هل يمكن السفر بين النجوم بسرعة عالية كما في أفلام الخيال العلمي؟

21

هل تصدق أنه من الممكن الوصول إلى أقرب نجم خلال عقد أو عقدين من الزمن؟ فالبشرية تطمح إلى السفر بين النجوم بسرعات عالية على غرار (الكابتن كيرك في سلسلة ستار تريك الشهيرة) وكما في روايات الخيال العلمي وسيظل حلمًا يراود عشاق غزو الفضاء. ولكننا بالكاد قمنا بأسرع رحلة تجاه أقرب كوكب لنا في المجموعة الشمسية وذلك في رحلة أبوللو (10) بسرعة وصلت لـ(25000) ميل في الساعة، وبهذه السرعة سوف نستغرق (165000) سنة للوصول لأقرب نظام شمسي خارج مجموعتنا لذلك إذا كنا جادين حول خروجنا خارج المجموعة الشمسية فأضخم خزان وقود لن يكون الحل!

نلاحظ في سلسلة ستار تريك وقصص الخيال العلمي استخدام السفن الفضائية لنوع خاص من الوقود يسمي (المادة المضادة) وذلك لسبب حقيقي وواقعي وليس مجرد خيالات؛ فلقد أصبح أقوى وقود يعرفه العالم حتى الآن، فبينما أطنان من المواد الكيميائية كافية لدفع رحلة بشرية للفضاء؛ فإن عشرات من الملي جرامات (الملي جرام = 0.001 من وزن قطعة حلوى أم إن إمز) من المادة المضادة كافية لتلك الرحلة!

وهكذا أخذ الكثير من العلماء يعكفون على البحث في تلك المادة وخصائصها وتسخيرها من أجل تحقيق هذا الحلم منذ أن تنبأ بها الفيزيائي بول ديراك- Paul Dirac عام (1928) ومنذ أن اكتشف الفيزيائي الأمريكي كارل أندرسون- Carl D. Anderson البوزيترون- Positron عام (1932)، وعلى رأس هؤلاء الباحثين جيرالد جاكسون- Gerald Jackson وهو باحث فيزيائي في معمل فيرميلاب- Fermi lab بشيكاغو، فقد جاء مُجدِّدًا الأملَ بفكرة دفع المادة المضادة محل البحث بتطبيق سهل واضح الملامح.

وصرح بأن تسخير قوى المادة المضادة سيصبح حلًا قريبًا، حيث صرح بإمكانية اختبار نظام دفع أوليّ بالمادة المضادة في خلال سنوات لو توفرت التمويلات اللازمة، وذلك لكي نصل إلى أقرب نجم لمجموعتنا في غضون سنوات، ولذلك؛ قرر جيرالد هو ورفيقه ستيفن هوي- Steven Howe وفريقهم البدء تحت راية شركة “Hbar” للتكنولوجيا المتطورة في جذب أنظار وكالة ناسا والمستثمرين من حولهم إلى فكرتهم (نظام دفع بالمادة المضادة) وقرروا أن يبدأوا بإطلاق حملة تمويل على شركة كيك ستارتر- kickstarter الشهر القادم بمبلغ (200000) دولار أمريكي للبدء في أولى مراحل بحثهم وصناعة نموذج أولي.

وتكمن فكرة العالمان ببساطة في ابتكار مسبار- probe خفيفٍ جدًا يزن حوالي (10) كيلو جرام بنظام دفع متطور خفيف بطاقة هائلة وباستخدام شراع ضوئي- light sail يزن (100) كيلو جرام وبقطر يصل إلى (5) متر، ففي ورقة بحثية عرضها جاكسون عام (2003) في مؤتمر مسرع الجسيمات في بورتلاند ومعه صديقه هوي وبمساعدة وكالة ناسا يشرح فيها فكرته وهي مخطط مسبار صغير الحجم يعمل بالمادة المضادة لإجراء رحلة فضائية إلى نظام ألفا سنتوري النجمي Alpha Centauri بواسطة (17) جرام من المادة المضادة بسرعة سوف تصل إلى (40%) من سرعة الضوء حسب قول مجلة فوربس- Forbes وبهذه السرعة سوف يتم تقليص مدة السفر ومن المتوقع أن يتم الوصول إلى حافة المجموعة الشمسية في عشرة أعوامٍ فقط.

وشرح جاكسون: «إن المسبار الآلي الصغير سوف يتكون من أربعة مكونات رئيسية: يورانيوم مستنفذ- depleted uranium يغلف الشراع، وشراع كربوني يعمل كوحدة صلبة لتخزين المادة المضادة (بروتونات مضادة)، وإمدادات الطاقة الكهربائية، وحزمة أدوات في المؤخرة.»

تقوم الفكرة بشكل نظري على استخدام المادة المضادة (البروتون المضاد) في التصميم؛ لعمل تفاعل اندماج لليورانيوم (كشرارة) لبدء التفاعل وذلك عند اصطدامه بالشراع لينتج من التفاعل جزيئين بالتعاقب متساويين في الحجم بسرعات عالية متعاكسة، وسوف يسبحُ جزيءٌ ناحيةَ الشراعِ المغلّف ومن ثم سيصطدم به ويتم امتصاصه مكسبًا إياه قوة دفع ويدفعه للأمام بنفس طريقة عمل الرياح مع شراع المركب في البحر، أما الجزيء الآخر فسوف يصطدم بمؤخرةِ السفينة ليولد قوة دفع إضافية، وسوف تعمل قوى التنافر بين الجسيمات المنطلقة بطاقات حركة عالية على دفع السفينة والوصول بها لسرعات عالية جدًا.

وعلى آيّ حال فإن (200000) دولار من تمويل كيك ستارتر سوف تساعد الفريق على البدء في صناعة نموذج مبدأيّ لاختبار قوة الدفع. ويتطلع الفريق بعد ذلك لجذب أنظار وكالة ناسا والمستثمرين، حيث أن بناء نموذج أولي كامل سوف يكلف (100) مليون دولار حسب تقديرهم.

 

ذكرنا المادة المضادة كثيرًا ولم نتعرف عليها، فما هي المادة المضادة يا تُرى؟

 

يقول جيمس أنيس- James Annis الفيزيائي في معمل فيرميلاب: «المادة المضادة مثل المادة العادية تمامًا ولكن كل جسيماتها لديها شحنة مضادة لجسيمات المادة العادية.»

حيث أن ذراتها تحتوي على أنويةٍ سالبة الشحنة تدور حولها جسيمات موجبة الشحنة (إلكترونات موجبة) أُطلق عليها فيما بعد مصطلح البوزيترون- positron وعندما تتفاعل المادة والمادة المضادة (أي يحدث تقابل بين جسيمين متشابهين ولكن يحملان شحنات مختلفة)؛ تعمل الذرات على تدمير بعضها وتطلق طاقة غاية في الضخامة وتلك الطاقة التي يأمل جاكسون في أن يستخدمها في فكرته الجديدة. وهذا يعني أنّ كل إبادة للمادة المضادة تُنتج طاقة مقدارها (2) بليون إلكترون فولت (2 جيجا إلكترون فولت- 2GeV) من الطاقة.

يقول جاكسون: «لو تم استخدام صاروخ من المادة المضادة بدلًا من صاروخ الدفع النفاث والذي سيتم إطلاقه من خارج الغلاف الجوي للأرض فسوف تُزوّد السفينة بقوة دفع تفوق القوة الكيميائية والنووية وتقلل الوقت المستغرق.»

وتسمى المادة المضادة في بعض الأحيان (مرآة المادة العادية) لأنها تبدو تمامًا كالمادة العادية حتى أن لها نفس الكتلة ولكن بصفات معكوسة. وينتج عن الإبادة والتلاشي بين المادة والمادة المضادة تحول كامل للكتلة إلى طاقة تفوق التفاعلات النووية في القنابل الذرية والتي يتحول فيها (3%) من الكتلة فقط إلى طاقة.

لا يوجد الكثير من المادة المضادة حولنا في الفضاء الآن، على عكس الفترة عقب الانفجار الكبير- Big Bang فهي تنشأ بسبب اصطدام جسيمات عالية الطاقة بسرعات عالية جدًا تسمى الأشعة الكونية، وهذه الأشعة تنبعث في مجرتنا من قلب ثقب أسود ضخم هائل- super massive black hole. أما على كوكبنا فيتم إنتاجها بواسطة مسرع الجسيمات وهو آلة ضخمة تعجل الذرات وتجعلها تصطدم بعضها ببعض بسرعات عالية جدًا وهكذا قد تصبح مسرعات الجسيمات مصانع لإنتاج المادة المضادة.

ويوجد أنواع مختلفة من المادة المضادة ومن أخطر أنواع المواد المضادة إنتاجًا للطاقة هي البروتونات المضادة والتي تطلق أشعة جاما ذات طاقة عالية عندما تتلاشى، أما البوزيترونات فهي تطلق أشعة جاما أقل بـ(400) مرة من البروتونات المضادة، المشكلة هنا أنه يتم إنتاج البروتونات المضادة بتوجيه ذرات الهيدروجين السريعة على هدف من النيكل، ويقول جاكسون أن كل (100) بروتون سوف يصطدم بالنيكل سوف ينتج بروتونًا واحدًا فقط.

 

إنها مجازفة كبيرة جدًا وذلك لوجود الكثير من العقبات التي لم يتم التغلب عليها بعد، فالتحدي الأكبر يكمن في إنتاج المادة المضادة وكما تحدثنا سابقًا عن سهولة تكونها نسبيًا خارج الكوكب، أما داخل الكوكب فمسرعات الجسيمات كما في معامل مثل (فيرميلاب أو سيرن) تحتاج إلى تجهيزات وتكاليف باهظة للوصول إلى السرعات العالية التي تجعل الذرات تصطدم كما في الفضاء مكونة تلك المادة وحتى الآن لم يصل كامل إنتاج كافة معامل الكوكب إلى نسبة (1) جرام، بالتالي يلزم طريقة للعمل على إنتاج كميات كبيرة مع خفض تكاليف الإنتاج، حيث تصل تكلفة إنتاج (1) جرام من المادة إلى (100) بليون دولار حسب تقدير العلماء.

وهنالك مشكلة أخرى تواجه العلماء وهي كيفية تخزين المادة المضادة من أجل استعمالها كوقود؟ فلو اصطدمت ذرات المادة المضادة بجدار خزان الوقود أو بأي مادة فسوف ينتج انفجار يفوق انفجار نووي هائل. وحتى الآن لم يستطع العلماء تخزين الهيدروجين المضاد سوى لمدة (16) دقيقة فقط.

ويقول جيمس أنّ المشكلة تكمن في تخزين المادة المضادة بشكل يمنعها من الاصطدام بالمادة العادية والذي يعد صعبًا جدًا، ففي ستار تريك قاموا بحل هذه المشكلة بطريقة ما وأصبحوا قادرين على تخزين كميات كبيرة من المادة وهو أمر لم يتم اكتشافه بعد.
ومع ذلك يعتقد جاكسون وهوي نظريًا على الورق أنهم قد حلوا مشكلة التخزين ويأملون في التمويل من أجل البدء في العمل على مسبارهم الآلي الصغير للسفر إلى ألفا سنتوري. يقول جاكسون: «لو وُجد التمويل فسوف يتم تنفيذ فكرتهم في غضون عشر سنوات، فالمشروع على الأرض سوف يحتاج (100) مليون دولار لاختباره، ولكن سوف يلزم بلايين الدولارات لإرسال رحلة خارج الأرض، وإذا توفر كل ما يلزم فسوف يتم إنجاز ذلك في خلال عقدين أو ثلاثة.»

 

مشكلة ثالثة تواجه العلماء؛ فحسب أبحاث دراسة وكالة ناسا (برنامج ناسا للمفاهيم المبتكرة- NIAC) وهي دراسة قامت بها لاختبار صحة الفكرة منذ سنوات وهي أن هذه القوة ما زالت فائقة التكلفة والخطورة فبعض تفاعلات المادة المضادة تنتج كميات ضخمة وعالية الطاقة من أشعة جاما والتي تخترق المواد وتعمل على كسر الروابط بين الجزئيات لذلك فهي ليست صحية كما قد تعمل على تفتيت ذرات جسم المحرك، وقد تُحل هذه المشكلة كما ذُكر سابقًا باستخدام البوزيترونات المضادة بدلًا من البروتونات، ولو نجحت الفكرة وتوفرت التمويلات اللازمة لتطوير هذه التكنولوجيا بنجاح فالسفن البوزيترونية سوف تكون لها ميزات كثيرة سوف تؤثر بشكل جذري على خطط رحلات البشر للمريخ وللفضاء الشاسع.

إنّ أهم ميزة هي (الآمان) على حد قول جيرالد سميث- Gerald Smith الباحث في الطاقة البوزيترونية في أحد معامل نيو مكسيكو، حيث أن المهمات الموجهة للمريخ تستدعي مفاعل نووي لدفع السفن الفضائية وذلك لكبر قوة الدفع والتي تزيد من سرعة الرحلة وتقلل من الزمن المستغرق وبالتالي تزيد الآمان بالنسبة للطاقم وذلك بتقليل مدة تعرضهم للأشعة الكونية. بالإضافة إلى أنّ الوقود الكيميائي يزن كثيرًا ومكلف في حين أن المفاعل النووي يوفر طاقة كافية لمهمة تستغرق مدة ثلاث سنوات، ولكن المفاعل النووي معقد حيث أن هناك الكثير من الأخطار المحتملة أثناء المهمة، وهنا تبرز أهمية المفاعل البوزيتروني حيث يقول أنه يوفر نفس مميزات المفاعل النووي وأكثر وبالرغم من ذلك فهو بسيط نسبيًا.

ومن الجدير بالذكر أنّ المفاعلات النووية تبقى مشعة حتى بعد انتهاء التفاعل ووصول السفينة للمكان المقصود، فبعد وصول السفينة يتم توجيه المفاعل في مدار بعيد عن مسار الأرض للتخلص منه واحتواء نسبة الإشعاع وتقيل مخاطرها على الطاقم والرحلة والكوكب، وفي حالة المفاعل البوزيتروني لا يوجد أي إشعاع متبقٍ لذلك لا يوجد أي قلق من دخول المفاعل إلى الغلاف الجوي للأرض أو على طاقم الرحلة، ولو انفجر صاروخٌ يحمل مفاعلًا نوويًا فسوف يطلق الجسيمات المشعة في غلافنا الجوي أما المفاعل البوزيتروني كما يقول سميث؛ فسوف يطلق وميضًا من أشعة جاما إذا انفجر، ولكنها ستختفي فورًا ولن يُبقي أيَّ موادّ مشعة في الجو وسوف يكون الوميض محصورًا في منطقة خطر صغيرة تقدر بحوالي كيلومتر حول السفينة ومهما بلغت المخاطر فلن تتعدى الخطر الناتج عن انفجار صاروخ يعمل بوقود كيميائي عادي.

 

 

إعداد: Mahmoud Rageh

مراجعة: Matalgah Hamzeh

تصميم: Ayman Samy

المصادر
http://sc.egyres.com/2giWI

http://sc.egyres.com/dhZFz

http://sc.egyres.com/L2GK5

http://sc.egyres.com/lya6c

http://sc.egyres.com/N91S4

http://sc.egyres.com/ugB7x

 

#الباحثون_المصريون

شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي