اضطراب التوحد

اضطراب التوحد

عُثر في عام 1798 على طفلٍ فرنسيّ الجنسية، كان بعُمر اثني عشر عامًا، عاش في البرية بعيدًا عن الحضارة طوال حياته، وكان يتحاشى التعامل مع البشر منذ لحظة العثور عليه، حتى إنه حاول الهرب مراتٍ عديدة، إلى أن تولى حالته طبيبٌ شاب يدعى جان إيتارد (Jean Itard)، أعطاه هذا الطبيب اسم (فيكتور) ووضع له خطةً لتعديل السلوك وتعليمه كلماتٍ تساعده في التفاعل مع المجتمع. 1

وفي عام 1910، وضع طبيبٌ سويسري اسمًا لهذه الحالة، وأسماه (Autism) أو اضطراب التوحد، بعد أن لاحظه على بعض مرضاه، ووصفه بالانسحاب والانفصال لمخيلتهم الخاصة، وشعورهم بانزعاجٍ لا يطاق تجاه أي مؤثرٍ خارجي.

ما هو تعريف اضطراب التوحد؟

التوحد هو اضطراب النمو العصبي، يُصاب به طفلٌ واحد من بين 68  طفل في الولايات المتحدة الأمريكية، وأكثر من 1% من سكان العالم، وهي حالة عصبية نفسية يتصف مصابوها بضعف التفاعل الاجتماعي وصعوبة التواصل مع الآخرين. 2

ظهر في عام 2013 مصطلحٌ  جديد وهو «اضطراب طيف التوحد» ليضم مجموعةً من اضطرابات النمو العصبي، التي تختلف حدة أعراضها من مريض لآخر، بدايةً من ضعف التواصل والتفاعل الاجتماعي إلى سلوكيات تكرارية وتفاعل غير طبيعي مع المؤثرات الخارجية، وقد قُسِّمَ اضطرابٌ طيف التوحد حسب شدة الحالة إلى:

اضطراب التوحد، ومتلازمة ريت، ومتلازمة أسبرغير، واضطرابات النمو. 3

كيف يمكننا تمييز الشخص المصاب باضطراب التوحد؟

ليس هنالك طريقةٌ أفضل لفهم ما يمر به مصابو التوحد كوصف للأعراض من وجهة نظرهم، حيث يصفون حالتهم كالآتي:

يواجه مصابو التوحد صعوباتٍ وتحدياتٍ في فهم العالم المحيط بهم، وأيضًا في فهم أفكارهم ومشاعرهم واحتياجاتهم، قد يكون العالم المحيط بهم مخيفٌ ومُوتِّر بالنسبة إليهم، فهم يجدون بعض الأصوات والإضاءات وحتى الروائح ومذاقات الأطعمة تجربةً مخيفة، بل وأحيانًا مؤلمة، لذا إذا ماحدث تغيرٌ مفاجئ في عالمهم الخاص، قد تجدهم مذعورين وخائفين بشكلٍ لا يفهمه أبدًا غير المصابين.

كما أن مصابي التوحد لهم طرق مختلفة في التواصل، فهم لا يتحملون التواصل بالأعين مع الآخرين، حتى أن بعض أطفال التوحد لا يستخدمون لغة الحديث، بل لهم طرق غير لفظية في التواصل، فهم يفضلون استخدام الصور والرسومات أكثر من الكلام. 4

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة باضطراب التوحد؟

على مدار عقود ماضية في المجال الطبي، حاول العلماء معرفة أسباب اضطراب التوحد، يعتقد بعضٌ أن هناك عوامل بيئية وصحية، كتعرُّض الأم لأمراض أو عدوى أو نوع من أنواع المواد الكيميائية أثناء فترة الحمل، ولكن ما تم تأكيده هو تدخل العوامل الوراثية والتحورات الجينية في حدوث هذا الاضطراب.

تُعدُّ عملية تحديد الجينات المسؤولة عن هذا الاضطراب من أكبر التحديات التي تواجه العلماء والباحثون في هذا المجال، التي تُقدَّر بنحو (100) جين مختلف تحت الدراسة، لم يُكشف إلَّا عن 3 أو 4 جينات منهم.

في دراسةٍ نُشِرَت عام 2016 تمت في كلية الطب بجامعة إسطنبول على دماغ مجموعة من المصابين باضطراب التوحد، وجدوا أن دماغهم يفتقد لنوعٍ مُعين من الأحماض الأمينية يُدعى (BCAAs). الجين (SLC7A5) هو المسؤول عن نقل هذا الحمض الأميني للدماغ، ثم قاموا بعمل تجربة على نماذجَ لفئرانٍ نُزِعَ هذا الجين منها، وهو ما أدَّى إلى تراجعٍ واضحٍ في تفاعلهم مع المحيط، واضطرابات سلوكية أخرى.

بالتأكيد ليست كل الجينات المسؤولة عن التوحد تؤدي إلى خللٍ في مستويات الأحماض الأمينية في الجسم، ولكن من الممكن أن يكتشف العلماء الكثير من الجينات الأخرى المسببة للتوحد تندرج تحت هذه المجموعة من الجينات، وهو ما يعطي أملًا في المستقبل لعلاج مثل هذه الحالات من مصابي التوحد. 5

هل يمكن علاج اضطراب التوحد أو التحكم في حدة أعراضه؟

أثبت العلماء في مركز ساوث ويسترن الطبي (UT Southwestern medical center) إمكانية معالجة مشكلة التفاعل المجتمعي لدى المصابين بالتوحد.

وجدت الدراسة أن هناك منطقة في الدماغ تُدعى المخيخ قربية من جذع المخ، كان يُعتقد في السابق أن هذه المنطقة مسؤولة فقط عن تنظيم الحركة في الجسم، ولكنهم وجدوا أن لها تأثير مهم جدًّا على السلوكيات المرتبطة بالتوحد، ومن المحتمل أن تكون هدفًا علاجيًّا لأعراض التوحد في المستقبل.

فبعد التجربة على عينةٍ من الفئران والبشر، اكتشف العلماء أن أي خلل يحدث في منطقة المخيخ يؤدي إلى ظهور سلوكيات تشبه المصاحبة للتوحد، ولكن بعد تعديل العمليات العصبية في هذه المنطقة عن طريق محفز كهربائي خارجي للدماغ، أدى ذلك إلى تصحيح هذه السلوكيات عند الفئران، يقول العلماء أن الخطوة القادمة هو التأكد من سلامة هذه الطريقة على الأطفال، ليتم اعتمادها في المستقبل لعلاج أحد أهم أعراض التوحد. 6

كما اكتشف د.روبرت نافيو (Dr.Robert Naviaux) وفريقه من كلية الطب جامعة كاليفورنيا سان دييغو (University of California San Diego) تأثيرًا جديدًا لدواء السورامين (Suramine)، كان يُستخدم منذ عام 1916 لعلاج مرض النوم.

مادة السورامين تحسن من سرعة تفاعل الجسم مع المؤثرات الخارجية، وهو ما يفتقده مصابو التوحد، فبعد أخذ عينة من 10 أطفال مصابين بالتوحد، وحقن 5 منهم بمادة السورامين، و5 آخرين بدواءٍ كاذب، كانت النتيجة أن الأطفال الذين حُقِنوا بالسوارمين أظهروا تحسنًا ملحوظًا في أعراض التوحد، أما الـ5 الآخرين لم يحدث لهم أي تأثير. 7

د. روبرت وفريقه يقومون الآن بجمع المعلومات والقيام بالدراسات اللازمة لتقرر منظمة الدواء العالمية (FDA) اعتماد هذه المادة كعلاجٍ لأعراض التوحد.

للتكنولوجيا أيضًا دور مهم في علاج أعراض اضطراب التوحد

في عام 2017 أكدت دراسة في جامعة بريستول (Bristol university) أن أطفال التوحد يواجهون مشكلةً في فهم وتفسير تعبيرات الوجه، ليقوم الروبوت مايلو (Maylo) بمساعدتهم في هذه العملية؛ الروبوت مايلو في بدلته الرمادية وطوله البالغ قدمين، الذي يُعلِّم الأطفال من سن 5-17 عامًا تعبيرات الوجه المختلفة للمشاعر.

يقوم مايلو بعرض تعبيرٍ بصري للطفل المصاب بالتوحد ثم يسأله بنبرة صوت لا تتغير أن يختار التعبير المناسب لهذه الحركة من بين عدة اختيارات معروضة أمامه، حيث يشعر الطفال بالأمان وعدم التهديد من قبل الروبوت مايلو، فهو لا يشعرهم بمشاعر سلبية ولا يحكم على سلوكياتهم ولا يغضب منهم، مما يجعلهم قادرين على التفاعل معه.

تُستخدم تقنية الروبوت مايلو الآن في المنشآت التعليمية لـ(27) ولاية أمريكية، كما تُستخدم أيضًا في كندا وأستراليا والمملكة المتحدة. 8

اضطراب التوحد لا يُضعف من قدرات صاحبه

أن يكون الشخص مصابًا بالتوحد لا يعني هذا أن قدراته العقلية أضعف من غيره، فكل حالة توحد هي حالة فريدة من نوعها، لكل منّا طريقته الخاصة في التعلم، طفل التوحد أيضًا له طريقته الخاصة، التي عادةً ما تكون بالطرق البصرية، لكننا نأمل أن يحمل لنا المستقبل في مجال الطب والهندسة الوراثية والتكنولوجيا علاجًا نهائيًّا وفعالًا لاضطراب التوحد.

طفل التوحد هو طفلٌ ذكي يهتم بالتفاصيل أكثر من غيره، إذا أردت مساعدته، فقط امنحه الحب والاهتمام والوقت، وحاول أن تساعده في التوصل لطريقة تناسبه في التعلم والتفاعل مع الآخرين.

 

المصادر:

  1. https://d-nb.info/gnd/119377160
  2. https://bit.ly/2uHBMUq
  3. https://bit.ly/2uHfQJ5
  4. https://bit.ly/37FqBKd
  5. https://bit.ly/36GBcDF
  6. https://bit.ly/2S0A7kK
  7. https://bit.ly/2S0kcml
  8. https://bit.ly/36FE57q

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي