أنكسمندر ونظريته حول نشأة المادة والعالم الحي

أنكسمندر

كان الإغريق يقدّرون النظام العقلي ويدورون معه حيثما دار بهم، ويسعون في إيجاده أينما أعوزهم. وهذا هو أحد الأسباب التي دعت الآخرين إلى دراستهم والاعتناء بهم. ومن مظاهر تلك الرغبة في الترتيب المُحكم للأمور ما نجده في الطريقة التي سجلوا بها تاريخهم. ففي المصادر القديمة التي تروي قصة تاريخ الفلسفة نجدُ سلسلة كبيرة من الأساتذة والطلاب، وكلٌ منهم يسلم شُعلة المعرفة إلى وريثٍ محدد. وهكذا وبطبيعة الحال، أطلق الملطيون على “أنكسمندر (حوالى 610-546 ق م)، لقب »تلميذ-طاليس-θαλής» وخليفته.

وعلى غرار طاليس، كان انكسمندر موسوعي المعارف. ورُغم أنّه لم يتبق له مما كتبه سوى جزء من عبارة واحدة فقط من كتاب «عن الطبيعة»، فثمة أدلة كافية عن أنّه ألف كتابًا يحمل هذا الاسم تقريبًا «περί φύσεως» وأنّ هذا الكتاب قد غطى كل شيء تقريبًا، بل إنّه رسم أول خريطة معترف بها الأجزاء المعلومة من الأرض وقتئذ. أما مالم يكن يعلمه حول الطبيعة، وهو بالطبع قدر كبير، فقد اختلقه. ولا يعني ذلك بتاتًا أنّ الرجل كان كاذبًا، بل حاول التفكير في الأمور وحلها بنفسه. وأنّه تأمل مليًا في نشأة الكون ومآله والمبادئ التي تحكم العمليات الطبيعية وتركيب الشمس والقمر والنجوم وتطور الحياة والطقس والكثير من الأمور الأخرى.
كما وظّف بعض الصور والأفكار الأخرى المشابهة لتفسير كل ما شاهده من أمور. ولكن يبدو أنّ مالم يره كان أكثر أهمية مما رآه.
وقد أدرك أنكسمندر أنّ أفضل تفسير للطبيعة لا يمكن أنْ يعتمد دائمًا على ما نراه مباشرة، ولكنه يتطلب الغوص في أعماق الأشياء أكثر وأكثر. لذلك رفض فكرة أنّ (الماء) هي أصل الأشياء كما هو الحال عند طاليس. فافترض أنكسمندر وجود أصل خفي للعالم، أو مادة أساسية صُنع منها. وإذا كانت فلسفة طاليس قد تعرضت لأحد المظاهر الأساسية للتفكير العلمي وهو الحافز لتبسيط الظواهر المدركة بالحواس وتغيرها، فإن فلسفة أنكسمندر جسدت مظهرًا آخر لا يقل عن ذلك أهمية، ألا وهو أنّ العلم يؤكد دومًا أنّه ثمة الكثير في هذا العالم أكثر مما تراه العين المجردة.

أطلق أنكسمندر على مادته الاساسية اسم «apeiron» أو «Απέραντος» باليونانية، أو «المطلق απεριόριστος» بمعنى «غير المحدود»، وغالبًا ما كانت تترجم إلى «اللانهائي». بَيْدَ أنّ هذا يجعل أنكسمندر يبدو غامضًا وغير واضح. ولاريب أنّ ظن المواد الخام للعالم غير محدودة بمعنى أنها “كبيرة جدًا” تمامًا بنفس المعنى الذي قصده هوميروس في وصفه للمحيط بأنّه «غير المحدود»، ولكن أكثر ما عني به أنكسمندر هو أنّ المادة الأساسية أيًّا كانت، يجب ألا تكون هي في ذاتها ذات خصائص يمكن إدراكها بالحواس حتى يتسنى تفسير كل الظواهر المدركة بالحواس طبقًا لها.
لاحظ أنكسمندر أنّ الأشياء التي يمكن إدراكها بالحواس تأتي في مجموعات متضادة كالساخن والبارد أو الرطب والجاف على سبيل المثال، وهذه العناصر في حالة صراع دائم. وعلى ذلك يقول فيما بقي لنا من كلماته: «إنّها تعاقب بعضها بعضًا على الظلم الذي تقترفه طبقًا لتقييم الزمن». ويبدو أنّ فكرته تتلخص في أنّ الأشياء تعتدي على بعضها (مرتكبة الظلم) وتتبادل أدوار الضحية والمعتدي المنتقم بينما يلعب الزمن دور الحَكَم. ونحن نرى نتيجة هذا الصراع في تعاقب الليل والنهار وثمة صراعات أخرى تدور ليل نهار في لعبة كونية. فأحيانًا تهاجم النيران الماء فتعمل على تبخيرها، وأحيانًا أخرى يرد الماء بإخماد النيران. ويتكرر مفهوم العناصر المتصارعة هذه والذي ظهر لأول مرة عند أنكسمندر في الأدب الغربي وتحديدًا عند «ملتون» في:
الحر والبرد والرطوبة والجفاف
أربعة أبطال يمتلكهم الغضب، يسعون نحو الغلبة.
لكن، كيف ينشأ الساخن والبارد والرطب والجاف من «المطلق» أو «غير المحدود»؟
لم يكن بوسع أنكسمندر إلا أنْ يقول أنّ الأمر به نوع من «التمايز». وربما تكون نظريته قد تركت العديد من الأسئلة بلا إجابات، لكنها على الأقل محاولة للتعامل مع بعض الأسئلة الأخرى. وبالنسبة لأنكسمندر تكمن ميزة افتراض أنّ كل شيء قد تطور من كتلة بدائية غير محدودة، سعى هو إلى حل لغز لم يكُنّ إلا ليؤرق طاليس أو أي شخص آخر يعتقد أنّ أحد العناصر الطبيعية هو «أصل» الأشياء جميعا. واللغز يبدو كالتالي:
إذا كان أصل الأشياء من الماء، فكيف تكونت النار؟
ألم يكن من المفترض أنْ تخمد لحظة مولدها؟
كان الحل الذي توصل إليه أنكسمندر يكمن في أنّ الأضداد الأساسية قد خُلقت معًا من المطلق غير المحدود، بحيث لا يحظى أي من المواد المتصارعة بأفضلية على خصمها بطريقة غير عادلة. ففكرة العدالة عنده والتي أراد أنْ يعبر عنها، هي تلك العدالة الكونية، فلا بُد أنْ يكون هناك نسبة معينة من النار ومن التراب والماء في العالم، لكن كل عنصر من تلك العناصر لا يكل ولا يمل من السعي في سبيل اتساع رقعة ملكه، غير أنّ هناك ثمة ضرورة أو قانون كوني لا ينفك أنْ يرد التوازن إلى حيث كان. فحيث كانت نارًا مثلا تُرى رمادًا والرماد من التراب، وهذه هي فكرة العدالة، والعدالة هنا تعني عدم مجاوزة الحدود المفروضة حيث الأزل.

وثمة فكرة خيالية أخرى في دراسة أنكسمندر لعلم الكون اشتهرت بتعقيدها أكثر مما اشتهرت بغرابتها الواضحة، لم يفكر أنكسمندر في أنّ الأرض بحاجة إلى أيّة وسادة سواء من الماء أو من أي شيء آخر لتمسكها، ولكنه رأى أّنّها ترتكز على مركز الكون الكروي ويدور حولها كل شيء، وهذا الموضع المحوري هو ما يفسر عدم سقوط الأرض في الفضاء، فهي محفوظة في مكانها عن طريق التوازن كما أوضح أرسطو عند شرحه لوجهة نظر أنكسمندر حيث قال:
«حيث أنّه يتحتم على ما يقع في المركز ويتصل بالطرفين بصورة متساوية ألّا ينحرف مثقال ذرة لأعلى أو لأسفل أو ناحية الأطراف، ومن المستحيل عليه أنْ يتحرك في اتجاهات عكسية في الوقت ذاته، فإنّه بالضرورة يظل ثابتًا». فمثل الأرض هنا كمثل «حمار بوريدان» الشهير الذي ترك في نصف المسافة بالضبط بين حفنتين أو كومتين من التبن فاحتار بينهما ولم يستطع أنْ يقرر أيهما يأكل حتى هلك جوعًا.

وعلى نفس المنوال الذي فسر به أنكسمندر نشأة الكون، فسر بها نشأة الحياة الحيوانية، فذكر أنها نشأت عن عملية “التمايز” نفسها، فكما تكون الضباب البدائي الذي يحيط بالأجرام السماوية عن طريق الصراع بين الساخن والبارد، فقد انبثقت الحياة من الضباب بفضل تحفيز حرارة الشمس. ومن المفترض أيضًا أنّ أنكسمندر قد اعتقد أنّ المخلوقات الأولى كانت محاطة بشرنقة شائكة مستخدمًا المصطلح نفسه بمعنى القشرة أو اللحاء. كما كان تفسير أنكسمندر أيضًا لظهور الإنسان بارعًا، فكان يدور بخلده أنّ البشر الأوائل كانوا يُحملون في أحشاء الأسماك، أو كائنات تشبه الأسماك، تؤدي وظيفة الأم البديلة. وعلى ما يبدو أنّ ما دفع إلى قول تلك النظرية ما لاحظه من أنّ الإنسان يحتاج إلى فترة كبيرة من الرضاعة بشكل استثنائي لا يستطيع فيها الاعتناء بنفسه، إضافة لاعتقاده بأنّ أوائل البشر ما كانوا ليظلوا على قيد الحياة إذا ما اعتمدوا على أنفسهم. وما أنْ اعتنت بهم الأسماك وتمكنوا من الاعتناء بأنفسهم بعد ذلك خرج الجيل الأول من الأطفال المائيين إلى اليابسة حيث أمكنهم الاعتناء بصغارهم فيما بعد.
مما سبق نقول أنّ أنكسمندر يفسر تكوين الأشياء تفسيرًا «أليًا»، أي بمجرد اجتماع عناصر مادية واقترافها بتأثير الحركة دون علّة فاعلية متمايزة أو غائية. وهو في تصوره هذا عملية التكوين يكاد يقترب من غير واحد من العلماء المحدثين كـ «لابلاس» مثلاً. ويكاد يقول بمذهب التطور على الحياة ككل.

صورة أنكسمندر في العالم الإسلامي:
نجد مؤرخي الفلسفة الإسلامية يذكرونه تحت اسم «أنقسمندريس» أو «أناكسيماندورس» ويذكرون أنّه من ملطية، وأنّه أستاذ فيثاغورس. فيذكر «المبشر بن فاتك» أنّ فيثاغورس توجه إلى مليطون «ملطية» ليتعلم الحكمة من الحكيم أناكسيماندورس، الهندسة والمساحة والنجوم. كما يذكر أيضًا أنّ ديوجانس الفيلوني الفيلسوف الطبيعي كان من تلامذته.

أما عن فلسفته فيذكر الشهرزوري، قد عرف قوله باللامتناهي وإنْ كان غير دقيق في تعبيره، فهو يقول: «وكان رأيه أنّ أول الموجودات المخلوقة للبارئ تعالى: الذي لا نهاية له، ومنه كان المكون. وإليه ينتهي الكل». لكننا نعلم أنّ أنكسمندر لم يعرف فكرة الخلق كما لم يعرف فكرة الله، ولم يسم اللامتناهي بالله حسب كلام الشهرزوري. بَيْدَ أنّ الشهرستاني كان أقرب إلى تصوير مذهب أنكسمندر حين يقول أنّ أصل الأشياء عند أنكسمندريس جسم موضوع الكل لانهاية له. وأنّ أنكسمندريس لم يبين ماهية ذلك الجسم، هل هو من العناصر، أم خارج عنها. ويمزج الشهرستاني بين مذهب أنكسمندريس ومذهب أنكسيمانس ونظرية أنكساغوراس في العقل، حين يطلق مذهب أنكسمندريس على لسان تلميذه أنكسيمانس فيقول أنّ أنكسيمانس يذهب إلى أنّ الله أزلي لا أول له ولا آخر، وهو مبدأ الأشياء، لا بدء له وهذا تعبير في صورة إسلامية عن لامتناهي أنكسمندر، ثم يضفي على هذا اللامتناهي صفات الألوهية عند بعض الفرق الإسلامية.

أما صورة أنكسمندر عن فلوطرخس هو صاحب كتاب «الآراء الطبيعة لفلوطرخس» وهو الكتاب الذي انتشر كثيرًا بين المسلمين كأهم مصدر للتراث اليوناني فيه: “وأما أنكسمندريس الملطي. فإنّه يرى أنّ مبدأ الموجودات هو الذي لا نهاية له. وأنّ منه كان كل الكون وإليه ينتهي الكل. ولذلك يرى أنّ تكون عوالم بلا نهاية، وتفسد فترجع إلى الشيء الذي عنه كان. ويقول أنّه بلا نهاية لئلا يلزم نقصان ويكون دائمًا. وهذا هو جوهر مذهب أنكسمندريس في اللامتناهي وأنّه لانهائي الحكم. ويورد أيضًا فكرة أنكسمندر في ظهور الأحياء “أنّ الحيوانات الأولى تولدت من الرطوبة، وأنّه كان يغشاها مثل قشور السمك، فلما أتت عليها السنون صارت إلى الجفاف واليابس، فلما تقشر ذلك القشر، صارت حياتها زمنًا يسيرًا.

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي