقرب للاستحالة، إذن فلنكتفي بعرض أبرز الأبعاد النقدية المتوافرة، لتعزيز الأوجه المطموسة.

المرحلة المظلمة

في البدء، نلقي نظرة عامة على تاريخ الحقبة التي تأسست فيها بداية العصر الهليني. بيد أن فترة الانتقال من العصر المينوي إلي عصر اليونان، غامض تاريخيًا، إذ يطلق عليه «المرحلة المظلمة»، وهي الفترة التي تم فيها الانقلاب  من عصر البرونز إلى عصر الحديد، وقد صاحبت تلك الفترة اندثار الحضارة الإيجية –تلك التي سبقت حضارة اليونان في محيط بحر إيجه ومهدها جزيرة كريت- من جراء غزوات وهجرات من قبائل آسيوية؛ هم الدوريين والايوليين في الشمال، والايونيين والآخيون في الجنوب، قبل 1200 ق.م؛ ففي أثناء هذا العصر الغامض أخرج كثير من السكان بعضهم بعضًا من أحد أجزاء منطقة البحر الإيجي[3]، بذلك تكونت مناطق المدن اليونانية، على أثر حضارة إيجه في النظرة التاريخية السائدة، وبالرغم من اختلاف عادات وثقافة المستوطنين عن أهل الحضارة الإيجية، لكن قد استمر لها البقاء عبر بعض المعالم الثقافية، وقد تنازع مع إرث العصر المينوي ذاك، شعب آخر أيضًا، هم الفينيقيون الذين عاشوا على التجارة، وقد أخذ عنهم اليونانين حروف الكتابة، وأول من قال بالأصل الفينيقي للغة اليونانية؛ هيرودوتس الذي قال:

«علّم الفينيقيون الأغريق أشياء كثيرة من بينها وفي مقدمتها الحروف»[4].

النموذج القديم

يتعامل الاتجاه الذي يُأصّل لتأثير حضارات الشرق على نشأة ثقافة بلاد اليونان مع نسق المرحلة المظلمة في ربط الوقائع من الحفريات المتوافرة والسرديات من قصص تراثي ميثولوجي وحكايات شعبية، إذ ذهبوا إلى أن أقدم من استوطن مدن اليونان في محيط بحر إيجه من تلك القبائل هم الأيونيون؛ الذين عرفوا بالبلاسجيين التي اطلقت على السكان الأصليين من الاغريق الذين قطنوا جزيرة كريت، حيث كانوا يُشكلون معظم سكان الإغريق في بحر إيجه، بحسب المؤرخين؛ «هيرودوتس وثوكيديديس»، وأشار هذا الإتجاه إلى تأثير ثقافات أخرى على تكوين مدن البلاسجيين أصل الهلينية؛ فقد تصور هيرودوتس هذا التحول، أنه حدث مع غزو قام به داناؤس (المصري) الذي علّم البلاسجيين عبادة الآلهة، كما ذكر ديودوروس أن كادمويس (الفينيقي) علّم البلاسجيين استخدام الحروف الهجائية الفينيقية[5]، يبدو أن شخصيات مثل داناؤس وكادمويس كانوا أبرز ما تعتمد عليه نظريات الاستعمار والتأثير الثقافي في المساهمة في تكون ثقافة الإغريق، وهذا الاتجاه هو ما يُطلق عليه «النموذج القديم» وكان من طلائع رواده، المؤرخان هيرودوتس وديودوروس الصقلي، والذي أشار الأخير كثيرًا إلى استعمار أرجوس وطيبة على يد داناؤس وكادمويس، بل امتد إلى أن كيكروبس وعدد آخر من أقدم ملوك الأثينين كانوا من المصريين، كما تضمنت بعض الحكايات الشعبية التراثية والتراجيديا الاغريقية ملامح توطين ثقافات أخرى داخل مدن اليونان، مثل مسرحية المستجيرات لايسخلوس.[6]

يتناول مارتن برنال في أجزاء كتابة «أثينا السواء»، النموذج القديم، فيذهب إلى الاتفاق معه في أن الحضارة الإغريقية، إنما هي نتاج للاختلاطات الثقافية التي أدت إليها هذه الموجات الاستعمارية والاستيطانية حوالي 1500 ق.م، موجهًا نقد وتفنيد للنموذج المقابل «النموذج الآري»، الذي تبلور في القرن التاسع عشر ميلاديًا، إذ به يقدم بحث وافي، وعلى درجة عالية من الاسهاب والتأمل والولوج في النصوص التاريخية والمناحي اللغوية وجذورها، والغوص في مقارنة التناظرات الميثولوجية وسبر أغوار التراث الشعبي، مع الاعتماد على العديد من القرائن الأثرية والحفرية، إذ به يُكوّن طرح منقح، يسميه «النموذج القديم المعدل»، الذي يعتمد تكوينه على النقاش مع مبررات النموذج الآري، لكي يظهر أنه لا يحتوي على القدرة الكافية على الاقناع.

سقوط النموذج القديم ونشأة النموذج الآري

يذهب كاتب أثينا السوداء إلى أن نشأة النموذج الآري قد تبلورت بهذه الصورة حديثًا في القرن التاسع عشر، بعد هيمنة النموذج القديم طيلة قرون عديدة، ويُرجع برنال سقوط النموذج القديم إلى صورة مفادها إلى أربع جوانب، قد تصافت مع السياق التاريخي والثقافي لتكون قاعدة لنموذج المركزية الأوروبية، فبداية بأول زاوية مع؛ «رد فعل مسيحي»، إذ تم نبذ الأديان المصرية و الوثنية والفلسفات الدينية التي تكونت على خطى التأثر بالفلسفة الدينة المصرية كالهرمسية والأفلاطونية، في مقابل الديانات التوحيدية، وذلك بداية من القرن الرابع الميلادي مع إصدار الإمبراطور «ثيودوسيوس» مرسوم بإغلاق المعابد للديانات المصرية والوثنية، وأيضًا مع الامبراطور «جستينيان» في القرن السادس الميلادي، ويشير إلى بعض رموز الاضطهاد مثل تدمير معابد غنوسية، وإعدام «برونو» حرقًا، الذي تبنى نظام كوبرنيكوس الفلكي، وأيضًا كان له مواقف ناقده للدين المسيحي، ودعوات للعودة للأديان المصرية. الزاوية التالية، هي فكرة «التقدم» التي تصاعدت مع انفجار الثورة الصناعية والعلمية، حيث أنه كان من المعروف أن حضارة الإغريق وأوروبا لاحقتين على مصر وبلاد الرافدين، لكنهم تفوقوا عنهم بفعل التقدم، حينذاك، إذن الأقدم أصبح يعبر عن الجمود والتصلب لا الأصالة والعراقة، حيث رسم المفكريين صورة لواقعهم على أنه هو وحده الذي يعبر عن تطور الروح الإنسانية، فلم تكن فكرة التقدم تتعاطى كتجاوزًا للماضي فحسب، بل تفاخرًا بذات الحاضر التي تفوقت على أي أثر كان والذي يفصل بينه وبين حدث التقدم الباهر. ثم الزاوية الثالثة؛ «العنصرية»،والتي يقول عنها «برنال» أنها تصاعدت في حوالي 1650م، مع زيادة النشاط الاستعماري للأمريكيتين، حيث انتشرت عبارات عن أراء أرسطو حول الرق وعن التفوق بين الأعراق، حتى أن مفكري القرن السابع والثامن عشر، تضلعوا في ممارسات وآراء عنصرية؛ مثل جون لوك (فيلسوف العقد الاجتماعي) وديفيد هيوم وبنيامين فرانكلين، فقد عمل الأول مع مستعمرات أمريكية تأخذ بملكية العبيد، وتحدث الثاني عن تعدد السلالات، ففي تلك الحقبة استشرت الخطابات حول العلاقة بين لون البشرة وبين التدني العقلي والروحي، ومن ناحية أخرى وجدت مدرسة الحتمية الجغرافية التي ترى التقدم الإنساني والسياسي مرده أسباب المناخ والطبوغرافيا مثل «منتسكيو وروسو». ومع تلك العوامل السابقة، يكتمل المربع مع زاوية «العصر الرومانسي» وتلك النزعة الهلينية الجديدة التي تعير الانتباه للخاص الجغرافي والثقافي، وبناءًا على هذه السردية التأصيلية؛ جرى الطعن في المأثور القديم والحديث معًا، ونفي التفلسف عن المصريين وأن الفلسفة ظهرت في اليونان بمناسبة تلاقي عوامل المناخ؛ وأنه لا يستطيع أن يخلق فلسفة حقة سوى سكان المناطق معتدلة المناخ مثل بلاد اليونان وإيطاليا وفرنسا وانجلترا وألمانيا[7] وفي نظرة غير ذات صلة مباشرة، نجد أن دراسات الاستشراق قد تكون ذات دلالة على وصف درجة ما وصل إليه العقل الأوروبي، من ارتباطه بالنزعة الاستعمارية والعقلية الآرية، فقد برزت الحاجة لفهم الشعوب غير الأوروبية ولغتها فهمًا منهجيا بغرض السيطرة، بل إن معرفة حضاراتهم بفهمها وتصنيفها، كان يتضمن ألا تتعرف هذه الشعوب على نفسها إلا من خلال الدراسات الأوروبية[8]

وأما ما نهتم به في تلك الدراسة المغرقة في التفاصيل والشاملة لاتجاهات شتى، هو النظر في طبيعة العلاقة بين الإغريق والشرق، واستقراء بعض آثار الاتصال الثقافي، ومن ثم النظر إلى موقع الفلسفة بين العلوم من هذا التأثير. ولكن قبل ذلك، لابد أن نفرد استهلال حول طبيعة الوجهتين النظريتين لنشأة الفكر لكليهما.

المعجزة اليونانية

تقوم مسوغات أصالة الفكر اليوناني على نظرية الابتكار والاختراع التي تُرجع الفضل إلى ابداع العقل الإغريقي وحده، وتنفي عنه أي تأثر من قريب أو بعيد، وكما قلنا فقد زيعَت تلك الوجِه بوصفها «المعجزة» على لسان المفكر الفرنسي «إرنست رينان» (1823-1892)، ووصل الحد إلى أن ينسب إلى الفكر الهليني أنه «خَلَق العقل الانساني»!؛ على حد تعبير «هنري بيير»[9]، وعند الوقوف على  مبررات نظرية «المعجزة الإغريقية»، التي تتلخص في تقديم عوامل مثل اعتبارات المناخ والجغرفيا والوضع السياسي الديموقراطي. إذ قولنا إن الظروف الطقسية ترسم صورة حول أنماط المعيشة الاجتماعية، وما يرتبط بالثقافة من عادات وممارسات بما يتناسب معها، لكننا لا يستقيم أن نرفع من شأن عامل من العوامل دون أن يتفرد بأوجه جوهرية فاعلة وواضحة، تسهم في تفسير جوهر تلك المعجزة كخصوصية مناخية وجغرافية، إذ نجد بسهولة أن هناك العديد من الأماكن التي يتوافر بها ظروف مناخية، قد تشبه بلاد اليونان أو تفوقها، ومع ذلك لم تولد بها مثل تلك العبقرية التي جاءت من العدم، أما من جانب المناخ السياسي، وإن كان ما يميز حضارة اليونان عن سائر الأمم وقتئذٍ، في شكل المشاركة السياسية، والتي تكون بالطبع نتيجة قبل أن تكون عامل وسبب في بناء الحضارة الهلينية، فالعقل اليوناني الذي نزع إلى هذا الشكل من التنظيم الاجتماعي في مدن مثل «أثينا»؛ هو أيضًا وليد تعاضد الثقافة مع باقي العوامل، وإذا التفتنا إلى الأراء التي تفسر ذلك عن طريق التمييز بين العقل اليوناني التأملي «الفلسفي والعلمي والتجريدي»، عن ما سبقه من حضارات شرقية تمتزج بها النزعة الدينية والعملية، حيث أن يكون لليونان وحدهم التفوق في نزع التصورات الدينية عن الفكر العقلي، والقدرة الفائقة على وضع النظريات، وهنا لا يسعنا أن نرفض تميز العقل الهليني بالرغم من تواجد نزعات دينية واضحة لدى فلاسفة اليونان مثل فيثاغورس وأفلاطون وبارمنيدس وأنبادوقليس، لكن مع ذلك، فلا يصح إنكار تواجد تلك العلوم سلفًا، حتى وإن أسهم العقل اليوناني في تطور وتأصيل تلك العلوم بعدئذ، فذلك لا ينفي ارتباطها بأصلها، فالعلوم البشرية تسير على خطى تراكمية، وقد نفى «جورج سارتون» في كتابه الشهير «تاريخ العلم»؛ أن يكون العلم اختراع يوناني، فقد أرجع علوم وفلسفة اليونان إلي التأثر بحضارات الشرق «مصر وبلاد النهرين وفينيقا»، إذ ينبه إلى أن المؤثرات الشرقية يجب أن تعتبر متقدمة على ما أثمرته جهود اليونان[10]، كما يسرد في حديثه حول العلوم الرياضية على «بردية رايند» أنها تشير أن العقل المصري يجمع ما هو نظري وما هو عملي، وأن كاتبها وصل لدرجة من التجريد عن طريق التجربة، فالمصريين هم «لنا أول المرشدين وأول المعلمين»[11]، بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من عوامل ساقها برنال في تفسيره لظهور تلك النزعة الآرية التي قامت على الثقافة المسيحية وروح التقدمية والنزعة العنصرية والرومانسية، ومن ثَمَّ نترك اختبار نموذج المعجزة الإغريقية، لما نفرده عن النظرية التفسيرية المقابلة، وما تقوم عليه من براهين مختلفة. ويقول روبرتسون:

«اننا مهما قلبنا وجوه الرأي وأمعنا في البحث، فلن نعثر على مدينة يونانية برئية من التأثر بالحضارات الشرقية»[12]

الانتشارية والاتصال

تقدم الدراسات الأنثروبولوجية نظرية «الانتشارية»، كأحد التفاسير لنشوء الحضارات وتطورها، إذ تقوم الانتشارية على فكرة أساسية فحواها الإقرار بالندرة النسبية للاختراعات الجديدة، مما يجعل أوجه الشبه التي توجد بين الثقافات المختلفة بصفة عامة، راجعة غالبًا للانتشار لا للاختراعات المستقلة[13]، بيد أن مع تهافت نظرية المعجزة الإغريقية في عدم إرسائها لمعالم واضحة وأدلة تاريخية وثقافية مرجحة لعبقرية كافية ومستقلة عن باقي الأمم، تكون الحاجة ضرورية بالطبع إلى وجود نماذج أخرى لتفسير نشأة تلك الحضارة وعلومها وفلسفتها، وتأتي نظرية الانتشارية لتربط أوصال المشهد بالاعتماد على المتاح من القرائن والوثائق. وكما أن طبيعة الانتشار ترفع من عوامل الاحتكاك والتأثر بين الشعوب، مما يزيد من التفاعل والتطور لأحدهما أو لكليهما، لذا يكون الانتشار أكثر قابلية للتطور، على نقيض العزلة التي تقيد الانتشار، وتكون المجتمعات المعزولة هي الاقل تقدمًا، هذا إن لم تحرم من التقدم نهائيًا.[14]

كان الاتصال بين حضارات الشرق واليونان فاعلًا ومستمرًا، إذ نجد اتصال مصر مع الحضارة المينوية في مركزها جزيرة كريت، حيث أصبحت اليونان بعد ذلك وريث تلك الثقافة والحضارة السابقة عليها؛ التي على حد قول؛ آرثر ايفانز: «هي ثقافة تشتمل على أثار كثيرة تدل على أنها نقلت من مصادر مصرية»[15]، وقد كانت علاقات مصر التجارية فاعلة في الاتصال مع جيران الشرق ككنعان وسورية، برًا وبحرًا، وبعد جلاء الهكسوس عن مصر، انتهجت مصر طًرق الغزو مع تحتمس الثالث (1468-1463 ق.م)، الذي طال الأراضي الآسيوية[16] (آسيا الصغرى- ويذكر البعض استيلاءه على مدن اليونان وهذا ما يختلف عليه المؤرخين لعدم توافر الأدلة الأثرية)، ومن معابر الاتصال، كما أشرنا سابقا، مثل فينيقيا، بالإضافة لجماعة العبرانيون.

يذهب برنال إلى تأييد نظريات الانتشار والتأثير الخارجي لمنطقة بحر إيجه، مذ العصر النيوليتي (الحجري الحديث/ 7000-3300 ق.م) إلى بدايات العصر البرونزي، ويناقش آراء الاتجاه الذي ينفي أي تأثر خارجي لحضارة بحر إيجه بناءًا على نظرية العزلة والتطور الذاتي، إذ أن برنال يرجح أن التطورات المحلية تحفزها أنشطة خارجية، ويؤسس ذلك على أن جزيرة كريت كانت مركزًا للالتقاء بين مخلتف الحضارات، حيث أن منطقة جنوب بحر إيجه كان يسود بها تجارة واسعة، ويستند على اكتشافات الأواني الفخارية «حفائر كنوسوس» التي كانت شائعة وجودها في عصر ما قبل الأسرات في مصر القديمة، فيقول: «هناك ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن الحضارة المينوية سواء في بدايتها أو خلال تطورها قد تخللتها مؤثرات من مصر والشرق الأدنى. وهو اعتقاد مؤسس على الدلائل الآثارية المباشرة أو العارضة».[17]

أصل الآلهة الإغريقية

سُحر أبناء اليونان بآلهة مصر والشام، فمن اليسير تعقب الميثولجيا الإغريقية، وملاحظة التناظرات والتشابهات بينها وبين أديان الشرق السابقة لها، فنجد أن المؤرخ هيرودوتس يذهب بشكل صريح إلى اعتبار؛ جميع آلهة اليونان جاءت من مصر،إذ به يرى أن آمون هو زيوس، وأن إيزيس هي ديميتير، وأن أوزيريس هو ديونيسوس وأن توت هو هرمس. كما أفاد أستاذ الميثولوجيا «ديبوى»، أنه يمكن اعتبار مصر أمًا لكل ما ورد في أشجار آنساب الآلهة.

«امتزجت الأفكار المصرية في العقول اليونانية بالبذور التي بذرت فيها صورة مباشرة قبل ذلك بقرون، بل بآلاف السنين»[18]

كما انتقل عبر الفينيقيون إلى اليونان، عبادة الإلهة عشتار السومرية، التي سميت أفروديتي عند الاغريق. ومثل ما يوجد تشابهات من العهد القديم تدل على التأثر بالديانة المصرية، كما نشهد في قصة الخلق في الأساطير المصرية؛ أن الإله خنوم قد خلق الإنسان من طين على دولابه الذي كان يشكل عليه الفخار، ونجد نفس الربط في الميثولوجي الاغريقي، حيث أن الإله بروميثيوس الحكيم قد شكل الإنسان الأول من الطين عند بانوبيوس[19]، كما أن في صراع الآلهة الأولى الإغريقية؛ عندما أخصى الإبن كرونوس أباه إله السماء أورانوس، إذ بها تشكل قصة سائدة في أنساب الآلهة الحورية والحيثية والكنعانية، ومن المرجح أن هزيود (صاحب كتاب أنساب الآلهة الإغريقية) كان قد عرف هذه التقاليد الشرقية.[20] بالإضافة إلى الإشارات الهامة اتجاه تواجد، طقوس عبادات رسمية لآلهة مصرية في أثينا، مثل الإلهة الأم إيزيس التي عُبدت من بعض أهل أثينا في القرن الخامس ق.م، وبُنى لها معبد بعد ذلك بقرون قرب الأكروبوليس، كما يشير مارتن برنال إلى مقال المؤرخ الشهير بلوتارخوس عن الديانة المصرية «إيزيس وأوزوريس»، ليعقد المقارنة بين ما يستعرضه عن الفلسفة الدينية المصرية التي تتجاوز عالم الصيرورة  المادي إلى عالم الخلود الذي يتجلى في الأعداد والفلك، وبين الفلسفات الدينية الإغريقية كالأورفية والفيثاغورية والأفلاطونية.

كما أسهب برنال في الإشارة للدلائل على وجود علاقات وثيقة ودائمة بين بؤتيا وأركاديا والشرق الأدنى في عصر البرونز، وعقد التناظرات بين آلهة مصرية وإغريقية، مثل بين الربة نيت وأثينا، والإله ست وبوسيدون وإقامة الملاحظات على أصول قصص أسطورية، كالحديث أن هيراكليس شخصية ذات أصول سومرية أو مصرية، وشخصية أوديب محاكاة ومعالجة  لنموذج إخناتون.[21]  لنا أن نكتفي بهذا العرض المقتضب، فما يسعنا منه إلا جلاء النظر على مدى تعمق الاتصال والانتشار بين ثقافات الشرق واليونان، وذلك من خلال ملاحظات المقارنات الميثولوجية التي تظهر جليًا، مدى فاعلية نموذج الانتشارية.

إذ بنا بعد ما كونا صورة عامة عن قابلية التأثير الشرقي تاريخيًا وميثولوجيًا؛ على تشكل الحضارة الهلينية، تلك الحضارات الشرقية التي أبهرت الباحثين والمنقبين في العصور الحديثة، فتصور المؤثرات الشرقية، لم يقتصر في حيز الإشادة المعروفة من قِبل مؤرخي النموذج القديم فقط، بل كان متتدًا في الوسط الثقافي، فمن النماذج اليونانية، كالخطيب الأثيني «ايسوكراتيس» الذي كان يعتز وينادي بالروح الهلينية، والذي رأى أنهم قد أصبحوا معلمين للعالم؛ ومع ذلك فقد أصر على أن الفلسفة كانت نتاجًا مصريًا وكان لا يمكن ألا أن تكون كذلك[22]، وفيلسوف من عصر النهضة -حيث اشتهر عنه الولع بمصر باعتبارهم أصحاب العلوم والفنون- مثل جوردانو برنو (الذي أعدم كمهرطقًا)، إذ قال: «لقد امتلكنا نحن الإغريق مصر، مملكة الأدب والنبل العظيمة، أصل كل تراثنا وشرائعنا»، ويحكي فرانسيس بيتس عن أهمية ترجمة أعمال هرمس قبل أفلاطون، فقد كانت مصر تأتي قبل اليونان، وهيرميس قبل أفلاطون، وحتى خلال الحقب التي توالت بها العوامل على تهميش وإسقاط أهمية تلك الحضارات الأولى، لصالح حضارات الإغريق والرومان، ووريثتها حضارة التنوير والحداثة، لم تغب النماذج التي عبرت عن الاعتراف بوجود الفلسفة قبل اليونان، فمن نيوتن الذي رأى أن اليونان أخذوا من مصر والأمم المحيطة بهم أول الأفكار عن الفلسفة كما نجد «مونتسكيو» صاحب «روح الشرائع»، الذي هو في قلب مدرسة الحتمية الجغرافية، كان يرى في المصريين أعظم الفلاسفة، وفي كتاب «تاريخ بلاد اليونان» لويليام متفورد الذي أقر أن اليونان أول دول أوروبا خروجًا من حالة الهمجية ويبدو أنها تدين بهذه الميزة تمامًا لأسباب اتصالها الأيسر بأمم الشرق المتحضرة[23]، كما أقر «ويل ديورانت» أن المصريين أول من كتبوا في الفلسفة.

«فالذين ينكرون امكان تأثر اليونانيين بحضارات الشرق يعوزهم التقدير الكافي»[24]

وهنا يجدر بنا النظر على الحضارة المصرية، بالأخص؛  كأبرز نموذج مؤثر في الانتشار، ونرى كيف كانت الفلسفة والعلوم آنذاك، وعرض المشاهدات بين الفلسفة المصرية والفلسفة الإغريقية.

نظام الأسرار المصري

كان تداول المعرفة والعلوم عند المصريين يتم بطرق سرية غير مكتوبة، واقتصرت الدراسة والانشغال بالعلوم على طبقة الكهنة، حيث كان معظم علماء مصر من الكهنة، وذلك لأنهم بعيدون عن صخب الحياة وضجيجها يتمتعون بما في الهياكل من راحة وطمأنينة، فكانوا هم الذين وضعوا أسس العلوم المصرية. وكان الكهنة يرون أن دراساتهم من العلوم السرية الخفية[25]، فقد كانت الأسرار المصرية مذهبًا دينيًا في طرق الخلاص، إذ يرون أن جسد الإنسان سجن النفس التي يمكن لها أن تتحرر من قيودها البدنية، وذلك عن طريق التمرس على فروع المعرفة من فنون وعلوم، وبذا ترتقي وتسمو من مستوى الوجود الفاني إلى مستوى إلهي خالد، وكان هذا هو مفهوم الخير الاسمى[26]، وقد كان للمصرين إله للحكمة، تحوت، الذي اعتقد أنه واضع كل العلوم، وكانت طبيعة الحكمة والتراث القديم، أن يكون منقولًا شفاها في الاغلب، وكان يُخشى ضياع الحكمة من اختراع الكتاب.

لذا فكان نظام الاسرار بمثابة الجامعة التي ينضم إليها المريدين، فكان مصدر ثقافي ينضم إليه الطلاب الذين يقدرون على التعلم واثبات فلسفة خاصة، فهم يتعلمون الفنون العقلية وقواعد اللغة والمنطق والخطابة وفضائل العيش السعيد من التحكم في الفكر والسلوك، وكان يحظر عليهم تداول ما يتلقوه من معارف خارج نظم الأسرار. ويشير «جي.ام جيمس» إلى العديد من الاقتباسات والإشارات على وجود معابد للمحفل الأعظم لنظم الأسرار مثل معابد مدينة طيبة القديمة، وأن لها مدارس لتلقيه العلوم السرية خارج مصر، كان يشار إلى هذه المدارس باعتبارها مذاهب خاصة أو فلسفية لطقوس دينية سرية، ومؤسسها من مريدي نظم الأسرار المصرية. وكان المعبد الأيوني في ديديما ومعبد اقليدس في ميجارا، ومحفل فيثاغورس في كروتونا والمعبد الأورفي في دلفي، والمحفل الأعظم هو الذي كان يدير المدارس الخارجية، فقد قيل على لسان أفلاطون في محاورة طيماوس: أن الطامحين إلى المعرفة الصوفية أو الحكمة، قد زاروا مصر ليبدأوا حياة المريدين، وهناك قال لهم كهنة معبد سايس، «إنكم أيها اليونانيون لستم سوى أطفال في نظام الأسرار[27]، ويدلل جيمس على أن نظم الأسرار كانت دخيلة على مدن اليونان وثقافتها، بأن معبد دلفي قد حرق على يد اليونانين، وتم إعادة بناءه بمساعدة  أماسيس أو أحمس ملك مصر، فقد اعتبرت دلفي مؤسسة أجنبية عن اليونان، فيُرجِح أنها كانت تابعة إلى نظام الأسرار، حيث أن مقولة «اعرف نفسك» التي قرأها سقراط في معبد دلفي، قد «اعتاد المصريون القدماء أن يكتبوا على جدران معابدهم عبارة؛ أيها الإنسان اعرف نفسك»، كما أن وقائع اضطهاد الفلاسفة، جديرة أن تشير إلى حالة الاستياء وعدم الألفة، والتي تنم بشكل أو بآخر على أن تعاليم الفلاسفة الأوائل غريبة على ثقافة المجتمع، فها هو أناكساجورس أودعته السلطات السجن ثم نفته، وأعدم سقراط وبيع أفلاطون في سوق النخاسة، وقدم أرسطو للمحاكمة ثم نفي، وأسبقهم جميعًا فيثاغورس فقد طردته السلطات.[28]  

الساحل الأيوني والفلاسفة الأوائل

يعزون نشأة الفلسفة إلى الساحل الأيوني -منطقة الأناضول- آسيا الصغرى في القرن السادس ق.م، وذلك يتناسب مع الفترة التي رفع فيها تجريم الهجرة إلى مصر، مع فترة غزو الفرس بقيادة قمبيز لمصر، وفي أيونة تأثرت العبقرية اليونانية بخمائر مصرية آسيوية، والتقدم على الدوام ثمرة من ثمرات التوفيق بين التقاليد القديمة والمغامرة الجديدة[29]، ويميل جيمس إلى أن الأيونين كانوا تحت الرعاية المصرية التابعة لنظم الأسرار، لذا تعلّم طاليس وتلاميذه منهم. بل أن طاليس الملطي الذي يشتهر بكونه أبو الفلسفة، زار مصر وتعلم بها على يد الكهنة المصريين، ويروى أن طاليس أثناء إقامته في مصر تعلم الفلك ومساحة الأراضي وفن القياس والهندسة وفقه الإلهيات المصري.[30]، وتلميذه أنكسمندرس عاش في مصر أربع سنوات بين زايس ومنف.

والفلسفة الأولى في أيونة كانت تختص بالنظر في الكون والطبيعة (الكوزمولوجي)، وما يشغلنا ههنا أن ننظر إلى طريقة التفكير التي من خلال التعرف عليها، يتسنى لنا أن نقاربها مع طريقة تفكير الفلسفة المصرية لتبين الصلة في نهج التفكير الفلسفي. بيد أن فلاسفة الطبيعة الأوائل اتجهوا بشكل واضح نحو طريقة التجريد الفلسفية، حيث انتهجوا رد كل العناصر المادية في الطبيعة إلى عنصر أصيل، فطاليس أرجع أصل الأشياء الطبيعية إلى مكون الماء، وأنكسمانس رجح الهواء، ونجد بعد ذلك عند فيثاغورس وهيراقليطس تكون النار، ويوفِق أنبادوقليس بين أربع عناصر «الماء والنار والهواء والتراب»، وتلك الطريقة التجريدية التي تهتم بالنظر الكلي في نظريات الطبيعة، هو ما نلامسه بشكل واضح، في طريقة تفكير المصريين، إذ انتشرت بعض النظريات الخاصة بنشأة الكون في كل من هليوبوليس ومنف وهرموبوليس وبوزيريس، ففي داخل الفلسفة الدينية المصرية، تضمنت نظرتهم للكزومولوجي، فرأوا أن الماء هو أصل جميع الكائنات ومنه ظهرت جميع الخلائق وكذلك الآلهة.[31]

وتستمد طريقة تفكير الفلسفة المصرية التجريدية من إلهيات ممفيس التي تتناول كما اشرنا نشأة الكون والحياة والألهه والإنسان.

لاهوت ممفيس ومصادر الثقافة

يتألف نص إلهيات ممفيس -نقش على حجر محفوظ في المتحف البريطاني-  من ثلاث أجزاء متكاملة على التوالي؛ آلهة العماء، آلهة النظام، رب الآلهة والخلق. الجزء الأول، يبدأ بالمادة الأولية «الهيولي» وتسمى نون -كما في لاهوت هيليوبوليس أيضًا- وتعني المحيط البدئي الذي التقت فيه قبل الخلق بذور الأشياء والكائنات كلها[32]، وخرج من نون الإله بتاح رب الآلهة (التل الأبدي)، ثم ظهر أتوم إله الشمس والنار من المياة، فاستوى فوق التل «بتاح»، فتمت عملية خلق كل شيء، وبقى أربع أزواج متقابلة من الأرباب في المياة، لذا فإن مقومات العماء الأزلي كانت تشتمل على: أربع أزواج من المبادئ المتضادة، مع اثنين أخرين من الأرباب، اتحاد مبدأين بتاح وآمون، أي وحدة العقل «نوس- NOUS» مع كلمة الخلق «اللوغوس-LOGOS»، وآتوم هو الصانع الأول أو وسيط الخلق. الجزء الثاني، آلهة النظام والترتيب «التاسوع الإلهي»، حيث أن أتوم هو مصدر الثمان ألهة المخلوقين، فأتوم الصانع صورهم من أعضاء جسده وهم شو (الهواء) وتفنوت (الرطوبة) وجب (الأرض) وتوت (السماء)، وتولد هذه الألهة أربعة؛ إيزيس وأوزوريس وست ونيفتس، ومن ثم استوى أتوم فوق التل بتاح وبقى ثابتًا غير متحرك، وأصبح الإله أتوم في عملية الخلق هذه هو المحرك غير المتحرك. والجزء الثالث يتحدث عن بتاح كبير الأرباب والذي وهب الخلق عن طريق أتوم.[33]

ما تبديه نظرية ممفيس في التكوين، هو النهج التجريدي -الذي يظهر عن طريق اللاهوت- فإننا نستنتج ونتبين مبادئ أصيلة وتجريدية، فمن رد الأشياء إلى عنصر واحد نون، واحتوائها لعناصر أخرى كالرطوبة والنار والهواء، وتلك النزعة التجريدية ما نجدها عند الفلاسفة الطبيعين الأوائل، ونجد أيضًا مفهوم الأضداد،التي وجدت عند فيثاغورس وهيراقليطس وفكرة اللا محدود (هوه وهويت؛ اللامحدود وضده)، عند «أبيرون» أنكسمندرس، كما تحمل مفهوم الكملة اللوغوس الذي نسبت إلى هيراقليطس، كما مفهوم العقل الكلي النوس، الذي قال به أناكساجورس ومن بعده سقراط وأفلاطون، وكذلك نجد أن تاريخ الفلسفة اليونانية عزا تأليف مبدأي الإله الصانع والأرباب المخلوقة إلى أفلاطون، كما عزا تأليف المحرك غير المتحرك إلى أرسطو».[34]  

وهنا وقد مددنا الطريق لربط وصال مصادر ثقافة فلاسفة الإغريق الأوائل، حيث أن غالبيتهم قد تتلمذوا لتعلم الحكمة على أيدي الكهنة المصريين، إما بطرق مباشرة أو غير مباشرة مع نظم الأسرار المصرية، فقد ذكرنا، زيارة طاليس وأنكسمانس، بل أن الاتصال بالسفر إلى مصر موجود منذ زيارة أورفيوس وهوميروس (قبل عصر الفلسفة بقرون) على حد ذكر ديودور الصقلي، علاوة على زيارة سولون (640-588ق.م) إذ أعجب سولون الأثيني بالفرعون المصري نخاو والذي درس شرائعه عندما زار مصر، وأدخل بعضها بعد عودته في القانون الأثيني الجديد[35]، وشخصيات أخرى مثل ويودوكوس الرياضي والفلكي والمؤرخ هيكاتي والفيلسوف إناكساجورس، وقد ذهب فيثاغورس لمصر وتعلم أيضًا بها، وأصبح في أثناء رحلته إلى مصر، تلميذًا يدرس ديانة شعب، وكان أول من أحضر إلى الإغريق كل الفلسفة[36]، بالإضافة إلى أبرز فلاسفة الإغريق مثل «ديموقراطيس» صاحب المدرسة الفلسفية الذرية، والشهير سقراط؛ حيث زار مصر وتحاور مع كهنة معبد زايس، والذي تأثر بالفلسفة الأخلاقية المصرية وتمسك بفضائلها في حياته؛ وأقدم ما لدينا من المؤلفات الفلسفية الاخلاقية المصرية «تعاليم بتاح حوتب»[37]، إذ ترك لإبنه كتابًا يحتوى على الحكمة الخالدة. وحيث نجد سقراط يعتد بمبدأ الخير الأسمى الذي أعتبر أن الفضيلة في الحكمة والمعرفة، كما أشار تلميذه أفلاطون (أحد أعمدة الفلسفة الهلينية الثلاثة)، والذي تابع تبني مبدأ الخير الأسمى، حيث رأي أن الفضيلة هي الحكمة والجَلد والاعتدال والعدالة، وهذا ما يمكن استنباطه من المبادئ العشرة لنظم الأسرار المصرية حيث أنها مذهب للخلاص عن طريق الخير الأسمى. فلقد ذهب أفلاطون إلى مصر بعد إعدام سقراط، إذ أنه قضى بها اثنى عشر عامًا، حيث التحق بمعبد هليوبوليس، وقد ذكر ديودور الصقلي ما قاله كاهن المعبد لأفلاطون عن رأيه في الإغريق والمعرفة، يقول في سياق حديثه: «المعرفة عندكم تُلقن أما عندنا فهي متوارثة، وعمر العالم عندنا يُقدر بأجيال وراثية للمعرفة»، كما يظهر التأثير المصري في محاورات أفلاطون في مواضع عدة، ففي محاورة فايدروس، يعلن على لسان سقراط، أنه هو تحوت إله الحكمة المصري الذي اخترع العلوم. حتى أن درجة تأثر أفلاطون بالفكر المصري، جعلت معاصريه يسخرون منه في عمله اليوتوبي «الجمهورية»؛ لكونه استقى ونقل أفكارها من المصريين، على حد قول أقدم المعلقين على أعماله كرنتور، ولقد زعم المؤرخ «هيرودوتس» أن الأسبرطيين يدينون بنظمهم السياسية لمصر، ولذا قد أعجب أفلاطون بأسبرطة لأنها أكثر مصرية من أثينا، بينما لاحظ «كارل ماركس»؛ أن دولة أفلاطون فيما يتعلق بإتخاذ تقسيم العمل أساسا تكوينيًا للدولة، هي مجرد معالجة مثالية لنظام التقسيم الطبقي في مصر.[38]، وهناك العديد من الأوصال التي تشير؛ بأن كل أنماط الفلسفة الأفلاطونية متكاملة في ارتباطها بالتقليد المصري[39]، ويُختلف حول زيارة أرسطوطاليس إلى مصر من عدمه، لكن ما نعلمه؛ أنه كان معلم الاسكندر الأكبر، حيث أنه طلب منه الحصول على العديد من الكتب، وهذا ما  يُرجح حدوثه مع غزو الاسكندر وحكمه لمصر، وامتلاكه لكتب المعابد ونظم الأسرار مثل مكتبة طيبة الملكية «المنفيثيون»، وتدور الشكوك حول الكم الهائل من الكتب المنسوب إلى تأليف أرسطو، والتي تشمل جّل المعارف والعلوم. وحتى بعد ذلك، مع تأسيس مدرسة الإسكندرية، كان أول المعلمين بها هم أساتذة وكهنة مصريين، حيث كانت كتب الكاهن مانتيون هي المواد الدراسية الأساسية.  

أما تتبع طرق التفكير والمعرفة للحضارة المصرية، حتى في ظل العقلية السائدة حول ضرورة الأسرار، وصفوية المعرفة، حيث كانت الطقوس الدينية والعبادات تخص العامة، أما التعلم ومذاهب الخلاص للخاصة، وما نراه جيدًا، تلك النزعة التجريدية والفلسفة السياسية والأخلاقية، لا سيما باقي فروع المعرفة التي يشتهر بها المصريين في صرح ما أنتجته من حضارة ملموسة، وتلك الفلسفة والعلوم، هي نتاج المعرفة البشرية ومسيرتها أيضًا، وتلفت النظر بشكل أساسي، على وجود عقلية التساؤل، والتي هي لب العقل الفلسفي، فسيطرة الدين كنزوع مصري أصيل، لا يعني بالضرورة أنه ضد الفكر الفلسفي (على حد تعبير إرنست كاسير أيضًا)، ونكرر أن استعمال الإغريق للفلسفة أخذ منحى أكثر تجريدًا وانفصالًا عن الدين، وقد امتزجت عدة عوامل وثقافات أخرى أيضًا، لكن لم تنزع الفلسفة الإغريقية الدين والإلهيات منها أيضًا، فسنجد أفلاطون يعتمد على الأساطير مثل محاورة المأدبة، لكن ما يمكن أن نميزه بشكل محدد، أن الفلسفة في مصر، كانت تحت ملكة الدين والفلسفة الدينية المصرية، أما في الإغريق لقد ساد العقل على الدين، إلى أن عادت الأمور مرة أخرى مع تأسيس اللاهوت التوحيدي. إذن فإن ثمار الفلسفة المصرية كانت أحد المنابع الخصبة للفلسفة اليونانية. ولقد رأى فريدريش نيتشه أن الفلسفة اليونانية قد نشأت عن مصدر صوفي، لأن الروح اليونانية كانت من قبل روحًا تشبيهية، فكانت تتصور الأشياء الخارجية على غرار الإنسان دائمًا. لكنها تحررت من هذه النظرة على يد الفلاسفة، فأصبحت في تفكيرها موضوعية. حتى جاء طاليس فجعل الأشياء وحدة، وقال أن الكل هو الماء.[40]

أصل الفلسفة

يمكننا القول أن بداية تاريخ الفلسفة المدون، نشأت من بلاد اليونان، وذلك لما اختلف في العطاء والممارسة الفلسفية والسياق الاجتماعي والثقافي، فبعد ما كان التفلسف في ضمن المذاهب السرية، أصبح يتداول بشكل ظاهر أمام العوام من المواطنين لما تناسب مع طبيعة المناخ السياسي، حتى نجد السوفسطائيين والسقراطيين، يوجهون خطابهم الفلسفي في احتكاك مباشر مع المجتمع، أما عند النظر عن أصل الفلسفة، فالحديث مختلف، لأنه يخص ماهية التفلسف الإنساني وعملية التفكير الإنساني عامة، التي لم تخلو يومًا من التساؤل عن معنى الحياة وموقع الإنسان منها؛ فإن أسمى معاني الفلسفة هو تفكير الإنسان فحسب، تفكيره في العموميات أكثر من تفكره في الخصوصيات[41]، فإن الفلسفة تنبع من الحاجة إلى التفكر والتعقل، لأنها تهتم بما يرتبط به الإنسان في واقعه ووجوده في حدود الزمان والثقافة واللغة والاجتماع، فهي تحقيق للفكر الحي. إذن السعي لتعريف الفلسفة -أصل كلمة فلسفة بمعني حب الحكمة، وأول ما ذكرت كان على لسان فيثاغورس ومن بعده سقراط، ولقد استخدمت من قِبل الفيثاغوريين المنتمين ثقافيًا لمصر- يكون من حيث التعريف بالموضوعات محل الانشغال بحياة الإنسان في وقت معين، فالفلسفة هي شعور الإنسان الأوليّ بالدهشة والنزوع للتساؤل، فالدهشة تستنبع التساؤل والمعرفة، فنلاحظ أن من أفواه الأطفال تنبع الأسئلة الكبرى عن العالم والحياة والنفس، وهذا يعني أنها تساير دروب البشرية كالدين واللغة والثقافة ككل،

«حيث لا غنى للإنسان عن الفلسفة. فالفلسفة ماثلة دائمًا وفي كل مكان، في صورة شعبية، في الأقوال المأثورة، وفي صيغ الحكمة الجارية، وفي الآراء المتواترة، ولا يفلت الإنسان من الفلسفة»[42]

والنزوع الفلسفي لا يمكن أن يُسجن مضمونه الأصيل في إطار تعبير محدد، فدائمًا ما امتزجت بالأدب والخيال والدين، فالدين الذي يعطي الأجوبة لابد أن يكون قد تأسس على طرح الأسئلة. الفلسفة تنبع من أشهر الأعمال الأدبية؛ من محاورات أفلاطون، وشعر نيتشه ومسرحيات سارتر وأدب كامي، فنجدها دائمًا وأبدًا في صور ومواقع مختلفة. فالفلسفة هي القدرة على طرح التساؤل وخلق رؤية شاملة عن العالم لكنها رؤية لابد أن تكون متناهية وخاضعة للشك والتساؤل مجددًا، لذا فإن غض البصر عن نتاج الفلسفات الشرقية من «لاو تسي وكونفشيوس» الصين إلى فلسفات الهند «تعاليم الأوپنشاد وجاين وبوذا»، وبلاد ما بين الرافدين ومصر، لمن الإجحاف في حق العقل الإنساني ومسيرته المشتركة.

 

كتابة وإعداد: عصام أسامة.

مراجعة علمية ولغوية: مايكل ماهر.

تحرير: هدير جابر.

 

المراجع:
 1-ربيع الفكر الفلسفي، عبد الرحمن بدوي، ص8
 2-أثينا السوداء، ج1: تلفيق بلاد الاغريق، مارتن برنال، مقدمة: أحمد عتمان، ص37  
 3-تاريخ العلم، ج1، الفصل الرابع، جورج سارتون ص237 
 4-أثينا السوداء،ج1: تلفيق بلاد الاغريق، مارتن برنال، مقدمة: أحمد عتمان، ص29   
 5-المصدر السابق، ص180 
 6-انظر المصدر السابق، ص192 : ص201، ص221 
 7-انظر: أثينا السوداء، ج1، تلفيق بلاد الاغريق، مارتن برنال، ص330: 345، ص361 
 8-الاستشراق، ادوارد سعيد، ترجمة: محمد عناني 
 9-أصل الفلسفة، حسن طلب 
 10-تاريخ العلم، ج1، جورج سارتون، ص246 
 11-المصدر السابق، ص133 
 12-أصل الفلسفة، ص14، حسن طلب 
 13-المصدر السابق، ص 32، حسن طلب 
 14-المصدر السابق، ص33، حسن طلب 
 15-نقلا عن جان فركوتيه، العلاقات بين القدماء المصرين واليونان، المصدر السابق، ص60  
 16-انظر في: مصر وكنعان واسرائيل في العصور القديمة، دونالد ريدفورد، الفصل السادس والسابع 
 17- انظر، أثينا السوداء، الجذور الافروآسيوية للحضارة الكلاسيكية، الجزء الثاني-المجلد الاول، الفصل: الأول، الثالث،و الرابع 
 18- تاريخ العلم، جورج سارتون، ج1، ص270  
 19- انظر: أصل الفلسفة، ص73،74، حسن طلب-19، (Manfred lurker, the gods and symbols of ancient Egypt) 
 20- تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ج1، ميرسيا إلياد، ص307  
 21- انظر: أثينا السوداء، ،ج1: تلفيق بلاد الاغريق، مارتن برنال، ص:225، 229، وانظر أيضًا؛ الجزء الثاني، المجلد الأول، الفصل الثاني والرابع  
 22- المصدر السابق، ص212 
 23-المصدر السابق، ص280، ص299، ص325 
 24-تاريخ العلم،ج1،ص274، جورج سارتون 
 25-قصة الحضارة، ويل ديورانت، المجلد الأول، الكتاب الثاني (الشرق الأدنى)، ص118 
 26-التراث المسروق (الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة)، جورج جي.ام جيمس، ص17 
27-المصدر السابق، ص44  
 28-المصدر السابق، ص18 
 29- تاريخ العلم،ج1، جورج سارتون، ص353  
 30-التراث المسروق، جي ام جيس، ص54 
 31- الفلسفة المصرية القديمة، عفاف فوزي، ص32 
 32-موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب التاني، ص14، تحرير: فراس السواح 
33- انظر: التراث المسروق، جورج جيمس، ص135: ص138، انظر أيضًا؛ الفلسفة المصرية القديمة، عفاف فوزي، ص42 
 34-المصدر السابق، ص138 
 35- تاريخ العلم،ج1، جورج سارتون، ص382 
 36-أثينا السوداء، مارتن برنال، ص214 
 37-قصة الحضارة،ج1،ك2، ويل ديوانت، ص149 
 38-الفلسفة المصرية القديمة، عفاف فوزي، ص83، وانظر أيضًا: أثينا السوداء،ج1، ص214 و216 
 39-أثينا السوداء، مارتن برنال، ص339 
 40- ربيع الفكر الفلسفي، عبد الرحمن بدوي، ص85 
 41-مشكلات فلسفية، وليم جيمس، ترجمة: محمد الشنيطي ص104 
 42-مدخل للفلسفة، كارل ياسبر، ص27