أزمة البورصة الصينية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي

12106874_1644276372490841_8972568240879222980_n

في الأيام الماضية سمعنا الكثير من الأقاويل عن أزمة سوق الأوراق المالية في الصين، ولكننا لا نعرف على وجه التحديد ماذا حدث، وما تأثيره على الأسواق المالية في الدول الأخرى.
وهل هذا حقًا يُنبئ بأزمة مالية عالمية جديدة مثل سابقتها في عام 2008؟ وهل من المفترض أن ينتابنا القلق حقًا بشأن ما حدث؟ وكيف سوف يؤثر هذا التأثير على أسعار الفائدة والتضخم؟ وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها للخروج بسلام من هذه المشكلة؟.. إلخ من الأسئلة الكثيرة التي تجول بعقولنا ولا نستطيع أن نجد لها إجابات.
ففي هذا المقال سوف نستعرض معا الإجابات على هذه الأسئلة.

شهدت البورصة الصينية تراجعًًا حادًا خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، فعلى الرغم من الاحتياطات التي تم اتخاذها من قِبل المسؤولين في بكين، التي هدفت إلي تهدئة المستثمرين وتعزيز الثقة العالمية في اقتصاد هذه الدولة، فقد ارتفعت الأسهم الصينية بمقدار 150% في غضون 12 شهراً حتى منتصف يونيه الماضي، بسبب إقبال المستثمر الفردي على شراء الأسهم المرتفعة حتى وإن اضطر الاقتراض لفعل ذلك.
ومع التحذيرات المتوالية من أنه قد تمت المبالغة في تقدير قيمة الأسهم، والتنبؤ بتباطؤ اقتصادي، قد سجلت الأسهم أعلى قيمة لها على مدار السبع سنوات.

والآن وبعد انخفاض آخر أطلق عليه «الاثنين الأسود»، خسرت أسواق المال الصينية جميع مكاسبها لهذا العام، وتتجه الصين الآن لتخفيض قيمة عملتها (اليوان)، فما حدث خلال هذا الشهر ساهم في تكثيف المخاوف بشأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ويمكن أن نستنتج الآن تأثير هذه الأزمة على الأسواق المالية في الدول الأخرى، حيث تراجعت الأسهم في جميع أنحاء العالم حيث تراجع مؤشر ( FTSE 100)بمقدار 74 بليون يورو في بورصة وول ستريت، وعلى صعيد آخر تراجع مؤشر (داو جونز الصناعي المتوسط) بنسبة قياسية بلغت أكثر من 1000 نقطة في مرحلة واحدة.
وتراجعت السلع مثل النفط الخام والنحاس أيضًا إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات، حيث انتاب المستثمرين الخوف، بسبب وجود دلالات لتراجع مؤشرات طلب أكبر مستهلك رئيسي في العالم (الصين) للمواد الخام.
وبالنسبة لعملات الاقتصادات الآسيوية الناشئة فقد ضعفت، حيث تخلص المستثمرون من تلك الأصول التي ينظر إليها على أنها أكثر خطورة إذا بقيت في حوزتهم، ولكن يتزايد الطلب على الذهب وبعض السندات الحكومية، حيث تعتبر هذه الاستثمارات الملاذ الآمن في أوقات الركود.

بعد استعراض هذه الأحداث، اعتقد أنه خطر على بال الكثير منا أن أزمة مالية جديدة على وشك الحدوث، حيث أن بعض التراجعات في أسواق الأسهم تذكرنا بما حدث للبنك الأمريكي (ليمان براذرز Lyman Brothers ) من انهيار وإغلاق مؤشر (يوروفرست300)، وكان ذلك أكبر تراجع شهدته أوروبا في يوم واحد منذ أواخر عام 2008، حيث هبط بمقدار «5،4%». وكانت الخسارة يوم الاثنين بمقدار «8،5%» هي الأكبر منذ فبراير 2007.
ومن هنا تضاربت الآراء في هذا الشأن، حيث يري بعض المحللين الاقتصاديين أن التشابه بين الأزمتين ينتهي عند هذا الحد، لأنهم يعتقدون أن الخطر الأكبر من اضطراب أسواق الأوراق المالية يهدد اقتصاد الصين الداخلي، ولا يمكن أن ينتقل إلي خارجها إلا بشكل طفيف.
وقال جوليان جوسيب- كبير الاقتصاديين في شركة الاستشارات المالية (كابيتال إيكونومكس Capital Economics-) “أن الخوف الحالي هو في الأساس صنع في الصين، وبالنظر إلي البيانات الأخيرة عن الاقتصادات الرئيسية الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو واليابان، وكانت بشكل عام جيدة، وبغض النظر عن هذه الأخبار الغير سارة عن الصين، هناك احتمال ضعيف جدا من بلوغ أزمة مالية عالمية جديدة”.
وعلى صعيد آخر يشير البعض الأقل تفاؤلًا، إلي أن أزمة الصين، هي واحدة من بين العديد من عوامل قلق المستثمرين هذا بالإضافة إلي المشاكل السياسية في منطقة اليورو، وأيضًا لوجود مؤشرات على ضعف النمو العالمي، وتدفق أموال طائلة من الأسواق الهشة الناشئة مثل البرازيل. علاوة على ذلك، فإن صانعي القرار ليس لديهم من الوسائل إلا قليلها.

بعد هذه الأحداث قلق الكثير من حائزي الأوراق المالية على أموالهم، واعتقدوا أن الأمر قد انتهى، وأنهم سوف يخسروا ما جنوه طوال الأشهر الماضية، ولعل التساؤل الذي يطرحه عقلك الآن هو إذا كنت أمتلك أوراق مالية ماذا على أن أفعل؟
يجب أن لا تقلق بشأن ذلك، حيث قال جورج أوزبون- مستشار المملكة المتحدة- “أن أزمة سوق الأوراق المالية في الصين ليس لها تأثير كبير على الاقتصادات الأوروبية”، وقد قال نيك ديكسون- مدير الاستثمار في شركة ايجون المملكة المتحدة Aegon UK لإدارة الأصول المالية- “إن المدخرين المتقاعدين ليس عليهم أن يقلقوا إزاء التقلبات قصيرة المدى إذا لم يكونوا في حاجة إلي سحب مدخراتهم لسنوات عديدة”.
وعلى الرغم من أن أسواق الأسهم تمر بمأزق خلال الأسابيع المقبلة، ولكن إذا استطاع المدخرون تحملها صعودًا وهبوطًا، من المرجح أن توفر عوائد وفيرة على المدى المتوسط والطويل.
وعلى الجانب الآخر أكدت العديد من الآراء الأخرى، أن الموضوع يزداد سوءًا، حيث أشار لاري سامرز- وزير المالية الأمريكي السابق- إلي ضرورة تقليل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لتسهيل السياسة النقدية بدلًا من رفع أسعار الفائدة، كما كان متوقعًا في الأشهر القليلة المقبلة.
إن أسعار الفائدة بالفعل عند مستويات قياسية، وقد استغرقت البنوك المركزية العديد من السنوات في صياغة برامج التسهيل الكمي QE- وهي سياسة نقدية غير تقليدية تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة، حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المحددة مقدمًا في الاقتصاد. وتتميز هذه عن السياسة المعتادة أكثر لشراء أو بيع الأصول المالية بالحفاظ على معدلات الفائدة في السوق عند قيمة الهدف المحدد- ومن الواضح أن معدلات الفائدة المنخفضة هي التي يعزي إليها الكثير من أزمات السوق الراهنة.
ولقد أعرب ستيفن كينج- الخبير الاقتصادي ببنك HSBC- عن قلقه من العودة لأزمة شهر مايو قائلًا ” الاقتصاد العالمي يبحر عبر المحيط بدون أي قوارب للنجاة لاستخدامها في حالات الطوارئ»، حيث صرح خبراء الأسواق المالية أن الخطورة- إن وجدت- فهي طفيفة بالنسبة لمستثمر الأسهم الفردي، لذلك ليس عليهم أن يقلقوا بشأن ذلك.

ولكن ما تأثير ذلك على معدلات أسعار الفائدة، هل سوف يرفعها أم يقلل منها؟ لقد كانت هناك توقعات واسعة النطاق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة سوف يقوم برفع أسعار الفائدة من بداية الشهر المقبل، وبذلك تبقي احتمالات ركود الصين في قبضة البنك المركزي.
وبالمثل ينطبق الشيء نفسه على المملكة المتحدة، حيث أشار محافظ بنك إنجلترا- مارك كارني-إلي أنه يمكن رفع أسعار الفائدة على مدار العام.
ومن المتوقع في الوقت نفسه، أن يقوم البنك المركزي في الصين بتيسير السياسة النقدية لتحقيق النمو وتجديد الثقة فيه.

العديد من الدول تخشي الوقوع في مأزق التضخم – وهو الارتفاع المفرط في مستوى الأسعار- فهل يمكن أن يحدث تضخم نتيجة لهذه الأزمة؟

عند تسليط الضوء على الدول التي تعتمد على الواردات النفطية والسلع الأخرى بشكل كبير، نرى أن تكثيف البيع العالمي سيبقي على الأسعار منخفضة مما يجعل الأمر مطمئنًا لكثير من الدول.
حيث انخفضت أسعار النفط إلى النصف من 115 دولار للبرميل الواحد في الصيف الماضي إلى
أن وصلت مؤخرًا لأقل من 44 دولار، وهذا على الأقل سوف يعود بالنفع على السائقين.
ولقد صرح فيليب فاشتر- كبير خبراء الاقتصاديين في العالم في ناتكسيس Natixis لإدارة الأصول المالية_ وقال: على نطاق أوسع فإن انخفاض أسعار النفط سوف يكون له نتائج ايجابية على الاقتصادات الأوروبية، وأيضًا سوف تزيد من القوة الشرائية للمستهلك.

وأخيرًاً يجب أن نتساءل ماذا يجب أن يفعل صانعي القرار في الصين والدول الأخرى لتخطي هذه الأزمة بأقل خسائر، علمًا بأن المسؤولين في بكين يتعرضون لكثير من الضغوط لاتخاذ مزيد من الإجراءات لاستعادة الاستقرار في أسواق الأسهم الصينية، ولكن تكمن المشكلة في أن أي عمل سوف يتم اتخاذه سيكون بمثابة دليل على قلقهم بشأن تراجع الأسهم وركود الاقتصاد ككل.
وقال بيل أونيل- رئيس مكتب الاستثمار في المملكة المتحدة لإدارة الثرواتUBS – “سيكون هناك شكل من أشكال التحفيزات الإضافية خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة”، وأضاف أن هذا من المرجح أن يكون جنبًا إلي جنب مع الكلمات المحفزة من محافظي البنوك المركزية في الدول ذات الاقتصادات المتقدمة، تهدف إلى الاطمئنان إلى أنه تم إعداد سياسات مجهزة بغض النظر عن متى سوف تبدأ أسعار الفائدة في الارتفاع.
ومن المقرر أن يعقد المستثمرون ندوة لمحافظي البنوك المركزية يوم الخميس، في جاكسون هول،وايومنغ Jackson Hole،Wyoming، للنقاش حول موضوع تأثير تقلبات السوق الجديدة على قرارات أسعار الفائدة.

إعداد: Amal Hussein
مراجعة: FaTma IsmAil
تصميم: Ayman Samy
المصدر: http://goo.gl/JMAVBi

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي