الحس المرافق (Synesthesia)

maxresdefault

|||

ما هو الحس المرافق؟

تخيل أنك حين ترى السحاب، تشعر كأنك تتذوق طعم التوت. أو حين تسمع الكمان، تشعر بدغدغة في ركبتك اليسرى. من الممكن أن تكون مقتنع تمام الاقتناع، أن يوم الأربعاء أحمر اللون. إذا مررت بتجارب كهذه، فاحتمالٌ أن يكون لديك حِسٌّ مرافق (Synesthesia)!

الحس المرافق هي حالة يحدث فيها أن يتم إدراك حاسة معينة (كالسمع مثلًا) بحاسة إضافية أو أكثر (كالبصر). هناك نوعٌ آخر من الحس المرافق يربط الأشياء كالحروف والأشكال والأرقام وأسماء الناس بحاسة معينة كاللمس أو اللون أو الطعم.

تأتي كلمة الحس المرافق Synesthesia من كلمتين يونانيتين: (معًا-syn) و(إدراك-asthesis)، فتعني حرفيًا (الإدراك/ الحس المرتبط).

يمكن للحس المرافق أن يتضمن أي حاسة، ولكن أكثر الحالات الشائعة هي ألوان الحروف والأرقام، وتحدث حين يرى شخصًا ما رقم أو حرف من الأبجدية بلون معين دائمًا. على سبيل المثال، الشخص ذو الحس المرافق (synesthete) يمكنه أن يرى حرف (ق) باللون الأخضر، أو رقم 14  باللون البني. هناك أيضًا شخصًا يسمع أصواتًا استجابة لرائحة معينة، أو يشم استجابة للمس، أو يراوده إحساسًا ما استجابة للبصر، أي مزيج من هذه الحواس محتمل.
بعض الناس يملكون حس مرافق يتضمن 3 حواس أو أكثر حتى، ولكن هذا نادر الحدوث جدًا.

الحس المرافق محدد لكل شخص ويختلف من شخصٍ لآخر، فالأشخاص المختلفين من ذوي الحس المرافق دائمًا ما تختلف آرائهم بشأن إحساسهم، بمعنى آخر، إذا ظن أحد الأشخاص أن حرف ال (ق) أزرق اللون، من الممكن أن يراه آخر (ق) برتقالي.

التشخيص

برغم إنه لا توجد طريقة مُثبتة لتشخيص الحس المرافق، إلّا أن هناك بعض القواعد التي طورها دكتور (ريتشارد سيتويك-Richard Cytowic)، وهو رائد في أبحاث الحس المرافق، لا يوافق الجميع على هذه المعايير ولكنها بمثابة نقاط بداية للتشخيص.

طبقًا لسيتويك، إدراك الحس المرافق يكون:

  • لاإرادي: لا يفكر ذوو الحس المرافق بإحساسهم عن قصد، ولكنهم يشعرون به لا إراديًا.
  • خارجي: بدلًا من أن يرى الشخص «بعين عقله»، كما يحدث حين يسألك شخص أن تتخيل لونًا ما، فإن ذو الحس المرافق من الممكن أن يرى اللون خارج حدود جسده.
  • قوي وغير محدد: الإحساس يجب أن يكون مماثلًا في كل مرة، فعلى سبيل المثال إذا تذوقت طعم الشوكولاتة حين تستمع لبيتهوفن، فإنك تحس بطعمها في كل مرة تستمع إليه.
  • كما يجب على الإحساس أن يكون غير محدد، وهذا يعني أنه من الممكن أن ترى ألوانًا وأشكالًا وخطوطًا استجابةً لرائحة معينة، ولكنك لن ترى مثلًا غرفة مليئة بالأشخاص والأثاث وصورًا على الحائط.
  • بارزًا لا ينسى: غالبًا ما يتذكر ذو الحس المرافق الإدراك الحسي الثنائي بشكلٍ أقوى من الإدراك الحسي الأولي، بمعنى أنه إذا ارتبط اسم لورا مثلًا عند الشخص باللون البنفسجي، فالأرجح أن يتذكر الشخص أن لون اسم المرأة بنفسجي، أكثر من أن يتذكر اسمها لورا.

من يملك الحس المرافق؟

تتراوح الأرقام لمن يملك الحس المرافق من الناس من (1:200) شخص، إلى (1:100000) شخص. ومن المحتمل أن يملك الكثير من الناس هذه الخاصية دون أن يدركوا ماهيتها.
يغلب على ذوي الحس المرافق أن يكونوا:

  • نساء: توضح دراسات الولايات المتحدة أن عدد النساء من ذوي الحس المرافق 3 أضعاف الرجال، بينما يصل العدد إلى 8 أضعاف في المملكة المتحدة؛ سبب هذا الاختلاف غير معروف.
  • مستخدمو اليد اليسرى: احتمال أن يكون ذوو الحس المرافق من مستخدمي اليد اليسرى أكبر من باقي المجتمع.
  • سليمو الوظائف العصبية: مستوى ذكاء ذوو الحس المرافق يكون في المعدل الطبيعي (أحيانًا أعلى قليلًا)، كما أن اختبارات وظائفهم العصبية طبيعية بالكامل.
  • نفس العائلة: يبدو الحس المرافق وكأنه متوارث بطريقةٍ ما، كصفة سائدة أو صفة متصلة بالكروموسوم (X).

بعض المشاهير الذين احتُمل امتلاكهم لحس مرافق:

  • فاسيلي كاندسكي (Vasily Kandinsky)، رسّامة (1866-1944)م.
  • آمي بيتش (Amy Beach)، عازفة بيانو ومؤلفة موسيقى (1867-1944)م.
  • أوليفيير ميسيان (Olivier Messiaen)، مؤلف موسيقى (1908-1992)م.
  • تشارلز بولدير (Charles Baudelaire)، شاعر (1821-1867)م.
  • فرانز ليست (Franz Liszt)، مؤلف موسيقى (1811-1886)م.
  • آرثر ريمبود (Arthur Rimbaud)، شاعر (1854-1891)م.
  • ريتشارد فيليبس فاينمان (Richard Phillips Feynman)، فيزيائي (1918-1988)م.
  • ماري ج.بلايج (Mary J. Blige)، مغنية وكاتبة أغاني 1971م.

من المحتمل أن هؤلاء المشاهير عبَّروا فقط عن أفكارٍ حسيَّة مرافقة في فنهم، ولكن بعضهم امتلك حس مرافق دون أدنى شك.

الأسس البيولوجية للحس المرافق

يعتقد بعض العلماء أن الحس المرافق ناتج عن (تداخل عصبي) في المخ. حيث يفترضوا أنه في ذوي الحس المرافق، تعبر الخلايا العصبية الخاصة بنظام عصبي معين، إلى نظام عصبي آخر.
لا يوجد ما يوضح سبب هذه التداخلات، ولكن يعتقد الباحثون أن هذه التداخلات موجودة في جميع البشر منذ الولادة، ولا تعدّل إلا لاحقّا. وفي بعض الدراسات، أظهر حديثي الولادة استجابةً للمنبهات الحسية بشكل يظنه الباحثون من الإدراكات الحسية المرافقة. وافترض هؤلاء الباحثون أن العديد من الأطفال يولدون بهذه التداخلات ويفقدونها فيما بعد، وأن البالغين من ذوي الحس المرافق فقط يستعيدونها بكل بساطة.

لا يوجد ما يوضح أي أجزاء المخ مُتضمنة في الحس المرافق، وقد أدّى بحث دكتور (سيتويك) إلى اعتقاده بأن الجهاز العصبي الحوفي (Limbic system) هو الجزء الأساسي المسؤول عن الحس المرافق، والجهاز الحوفي هو جهاز يحتوي على أجزاء مختلفة من المخ مسؤولة عن تنظيم ردود أفعالنا العاطفية.
ولكن بالرغم من ذلك وضّح بحث آخر وجود نشاط كبير في القشرة المخية أثناء حدوث تجارب الحس المرافق، وقد ظهر في الحقيقة أثرًا مثيرًا للاهتمام في القشرة المخية البصرية ل (سامعي الألوان) من ذوي الحس المرافق أثناء سماعهم كلمات معينة، خاصة في الأجزاء المسؤولة عن معالجة الألوان، بينما لا يظهر هذا النشاط في الأشخاص العاديين، حتّى حين يُطلب منهم تخيل الألوان، أو ربط ألوان معينة بكلمات معينة.

الحس المرافق ودراسة الوعي

يهتم الكثير من العلماء بالحس المرافق، حيث أنه قد يكشف الكثير عن الوعي. فمن أكثر الأشياء غموضًا فيما يتعلق بدراسة الوعي هو ما يعرف باسم «مشكلة الاتصال-Binding problem». فلا أحد يعرف كيف يمكننا أن نصل كل ما نستقبله من معلومات معًا لنكون صورة كاملة. على سبيل المثال حين تحمل وردة، فإنك ترى ألوانها وشكلها، وتشم رائحتها، وتشعر بملمسها، فيتمكن عقلك بطريقة ما من جمع هذه المدخلات معًا في اسم وردة. ذوو الحس المرافق من الممكن أن يكون لديهم مدخلات أخرى تزيد من مفهوم الوردة بالنسبة إليهم، ودراسة هذه المدخلات قد تؤدي إلى مساعدتنا في طريقة رؤيتنا للعالم يومًا ما.

إعداد: ضحى إبراهيم
مراجعة علمية: ماريا عبد المسيح
تدقيق: أمنية أحمد عبد العليم

المصدر

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي