جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا 2020.. هل نحن في طريقنا للقضاء على فيروس سي؟

جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا 2020

مقدمة عن فيروس التهاب الكبد الوبائي سي

يُعرف التهاب الكبد الوبائي سي (Hepatitis C) بأنه مرضٌ يصيبُ الكبدَ نتيجةً للإصابة بفيروس التهاب الكبد سي (Hepatitis C Virus). ويُمكن أن يتراوح التهاب الكبد الوبائي سي من مرضٍ خفيف يستمر بضعة أسابيع  إلى مرضٍ مُزمن وعدوى طويلة الأمد تتسبب في مُضاعفاتٍ خطيرة مثل: تليف الكبد، وسرطان الكبد، وحتى الوفاة.

يُعد التهاب الكبد الفيروسي سي السبب الأكثر شيوعًا لزراعة الكبد في الولايات المُتحدة. وعلى الصعيدِ العالمي، تُشير إحصائيات مُنظمة الصحة العالمية إلى أن 71 مليون شخصٍ مُصابون بعدوى مُزمنة بفيروس الكبد الوبائي سي، إضافةً إلى وفياتٍ تُقارب الـ399000 عام 2016.

يُمكن للأدوية المضادة للفيروسات (Anti Viral Drugs) أن تعالِج أكثر من 95% من الأشخاص المُصابين بالتهاب الكبد الوبائي سي، وبالتالي تُقلل من خطر الوفاة بسبب تليف وسرطان الكبد، ولكنَّ قابلية الوصول للتشخيص والعلاج المُناسب قبل حدوث مضاعفات المرض مُنخفضة.

حتى الآن، لا يوجد لقاحٌ فعَّال ضد فيروس الكبد الوبائي سي، لكن في الآونة الأخيرة، سُلِّطَ الضوءُ على الدراسات في هذا المجال للحصول على المزيد من المعلومات عن هذا الفيروس ونشأته وكيفية تشخيصه مُبكرًا قبل حدوثِ مُضاعفاتٍ قد تهدد الحياة. [1, 2]

هذا العام؛ خُلِّدَت جهودُ الباحثين القائمين على تلك الإسهامات العلمية، التي قد تساهم في القضاء على فيروس الكبد الوبائي سي والحدِّ من خطورته، نتعرف في هذا المقال إلى أهمية تلك الإسهامات.

جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا 2020

مُنحت جائزة نوبل في الطب هذا العام لثلاثة علماء قدَّموا مساهمة مهمة وجليَّة في مُكافحة التهاب الكبد الذي ينتقل عن طريق الدم، وهو مشكلةٌ صحية عالمية تُعدُّ سببًا رئيسيًا في تليف الكبد وسرطان الكبد لدى الناس في جميع أنحاء العالم.
قام هارفي ألتر، ومايكل هوتون، وتشارلز إم رايس، باكتشافاتٍ مهمةٍ أدَّت إلى التعرف إلى جينوم فيروس جديد؛ فيروس التهاب الكبد الوبائي سي (Hepatitis C Virus).
قبل اكتشافهم هذا، كان اكتشاف فيروسات التهاب الكبد A وB بمثابة خطوات حاسمة للأمام، لكن غالبية حالات التهاب الكبد المنتقلة عن طريق الدم ظلت غير مفسَّرة.
كشفت الدراسة الحائزة على نوبل اليوم أن فيروس التهاب الكبد الوبائي تسبَّبَ في باقي حالات التهاب الكبد المزمن، وجعلت من الممكن إجراء فحوصات الدم، كما أتاحت الفرصة لاكتشاف أدويةٍ جديدة يمكنها إنقاذ حياة الملايين.

التهاب الكبد.. تهديدٌ عالمي لصحة الإنسان

التهاب الكبد (Liver Hepatitis) هي كلمة يونانية الأصل، يُشير المقطع الأول إلى (Hepa) أي كبد، والمقطع الثاني إلى (itis) وتعني التهاب.
وينتج التهاب الكبد بشكلٍ أساسي من العدوى الفيروسية. وعلى الرغم من أن تعاطي الكحول والسموم البيئية وأمراض المناعة الذاتية هي أيضًا أسبابٌ مهمة للإصابة بالمرض، فإن العدوى الفيروسية هي الأكثر خطورة.
في الأربعينيات من القرن الماضي، أصبح من الواضح أن هناك نوعين رئيسيين من التهاب الكبد المعدي؛ الأول، المُسمَّى فيروس أ الوبائي (Hepatitis A Virus)، ينتقل عن طريق الماء أو الطعام الملوث، وعادةً ما يكون له تأثيرٌ ضئيل على المدى الطويل على المريض. ينتقل النوع الثاني، ويشمل فيروسي ب وج (Hepatitis C, B viruses)، عن طريق الدم وسوائل الجسم، ويمثل تهديدًا أكثر خطورة، لأنه يمكن أن يؤدِّي إلى حالاتٍ مزمنة، مع حدوث مضاعفاتٍ تشمل تليف الكبد (Liver Cirrhosis) وسرطان الكبد (Liver Cancer).
تكمن خطورة النوع الثاني في خِفية المرض، حيث يمكن للأفراد الأصحاء أن يصابوا بالعدوى الصامتة لسنواتٍ عديدة قبل ظهور مضاعفاتٍ خطيرة.
يرتبط التهاب الكبد المنتقل بالدم بعددِ مرضى ووفيات كبير، ويُسبب أكثر من مليون حالة وفاة سنويًّا في جميع أنحاء العالم، مما يجعله مصدر قلقٍ صحيٍّ عالمي وعلى نطاقٍ مماثلٍ للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (Human Immunodeficiency Virus) والسُل (Tuberculosis).
صورة (1): يوجد نوعان رئيسيان من التهاب الكبد؛ أحد أشكال هذا المرض يُسببه فيروس التهاب الكبد A الذي ينتقل
عن طريق الماء أو الطعام الملوث، الشكل الآخر ناتج عن فيروس التهاب الكبد B, C وقد يتسبب في مضاعفات مثل تليف وسرطان الكبد.

عاملٌ مُعدٍ غير معروف

يكمن مفتاح التدخل الناجح ضد الأمراض المعدية في تحديد العامل المسبب للمرض.
في الستينيات، حدَّد باروخ بلومبرج أن أحد أشكال التهاب الكبد المنتقل بالدم سببه فيروسٌ أصبح يُعرف باسم فيروس التهاب الكبد B، وأدَّى هذا الاكتشاف إلى تطوير اختباراتٍ تشخيصية ولقاحٍ فعال. حصل بلومبرج على جائزة نوبل للطب أو الفسيولوجيا عام 1976 نظيرًا لهذا الاكتشاف.
في ذلك الوقت، كان هارفي ألتر من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة يدرس الحالات المُصابة بالتهاب الكبد في المرضى الذين نُقِلَ الدم إليهم. وعلى الرغم من أن اختبارات الدم لفيروس التهاب الكبد ب المكتشف حديثًا ساهمت في التقليل من عدد حالات التهاب الكبد المرتبط بنقل الدم، فإن ألتر وزملاءه أظهروا بشكلٍ مُقلق أنه لا يزال هناك عددٌ كبير من الحالات غير المفسَّرة، ولم يستطيعوا تحديد العامل المُسبب لها. طُوِّرَت اختباراتُ عدوى فيروس التهاب الكبد أ في هذا الوقت تقريبًا، واتضح أن التهاب الكبد A لم يكن سببَ هذه الحالات غير المفسَّرة أيضًا.
كان شيئًا مثُيرًا للقلق أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يُصابون بالتهاب الكبد نتيجةً لعمليات نقل الدم بسبب عاملٍ مُعدٍ غير معروف. لاحقًا، أظهر ألتر وزملاؤه أن نقل الدم من المصابين إلى الشمبانزي تسبَّب في إصابتهم بالتهاب الكبد أيضًا، حيث إن الشمبانزي كان الحيوان الوحيد المُعرَّض للإصابة بجانب البشر.
وأظهرت الدراسات فيما بعد أن العامل المُعدي له نفس خصائص الفيروس، ونتيجةً لتلك الدراسات الممنهجة التي قام بها ألتر وزملاؤه، أصبح لدينا نوعٌ جديد يتسبب في التهاب الكبد بخلاف أ وب المُكتشفين سابقًا. سُمِّيَ ذلك العامل الغامض بغير أ، غير ب التهاب الكبد (Non-A, Non B Hepatitis) وذلك قبل أن يُطلق عليه فيروس سي المعروف في يومنا هذا.

التعرف إلى فيروس التهاب الكبد الوبائي C

 

 

صورة (2): مُلخص الاكتشافات الحائزة على جائزة نوبل لهذا العام، حيث أظهرت الدراسات الممنهجة لالتهاب الكبد المرتبط بعمليات نقل الدم التي أجراها هارفي ألتر أن فيروسًا غير معروف كان شائعًا لالتهاب الكبد المزمن، استخدم مايكل هوتون استراتيجية غير مختبرة سابقًا لعزل جينوم الفيروس الجديد المُسمى بفيروس سي، قدم تشارلز رايس الدليل النهائي الذي يُظهر أن فيروس التهاب الكبد سي يمكن أن يسبب التهاب الكبد بذاته.

أصبح الآن تحديد الفيروس الجديد أولويةً قصوى، حيث اُستخدمت جميع التقنيات التقليدية للبحث عن الفيروسات، ولكن على الرغم من ذلك، استعصى عزل جينوم الفيروس لأكثر من عقد.
قام مايكل هوتون، الذي يعمل في شركة تشيرون للأدوية، بالعمل المُضني اللازم لعزل التسلسل الجيني للفيروس. صنع هوتون وزملاؤه شُدَف (أجزاء غاية الصغر) حمضٍ نووي من الأحماض النووية الموجودة في دم الشمبانزي المصاب. جاءت غالبية هذه الشُدَف من جينوم الشمبانزي نفسه، لكن الباحثين توقعوا أن بعضها يعود إلى الفيروس المجهول.
وعلى افتراض أن الأجسام المضادة للفيروس ستكون موجودةً في الدم المأخوذ من مرضى التهاب الكبد، استخدم الباحثون أمصال المرضى لتحديد أجزاء الحمض النووي الفيروسي التي تشفر البروتينات الفيروسية.
بعد بحثٍ شامل، عُثِرَ على نسخةٍ إيجابية واحدة. أظهر المزيد من العمل أن تلك النسخة مشتقة من فيروس RNA جديد ينتمي إلى عائلة (Flavivirus)، وأُطلِقَ على ذلك الفيروس الجديد اسم فيروس التهاب الكبد الوبائي سي.
إن وجود الأجسام المضادة في مرضى التهاب الكبد المزمن أشار بقوة إلى أن هذا الفيروس هو العامل المفقود المُسبِّب للعدوى.
كان اكتشاف فيروس التهاب الكبد الوبائي سي شيئًا حاسمًا. لكن ما تزال هنالك قطعةٌ واحدة أساسية من اللغز مفقودة: هل يمكن للفيروس وحده أن يسبب التهاب الكبد؟
للإجابة عن هذا السؤال، كان على العلماء التحقق مما إذا كان الفيروس المستنسخ قادرًا على التكاثر والتسبب في المرض بذاته.
لاحظ تشارلز رايس، الباحث في جامعة واشنطن في سانت لويس، جنبًا إلى جنب مع مجموعات أخرى تعمل على فيروسات الحمض النووي RNA، منطقةً غير مُعيّنةٍ سابقًا في نهاية جينوم فيروس التهاب الكبد الوبائي سي، التي اشتبهوا في أنها قد تكون مهمة لتكاثر الفيروس. كما لاحظ رايس الاختلافات الجينية في عينات الفيروس المعزولة وافترض أن بعضها قد يعيق تكاثر الفيروس.
من خلال الهندسة الوراثية، أنتج رايس نوعًا مختلفًا من الحمض النووي الريبي لفيروس التهاب الكبد الوبائي سي شَمَلَ المنطقة المحددة حديثًا من الجينوم الفيروسي، وكان خاليًا من الاختلافات الجينية المعطلة.
عندما حُقِنَ هذا الحمض النووي الريبي في كبد الشمبانزي، اُكتشِفَ فيروسٌ في الدم ولوحظت تغيرات مرضية تشبه تلك التي شوهدت في البشر المصابين بالمرض المزمن. كان هذا هو الدليل النهائي على أن فيروس التهاب الكبد الوبائي سي وحده يمكن أن يتسبب في حالات التهاب الكبد غير المبررة بواسطة نقل الدم.

أهمية هذا الاكتشاف الحائز على جائزة نوبل في الطب

يُعد اكتشاف الحائزين على جائزة نوبل لفيروس التهاب الكبد الوبائي سي إنجازًا بارزًا في المعركة المستمرة ضد الأمراض الفيروسية. بفضل اكتشافهم، أصبحت اختبارات الدم متاحةً وأكثر دقة في الكشف عن الفيروس، مما سيمنع تمامًا الإصابة بالعدوى الفيروسية بعد عمليات نقل الدم في أجزاءٍ كثيرة من العالم، مما يؤدي بدوره إلى تحسين الصحة العالمية بشكل كبير.
يساهم اكتشافهم أيضًا في التطور السريع للأدوية المضادة للفيروسات الموجهة ضد التهاب الكبد الوبائي سي. ولتحقيق هذا الهدف، ستكون هناك حاجةٌ إلى جهودٍ دولية لتسهيل فحص الدم وإتاحة الأدوية المضادة للفيروسات في جميع أنحاء العالم.
صورة (3): ساهمت الاكتشافات التي قام بها الحائزون على نوبل هذا العام في تصميم اختبارات دم أكثر دقة، والتي قضت على خطر الإصابة بالتهاب الكبد ما بعد عمليات نقل الدم في أنحاء العالم. أتاح ذلك الاكتشاف أيضًا تطوير عقاقير مضادة للفيروسات بإمكانها علاج المرض، يظل هذا الفيروس مصدرًا للقلق العالمي، لكن بفضل تلك الاكتشافات يمكننا الآن القضاء على ذلك المرض.

عن الفائزين

هارفي ج. ألتر

هارفي ج. ألتر
هارفي ج. ألتر
ولد في عام 1935 في نيويورك، وقد حصل على شهادته في الطب من كلية الطب في جامعة روتشستر، وتدرب على الطب الباطني في مستشفى سترونغ ميموريال ومستشفيات جامعة سياتل.
وفي عام 1961، انضم إلى المعاهد الوطنية للصحة (NIH) كمساعد إكلينيكي، وأمضى عدة سنوات في جامعة جورج تاون، قبل أن يعود إلى المعاهد الوطنية للصحة في عام 1969 للانضمام إلى قسم طب نقل الدم بالمركز السريري كمحقِّقٍ أول.

مايكل هوتون

مايكل هوتون
مايكل هوتون
ولد مايكل هوتون في المملكة المتحدة. حصل على درجة الدكتوراة عام 1977 من كلية كنجز في لندن. انضم إلى شركة ج. د. سيرل، قبل أن ينتقل إلى شركة تشيرون في كاليفورنيا عام 1982.
وانتقل إلى جامعة ألبرتا في عام 2010، وهو حاليًا يشغل كرسي أبحاث التميز الكندي في علم الفيروسات، وأستاذ لعلم الفيروسات في جامعة ألبرتا، وهو أيضًا مدير معهد لي كا شينج لعلم الفيروسات التطبيقي.

تشارلز م. رايس

تشارلز م. رايس
تشارلز م. رايس
وُلِدَ تشارلز م. رايس عام 1952 في ساكرامنتو. وحصل على درجة الدكتوراة عام 1981 من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث تدرب أيضًا كزميل ما بعد الدكتوراة بين 1981-1985.
أسس مجموعته البحثية في كلية الطب بجامعة واشنطن، سانت لويس في عام 1986. وأصبح أستاذًا متفرغًا في عام 1995.
منذ عام 2001 كان أستاذًا في جامعة روكفلر بنيويورك. وشغل منصب المدير العلمي والتنفيذي لمركز دراسة التهاب الكبد الوبائي سي في جامعة روكفلر خلال الفترة 2001-2018 وهو الآن ما زال يعمل بهذا المركز.

 

إعداد وترجمة: أسماء سليمانمحمد النيل 

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي