ما هو داء التعرُّق؟ وكيف عزل هنري الثامن نفسه؟

ما هو داء التَّعَرُّق؟ وكيف عزل هنري الثامن نفسه؟

قتل وباءٌ يُعرف بمرض التَّعَرُّق خلال فترة حكم ثيودور عشرات الآلاف من الناس في بريطانيا. يكشف المُؤرِّخ تراسي بورمان (Tracy Borman) عن الآثار المُروِّعة للمرض، وكيف دخل هنري الثامن في نوبة هلعٍ عنيفة.

صرَّح السّفير الفرنسيّ كاردينال دو بيلاي (Cardinal du bellay) من لندن في يونيو 1528م، قائلًا:

“هذا الوباء.. هو الأسهل في العالم للوفاة تأثرًا به”، “تشعر بألمٍ خفيفٍ في الرَّأس وفي القلب، وفجأةً تبدأُ بالتَّعَرُّق. لا يوجد حاجةٌ إلى الطبيب؛ فأنت تموت دون مُعاناة.”

الوباء المُرعب الذي أشار إليه هو مرضُ التَّعَرُّق، يُعرف أيضًا” بالتَّعَرُّقِ الإنجليزي؛ لأنه بدأ هناك قبل أن ينتشر في جميع أنحاء أوروبا. ظهر الوباء في سلسلةٍ من حالات التّفشِّي. فكانت أوَّل حالةِ تفشٍّ في عام 1485م -السّنة التي حكم فيها آل ثيودور- وفي عام 1551م، انخفضت المعدَّلات فجأة. لقد سبَّبَ هذا الوباء بلبلةً وسط العامّة، مُتسبِّبًا في مَقْتَلِ عشرات الآلاف في كلِّ ظهورٍ له. لكنَّ داءَ التَّعَرُّق لمْ يكُن دائمًا فتَّاكًا.

ما هي أعراض داء التعرق؟

كانت الأعراض سريعةً ودرامِّية بشكلٍ صادم؛ حيثُ تحدث الوفاة خلال ساعات، تكون الأعراض الأوليَّة عبارة عن رعشات بَرد وآلامٍ حادَّةٍ في الرَّأس والرَّقبة، يليها عرقٌ وحرارة، وفي النِّهاية شعورٌ لا يُقاوم بالحاجة إلى النَّوم. لا أحد كان يعلم كيف يمنعه أو يعالجه، أدَّى ذلك إلى انتشارِ الذُّعر مع كلِّ هجومٍ للمرض. سبَبُ هذا الوباءِ مجهولٌ حتَّى يومنا هذا.

في صيف عام 1528م، تصاعد معدَّل الوفيّات بسرعة. صرَّح دو بيلاي قائلًا:

“نحو ألفيّ شخصٍ فقط، أُصيبوا بالمرض في لندن”، “عندما حدث نفس الشّيء منذُ اثني عشر عامًا، مات عشرةُ آلافِ شخصٍ في غضون عشرةِ أو اثني عشرَ يومًا، قيل: لكنَّه لمْ يَكُنْ بتلك الحدّة كما بدأ أنْ يُصبحَ الآن.. جميعُ النَّاس مذعورون بشدَّة.”

من مات بمرض التعرق؟

لم يكن المرض منتشرًا فقط بين الطّبقات الأدنى، فقد أُصيبَ العديد من الأفراد المعروفين في بلاط الملك ثيودور  بالمرض؛ ومن ضمنهم والد آن بولين (Anne Boleyn) -ملكة إنجلترا، والزَّوجة الثّانية للملك هنري الثامن، وأخويها جورج وتوماس، ومثلهم الكاردينال وولسي (Wolsey)؛ وقد كان كاردينال ذا مكانةٍ عاليةٍ في الدَّولة.

قَتَلَ مرض التَّعَرُّق عددًا كبيرًا من النُّبلاء والحاشِية، منهم اثنين من أبناء الدُّوق سوفولك، هنري وتشارلز، والزَّوج الأوَّل لماري بولين (Mary Bolyen)، ويليام كاريي (William Carey)، (عالم نبات، ومترجم، ومبشِّر).

هنري الثامن.. كيف عزل الملك نفسه؟

رجلٌ واحدٌ كان خائفًا أكثرَ من الجميع. بالرَّغم من أنّه لطالما عُرف بأنَّه شخصٌ واثقٌ بنفسه جدًّا. كان هنري الثامن واحِدًا من أكثرِ الملوك المرضى بالوسواسِ، الذين جلسوا على عرش إنجلترا؛ فقد أمر أطبَّاء القصر الملكيِّ أنْ يفحصوه بشكلٍ يوميِّ، وخصَّصَ خزانةً طبيّةً مُمتلئةً بجرعاتٍ لعلاج أيّ عِلّة. أيُّ إشارةٍ لوجود مرضٍ في البلاط الملكيّ قادرةٌ أن تضعه في حالة ذُعرٍ عنيفة.

ما هو داء التَّعَرُّق؟ وكيف عزل هنري الثامن نفسه؟
الملك هنري الثالث

من المُثير للدّهشة أنَّه عند سماع الملك بأحدث ظهورٍ للوباء في صيف 1528م، أمر بأنْ ينفضَّ المجلس الملكيّ فورًا، وغادر مسرعًا يتنقل بين منزلٍ آمنٍ إلى آخر في أجزاءٍ مُختلفة من البلد. في هذه الأثناء، كانت عشيقته آن بولين في حجرٍ صحيّ بقلعةِ هيفر؛ وهو منزلُ عائلتها في ريف كينت (Kent). وحذا حذوه الكثير من حاشية هنري الذين فعلوا نفس الشيء. لكن، لم تكن الطَّبقات الأفقر تتمتَّع بتلك الرّفاهية، وأُجبروا على البقاء في مدينة لندن التي يجتاحها الزحام والمرض.

ارتاع الملك بينما كان مُحصّنًا، فيما نسميه اليوم”عزلًا ذاتيًّا”، عندما عَلِم أن محبوبته آن أُصيبتْ بالمرض. وبالرّغم من مبالغته في إظهار الحبِّ الذي لا يموت، ظلّ هنري بعيدًا، وأرسل ثاني أفضل طبيبٍ لديه، ويليام باتس (William Butts) برسالةِ حبّ.

نجتْ آن بولين، لكنَّ مُعدّل الوفيّات كان مُرتفعًا لدرجة أنَّه وصل لنسبة 50% في بعض المناطِق. الآن فقط، وسط وباءٍ عالميّ، هل نستطيع أنْ نتفهّم مدى الرُّعب الذي أحدثه داءُ التَّعَرُّق؟

 

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي