لماذا يعتبر كوفيد-19 خفيفًا بالنسبة للبعض، وقاتلًا للبعض الآخر؟

لماذا يعتبر كوفيد-19 خفيفًا بالنسبة للبعض، وقاتلًا للبعض الآخر؟

لماذا يصاب بعض الأشخاص بـالنسخة الحادة والمهددة للحياة من كوفيد-19(بالإنجليزيَّة: COVID-19)، بينما لا يعاني آخرون من أعراض أو يعانون من الأعراض الخفيفة فقط؟

 

في مقالة نشرت على موقع جامعة كورنيل (بالإنجليزيَّة: Cornell University) للكاتب جيم شنابل وهو كاتب مستقل في كلية الطب بالجامعة، تناول فيها الجوانب المثيرة لفيروس كورونا المُستجد وذكر أن مجموعة واسعة من مرضى كوفيد-19 يعانون من شدة المرض في حين أن أقلية  تتطلب دخول المستشفى، لذلك فإن أثر العدوى على هؤلاء المرضى شديد وفي بعض الحالات يهدد حياتهم. وفي إطار هذا المقال ناقش بعض العوامل المسببة لذلك.

كبار السن الأكثر عرضةً للخطر

يُعدّ العمر هو أحد عوامل الخطر. بالمقارنة مع المرضى الأصغر سنًا، فإن المرضى في منتصف العمر وكبار السن أكثر عرضةً للمعاناة من الأعراض، ودخول المستشفى للعلاج أو الوفاة. فقدّر أحد التحليلات الأخيرة للبيانات الصينية أن فرصة الوفاة في حالات كوفيد-19 المؤكدة كانت أكثر من 13٪ للمرضى الذين يبلغون من العمر 80 عامًا أو أكثر، مقارنة بنحو 0.15٪ للمرضى في الثلاثينيات من عمرهم، و 0٪ تقريبًا للمرضى الأقل من 20 عامًا. وفي دراسة أخرى على الحالات الأمريكية المبكرة من قبل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (بالإنجليزيَّة: Centers for Disease Control and prevention، وتُختصر: CDC) كان هناك نتائج مماثلة

يمكن تفسير ذلك جزئيًا بحقيقة أن أجهزة المناعة في المرضى الأكبر سنًا تميل إلى أن تكون أقل كفاءة في محاربة العدوى الفيروسيّة. ومع ذلك، ربما هذه ليست القصة كاملة. يقول الدكتور فريد بيلزمان، وهو أستاذ مساعد في الطب السريريّ في كلية الطب بجامعة وايل كورنيل وطبيب في المركز الطبيّ التابع للجامعة:

«لا يصاب الأشخاص الذين في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من العمر بالعدوى الفيروسيّة الأخرى، مثل الإنفلونزا، بنفس القوة والطريقة التي يصابون بها بكوفيد-19»

ويضيف الدكتور بيلزمان:

«إن حدّة مرض كوفيد-19 بالنسبة لمتوسطي العمر لا تعتمد فقط على الضرر الفيروسي للخلايا بل أيضًا على الرد العنيف من قبل الجهاز المناعيّ أو ما نسميه “عاصفة” الالتهابات التي تضر بالرئتين والأعضاء الأخرى. قد يصاحب الشيخوخة تغيرات في أجزاء مختلفة من الجهاز المناعي والتي قد تجعل  المرضى من متوسطي العمر أكثر عرضةً لهذه العاصفة من المرضى الأصغر سنًا، حتى لو كانوا أصحاء ولا يعانون من حالات طبية كامنة»

ويكمل:

«قد تكون هناك أيضًا عوامل أخرى مثل نمط الحياة لهؤلاء المرضى كزيادة احتماليّة مواجهة الفيروس في البيئات الاجتماعيّة والعمل والتي هي سمة أساسية للأشخاص في منتصف العمر وقد تُزيد من قابليّة إصابتهم بالمرض»

يمكن للأطفال أيضًا أن يصابوا بعدوى كوفيد-19، ولكن يتم تجنبهم إلى حد كبير من قبل هؤلاء الذين يعانون من حدة المرض.  واحد من الاقتراحات الناتجة عن دراسات الفيروسات الأخرى المماثلة، بما في ذلك الفيروسات التاجيّة التي تسببت في وباء السارس في الفترة بين (2002-2004)، هو أن الأطفال والحيوانات الأصغر قد تكون أقل عرضةً للإصابة بالعاصفة الالتهابيّة عند الإصابة.

الرجال ضد النساء

يُصاب كلًا من الرجال والنساء بكوفيد-19 بمعدلات متساوية تقريبًا، ولكن في معظم البلدان كانت معدلات الوفاة أكثر في الرجال. ففي بلدان مثل إيطاليا وأيرلندا، يُمَثِل الرجال حوالي 70 ٪ من وفيات كوفيد-19.

إن الفرضيات التي تفسر ذلك الاختلاف كافية، فأولًا: يوجد اختلاف بين الجنسين في الاستجابة المناعيّة -على سبيل المثال- وجدت دراسات أُجريت مؤخرًا على فيروس الإنفلونزا، أن الرجال الأكبر عمرًا معرضون لمضاعفات المرض ونتائجه السيئة أكثر من النساء الأكبر عمرًا. ثانيًا: من المرجح أن يشرب الرجال الكحول بصورة أكبر، مما يضعف جهاز المناعة ويزيد من القابليّة للإصابة بالالتهاب الرئوي. ثالثًا: الرجال أكثر عرضةً لتدخين التبغ، مما يضعف المناعة ووظائفا الرئة عامةً، ويجعل الرئتين والأعضاء الحيويّة الأخرى مصيدة سهلة لمزيد من الالتهابات. فقد أكد الأطباء الصينيون المعالجون لكوفيد-19 أن تدخين السجائر كان عامل خطر قوي جدًا وجعل من توقع أن يسوء الأمر في حالة المريض المدخن سهلًا جدًا.

ومع ذلك، فقد شدد الدكتور بيلزمان على أن الدراسات اللازمة لتحديد العوامل الكامنة وراء قابليّة الرجال الإضافيّة للإصابة بالمرض لم تُجرى بعد.

الأمراض المزمنة يمكن أن تزيد الأمر سوءًا

هنالك احتمالية غير تناسبيّة أن يكون المرضى الذين يصابوا بالنسخة الحادّة أو المميتة من كوفيد-19 يعانون من حالة صحيّة مزمنة واحدة على الأقل، مثل مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم أو السمنة أو أمراض القلب والأوعية الدموية أو الربو أو أمراض الكلى أو اضطراب الانسداد الرئوي المزمن.

في بعض الحالات، التفسيرات المحتملة لهذه الروابط واضحة. فمن المعروف أن مرضي السكري والسمنة يرتبطان بالمقاومة الضعيفة للعدوى في أصحابهم. ففي دراسة أجراها باحثون من كلية وايل كورنيل للطب  في  أبريل الماضي والتي نُشرت في مجلة نيو إنغلاند الطبية (بالإنجليزيَّة: New England Journal of Medicine) تُشير إلى أن السمنة، خاصة عند الرجال، ارتبطت بالعلاج الذي يحتاج لأجهزة التنفس الاصطناعيّة (بالإنجليزيَّة: Mechanical ventilation). أيضًا مرضا الربو واضطراب الانسداد الرئوي المزمن يؤديان الى انخفاض وظائف الرئة، وقابليّة أكبر للإصابة بالتهاب الرئة. علاوةً على ذلك، غالبًا ما يستخدم المرضى الذين يعانون من هذه الاضطرابات أدوية تثبيط المناعة الكورتيكوستيرويديّة (بالإنجليزيَّة: Corticosteroids)، والتي تقلَّل من المناعة ضد التهابات الجهاز التنفسي.

بشكل عام، إن أي حالة طبية خطيرة يمكن أن تجعل الأعضاء الحيويّة أقل قدرة على تحمل الضغوط البيولوجية الناجمة عن العدوى والالتهاب.

بعض الباحثين قد اقترحوا أن العلاجات الشائعة لارتفاع ضغط الدم والسكري قد تؤدي إلى تفاقم خطر كوفيد-19، استنادًا إلى حقيقة أن هذه الأدوية يمكن أن تعزز مستويات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (بالإنجليزيَّة: Angiotensin converting enzyme 2، وتُختصر: ACE2)، وهو إنزيم يتواجد على سطح الخلية الحية ويستخدمه فيروس كورونا المستجد المُسبب لكوفيد-19 للوصول إلى الخلايا الهدف. ومع ذلك لا توجد أية أدلة سريرية تثبت هذا، ولم ينصح الأطباء عمومًا المرضى بالتوقف عن تناولها.

عادةً، يتناول الناس مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (بالإنجليزيَّة: Non-steroidal anti-inflammatory drugs، وُتختصر: NSAIDs) مثل الإيبوبروفين للحالات المزمنة كالتهاب المفاصل. ومن المعروف أن هذه الأدوية تجهد الكلى عند تناولها على المدى الطويل وقد تسبب أمراض الكلى المزمنة. لذلك فمن المحتمل أن تكون هذه مشكلة عند الإصابة بكوفيد-19، لأن العدوى غالبًا ما تهاجم الكلى. بعض متخصصي العناية المركزة قد لاحظوا تطور غير متوقع في حالات كوفيد-19 من الأشخاص الذين لديهم تاريخ طويل من استخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، هكذا قال الدكتور بيلزمان.

إن علاجات السرطان أو عمليات زرع الأعضاء أو بعض الحالات الطبية الأخرى قد تتطلب تناول المرضى للأدوية المثبطة للمناعة، مما يضعف من مناعتهم، وهذا  عامل آخر قد يزيد بشكل كبير من قابليّة الإصابة بالعدوى الحادّة والخطيرة من كوفيد-19، ويجعل الناس أكثر نشرًا للعدوى أثناء الإصابة. لذلك ينصح الأطباء هؤلاء -أصحاب المناعة المُثبطة- أن يكونوا أكثر حرصًا لتجنب التعرض المحتمل للفيروس، من خلال البقاء في المنزل وغسل اليدين بشكل متكرر.

اختلاف العرق

هناك أدلة صاعدة على أن يكون الأمريكيون الأفارقة أكثر عرضة للإصابة بكوفيد-19 الحادّ والشديد. ففي ولاية لويزيانا الأمريكية -على سبيل المثال- كانت تلك المجموعة تمثل 70% من وفيات كوفيد-19 رغم أنهم يمثلون ثلث سكان الولاية فقط. وقد وُجدت علاقات مثل تلك في ولايات أخرى.
إن التوصل للأسباب الفعليّة وراء القابليّةلحدّة المرض وتطوّره في تلك المجموعة من السكان لايزال مبكرًا، ولكن هناك عوامل محتملة قد توضح ذلك، مثل ارتفاع نسبة الحالات الطبية المزمنة من أمراض الكلى والسمنة وداء السكري وارتفاع ضغط الدم في الأمريكين الأفارقة. وهى حالات رُبِطت بالفعل بحدّة مرض كوفيد-19 وتطوّره في المصابين به. كما يمكن للعوامل الاجتماعيّةوالاقتصاديّة، مثل الفقر، والحصول على الرعاية الصحيّة والتأمين الصحيّ أن تلعب دورًا أيضًا.

ثغرات الجهاز المناعي

إن بعض الأشخاص يبدون بكامل صحتهم ولا يعانون من أي نقص في المناعة ومع ذلك فقد يرثوا بعض الخصائص في جهازهم المناعيّ والتي تجعلهم أكثر عرضة للمشاكل الناجمة عن الإصابة ببعض الأنواع من العدوى الفيروسيّة. قد يرجع هذا إلى تغيرات جينيّة عشوائيّة بالإضافة أيضًا إلى الخلفيّة العرقيّة.

من حيث المبدأ، يمكن للسكان الذين تعرضوا بشكل أقل لفيروسات العائلة التاجيّة سابقًا أن يكونوا أكثر عرضةً لـكوفيد-19. ومع ذلك فإن الدراسات التي تربط التغيرات الجينيّة للجهاز المناعيّ بالحساسية لكوفيد-19 قد بدأت للتو.

الجرعة فيروسيّة

من المعروف منذ فترة طويلة أن مقدار أو “جرعة” التعرض لعامل معدي يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في تحديد شدّة المرض، ويبحث الدارسون الآن في ذلك العامل المُحتمل لتفسير إصابة بعض الأشخاص الأصحاء بشدّة بكوفيد-19.

«إن الحصول على جرعة منخفضة من شخص يعاني من أعراض خفيفة في مترو الأنفاق قد يكون أقل حدّة للإصابة بمضاعافات شديدة، مقارنةً بالحصول على جرعة عالية من شخص مريض ومعدي جدًا»

السلالات الفيروسيّة المختلفة

إن فيروس سارس-كوف-2 (بالإنجليزيَّة: SARS-Cov-2) المسبب لمرض كوفيد-19، هو من الفيروسات ذات الحمض النووي الريبوزي أحاديَّة الشريط (بالإنجليزيَّة: Single-stranded Ribonucleic acid، وتُختصر: ssRNA) وهو عالي القدرة على التحوّر. وبمرور الوقت ومع انتشاره السريع في العالم، قد يطوّر الفيروس نفسه ويخلق سلالات أخرى تختلف جينيًا اختلافًا واضحًا عنه وتكون أكثر انتشارًا أو حدّة وشراسة عن تلك الموجودة الآن. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن أية أدلة على أن سلالات فيروس سارس-كوف-2 المنتشرة بين الناس تختلف عن بعضها في الأعراض التي تسببها أو أن الاختلافات الجينية الطفيفة بينها تفسر اختلاف حدة المرض من مريض لآخر.

في النهاية لايزال فيروس كورونا المستجد مجهولًا في جوانب كثيرة منه ولا يزال يحتاج الباحثون إلى الوقت لتحليله وتقييم  خصائص مرضاه لمعرفة الأسرار الكامنة وراء اختلاف أثره من مريض لا يصاب بأيّة أعراض لآخر قد تصل شدّة المرض عليه وحدتها إلى الموت.

ويختم الكاتب مقاله بقول الدكتور بيلزمان:

«في الوقت الذي نتمنى أن نحصل فية على جميع الإجابات، من الواضح أننا لم نحصل عليها حتى الآن»

 

المصدر

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي