دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ

Atomic-bomb-explosion-digital-illustration

6 أغسطس/آب 1945 

الساعة 8:24 صباحًا «توقيت المحيط الهادئ»

حلقت طائرة الاستطلاع الجوي (سترايت فلش- Straight Flush) بطاقمها المكون من 12 فردًا فوق «هيروشيما». تعليمات الكولونيل «توماس هاندي» واضحة:

«إن إلقاء القنبلة على هدف يتوقف على ظروف الأحوال الجوية، وينبغي إسقاطها على واحد من الأهداف التالية؛ كوكورا، أو نيجاتا، أو هيروشيما».

   تخصَّصَت ثلاث طائرات استطلاع لهذه المهمة، كل واحدة منها ستتجه إلى مدينة، بينما تنتظر متأخرة عن الطائرات الثلاث بحوالي ثلاثين دقيقة، طائرة قاذفة عملاقة تحمل اسم (إينولا جاي– Enola Gay) وحمولتها قنبلة واحدة ستغير مصير العالم. جاءت الرسائل تِباعًا؛ كوكورا تحجبها الغيوم، نيجاتا لا تكاد تُرى من السماء، العملية التي يراد منها إنهاء الحرب العالمية الثانية في خطر، وكل ثانية تأخير قد تعني فقدان المزيد من الأرواح في جبهات القتال المختلفة أو حتى تُعَرِّض الطائرة لهجوم اليابانيين. جالسًا على متن الإينولا جاي، يترقب الكابتن (بول تيبيتس- Paul Tibbets) الأوامر قبل أن تقاطع أفكاره رسالة مشفرة من طائرة الاستطلاع الأخيرة: «الغيوم تغطي أقل من ثلاثة أعشار السماء فوق الهدف، يُنصح بإطلاق القنبلة»، أخذ تيبيت جهاز الاتصال الداخلي للطائرة وأعلن في اقتضاب لطاقمه: «إنها هيروشيما»، ثم أرسل رسالة تأكيد أخيرة إلى القيادة قبل أن يستدير بالطائرة نحو المدينة(1).

عن ماذا نتحدث؟

 في كتابه «دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ» حاول (إريك دورتشميد– Erik Durschmied) أن يُسلِّط الضوء على العوامل غير المتوقعة، التي رغم ضآلتها أو عدم إدراك أهميتها في وقتها، تؤثر بشكلٍ مباشر في كثيرٍ من الوقائع بشكلٍ غيَّر مسار التاريخ في اتجاهٍ جديدٍ وغير مُتوقعٍ على الإطلاق. خُلاصة ما يُريد دورتشميد الوصول إليه في كتابه، هو أن الكثير من الأحداث المحورية التي غيرت مجرى التاريخ سواءً كانت معركة معينة، أو غزوًا لأحد البلدان، أو حتى قرارًا سياسيًّا لأحد القادة، قد حُسمت بعاملٍ لا يمكن التنبؤ به أو قياسه، وهو ما يُطلق عليه العسكريون «العامل الحاسم».

 في عدة مقالات سابقة تحدثنا عن كيف أدَّت أمور تبدو صغيرة مثل اختلاف لغوي بين قائد وجندي إلى هزيمة غيرت وجه أوروبا، أو كيف قامت خلية نحل بهزيمة جيش بريطاني كان يسعى لإنهاء الحرب العالمية الأولى مبكرًا، أو كيف أدَّى سوء التواصل بين رجلين إلى سقوط جدار برلين وإنهاء الحرب الباردة. وفي ختام هذه السلسلة من المقالات اخترنا أن نُركز على حدث إلقاء القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما وتبعاته. هذا الحدث، ورغم إدراك معاصريه جيدًا مدى أهميته بالنسبة لإنهاء الحرب، إلا أن قليلين هم من توقعوا كيف ستُغيِّر تلك القنبلة العالم بشكل غير مسبوق وكيف ستؤدي إلى قيام نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة، إلى الحد الذي وضع به بعض المؤرخين ذلك الحدث كعلامة فاصلة في تاريخ الجنس البشري عمومًا بجوار أحداث فاصلة مثل اكتشاف النار واختراع الكتابة.

 كيف تغير التاريخ بعد قنبلة هيروشيما؟ وكيف أصبح العالم أكثر خطرًا وأكثر أمانًا في نفس الوقت؟ كيف قاد الخوف منها إلى أعظم إنجازات البشر؟ وكيف كاد استهتارهم بها أن يؤدي إلى إنهاء وجودهم؟ وكيف يبدو المستقبل في عالم قد يكون «العامل الحاسم» فيه هو العامل الحاسم الأخير في تاريخ البشرية؟ وكيف حدث كل ذلك بسبب قنبلة؟!

القنبلة الذرية الأولى في التاريخ (الولد الصغير) تنفجر فوق مدينة هيروشيما اليابانية. المصدر: Time Magazine
القنبلة الذرية الأولى في التاريخ (الولد الصغير) تنفجر فوق مدينة هيروشيما اليابانية.

تاريخ القنبلة

   في العام 1939 اكتشف العالمان الألمانيان (أوتو فريتش- Otto Frisch) و(ليزا مايتنر- Lise Meitner) ما يُعرف باسم الانشطار الذري، ونشرا أبحاثهما التي أثبتت أنه يمكن نظريًّا استخراج كميات هائلة من الطاقة من ذرات بعض المواد. ولكن على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي تلقَّى عالم الفيزياء النووية (ليو زيلارد- Leo Szilard) الخبر في قلق، كان زيلارد فيزيائيًّا مَجَرِيًّا وأحد العلماء اليهود العديدين الذين فرُّوا من أوروبا إلى الولايات المتحدة خوفًا من صعود هتلر وحركته النازية. أدرك زيلارد أنه عن طريق هذا الاكتشاف يمكنه خلق قنبلة تفوق طاقتها التدميرية أي سلاح سبق للبشر صنعه من قبل، ولو امتلكت ألمانيا القدرة على صنع هذا السلاح فإن هذا قد يعني نهاية الحرب لصالح النازيين على الفور.

 ولكن في هذا الوقت كانت الحكومة الألمانية قد قررت بالفعل أن مشروعًا كهذا سيكون غير عملي وغير مضمون النتائج وخصوصًا أن ألمانيا لا تحتمل أي إهدار في مواردها المرهقة بالفعل بسبب الحرب. زيلارد، الذي لم يكن يعلم ذلك، ومدفوعًا بخوفه من فكرة انتصار النازيين، بدأ في حملة لتنبيه الحكومة الأمريكية إلى خطورة امتلاك ألمانيا لمثل هذا السلاح المدمر، وإن على الولايات المتحدة أن تسبقها في صنعه وإلا فإنها تخاطر بخسارة الحرب. بعد عدة محاولات فاشلة، أدرك زيلارد أنه في حاجة إلى صوت آخر ذي مصداقية وصلات لدى دوائر الحكم في واشنطن كي تحظى فكرته بأي نوع من أنواع التأييد؛ هذا الصوت كان «ألبرت أينشتاين» الذي كان، مثله مثل زيلارد، عالمًا يهوديًّا فرَّ من ألمانيا بعد صعود هتلر إلی الحكم.

 وفي ليلة 12 يوليو 1939 التقى زيلارد بأينشتاين في منزل الأخير في نيويورك وعرض عليه مخاوفه من القنبلة، أدرك أينشتاين صحة مخاوف زيلارد وقرَّر العالمان أن يرسلا رسالة إلى الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت- Franklin Roosevelt) على أن يوقع عليها أينشتاين بنفسه لكي يعطيها قدر من الأهمية. حذَّرت الرسالة، التي كتبها زيلارد من أن الاكتشاف سيسمح بصنع نوع جديد من القنابل شديدة التدمير، وأن امتلاك مثل هذا السلاح سيسمح للدولة التي تقتنيه بقلب موازين القوة في أي صراع تدخله، وأن ألمانيا قد تكون بدأت بالفعل العمل على صنع مثل هذه القنابل. فور تلقيه الرسالة أدرك روزفلت خطورة المسألة، وأمر بتشكيل لجنة لفحص إمكانية بناء قنبلة نووية، وانتهى عمل اللجنة إلى تأكيد تحذيرات زيلارد وأينشتاين، ليصدر روزفلت أمرًا في بداية يناير 1942 بإنشاء فرع خاص في الجيش مهمته الوحيدة هي بناء قنبلة نووية (2)، وهو المشروع الذي سَيُعرف لاحقًا باسمه السري (مشروع مانهاتن- Manhattan Project).

زيلر وأينشتاين أثناء كتابة الرسالة إلى الرئيس روزفلت. المصدر: https://www.atomicheritage.org/
زيلر وأينشتاين أثناء كتابة الرسالة إلى الرئيس روزفلت.

   على مدار ثلاث سنوات، عمل آلاف العلماء الأمريكيين والبريطانيين من مختلف التخصصات على صنع القنبلة. وفي السادس عشر من يوليو 1945 أُجريت أول تجربة ناجحة لتفجير قنبلة ذرية في صحراء ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، لقد أصبحت القنبلة التي حذر منها زيلارد حقيقة. كان الهدف الأول للقنبلة هو العاصمة الألمانية برلين، ولكن الحرب في أوروبا انتهت قبل الانتهاء منها باستسلام ألمانيا في 8 مايو 1945، لتصبح اليابان بهذا الهدف الوحيد للقنبلة، ويتقرر مصير مدينتي هيروشيما وناجازاكي.

 في إبريل 1945، كُلِّفت القوات الجوية الأمريكية بترشيح أهداف لاستخدام القنبلة في اليابان، ورَشَّحَت عدة مدن منها العاصمة اليابانية طوكيو ذاتها ولكن رُفِضَت هذه الفكرة خوفًا من تسبب تدمير العاصمة ومقتل الإمبراطور وعائلته، الذي يعتبرهم الشعب الياباني في مقام الآلهة، إلى نتيجة عكسية وبدلًا من تدمير معنويات اليابانيين فيدفعهم الفعل إلی القتال بشكل أكثر شراسة للانتقام. في النهاية كان القرار على ثلاث أهداف رئيسية للقنبلة الأولى وهي «أكوكورا، ونيجاتا، وهيروشيما»، تشترك جميعها في كونها مدن ذات قاعدة صناعية وكثافة سكانية عالية وتحتوي على قواعد كبيرة للجيش الياباني.
في السادس والعشرين من يوليو أصدر الرئيس الأمريكي الجديد (هاري ترومان- Harry Truman) إعلان بوتسدام الذي يطالب اليابان بالاستسلام الفوري دون المشروط وإلا ستواجه البلاد الدمار الشامل. وفي الصباح التالي ترفض اليابان عرض الاستسلام ثم في نفس اليوم يُصرِّح ترومان للجيش الأمريكي باستخدام القنبلة.(3)

   خلال الأيام التالية وصلت الأجزاء المفككة لثمان قنابل ذرية إلى جزيرة تينيان الصغيرة في المحيط الهادئ التي تبعد عن اليابان ما يقرب من 2400 كيلومتر. لهذه المهمة وقع الاختيار على الكولونيل «بوول تيبيتس» وهو طيار خبير قضی سنوات خدمته في عدة جبهات مختلفة، وكُلِّفَ تيبيتس باختيار الطاقم الذي سيطير معه. استلم الطاقم الطائرة التي سيستخدمونها في المهمة، كانت طائرة قاذفة من طراز «بوينج ب. ي. 29 سوبرفورتريس» من أحدث ما أنتجه الجيش الأمريكي، ومن باب التفاؤل قرر تيبيت أن يُطلق على الطائرة اسم والدته «إينولا جاي». وفي ذلك الصباح يوم 6 أغسطس حُمِلَت القنبلة على متن الإينولا وأصبحت جاهزة للإقلاع.

اللإينولا جاي وطاقمها يتوسطهم الكولونيل تيبيتس. المصدر:businessinsider
اللإينولا جاي وطاقمها يتوسطهم الكولونيل تيبيتس.

حرب باردة

   خرج الرئيس الأمريكي هاري ترومان في مساء يوم 6 أغسطس، بعد بضع ساعات فقط من إسقاط القنبلة على هيروشيما، ليُعلن أن الولايات المتحدة قد استخدمت سلاحًا جديدًا ذا قدرة تدميرية هائلة، وقال إن إسقاط القنبلة جاء كتضحيةٍ ضرورية بمدينةٍ واحدة حتى لا تعاني اليابان بأكملها من دمار أشد إذا غزتها الولايات المتحدة، وأخيرًا حذَّر ترومان بأن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القنبلة مرة أخرى إذا لم تستسلم الحكومة اليابانية على الفور.
في البداية رفض بعض المسؤولين في الحكومة اليابانية تصديق فكرة وجود مثل هذا السلاح، لكن عندما بدأت التقارير تصل من موقع هيروشيما السابق لم يعد هناك شك في وجود القنبلة، اقترح بعض الوزراء الاستسلام في حين عارض قادة الجيش هذه الفكرة بشدة وطوال يومين عجزت الحكومة اليابانية عن التوصل إلى اتفاق. حينها أدرك الأمريكيون أن قنبلةً واحدة لن تكفي وهكذا اتُّخِذَ القرار بإسقاط قنبلة ثانية، هذه المرة بنواة مصنوعة من البلوتونيوم بدلًا من اليورانيوم، أُطلِق على هذه القنبلة اسم «الرجل البدين»، وفي تمام الساعة الحادية عشرة ودقيقتين يوم التاسع من أغسطس 1945 تنفجر القنبلة الثانية فوق ناجازاكي، وبعد يومين تعلن اليابان الاستسلام وتنتهي الحرب.(4)

وبمجرد إعلان الولايات المتحدة عن امتلاكها القنبلة النووية أدرك الجميع حول العالم انتهاء النظام العالمي القديم الذي قادته القوى الاستعمارية القديمة بريطانيا وفرنسا، وصعود الولايات المتحدة كزعيم وحيد ومتفرد للسياسة الدولية بامتلاكها هذا السلاح. وبالفعل في السنوات القليلة التالية مارست أمريكا هذا الدور بكل حرية لتعيد تشكيل العالم بالشكل الذي تراه مناسبًا، هذه الحرية المطلقة لم تدم طويًلا؛ ففي عام 1949 أعلن الاتحاد السوفيتي امتلاكه السلاح النووي. لقد أصبح للولايات المتحدة منافس، ومنذ هذه اللحظة وحتى تسعينيات القرن العشرين سينقسم العالم إلى معسكر شرقي يقوده الاتحاد السوفيتي ومعسكر غربي ترعاه الولايات المتحدة في صراع مرير استُخدِمَت فيه كل الوسائل ماعدا المواجهة المباشرة ولهذا أُطلق عليها مُسمَّى الحرب الباردة.

القنبلة النووية في الاتحاد السوفيتي.
القنبلة النووية في الاتحاد السوفيتي.

 في العقود الخمس التالية سيصبح للسلاح النووي، بشكل مباشر أو غير مباشر، الدور الأبرز في عدة أحداث حاسمة قررت مسار التاريخ. أول هذه الأحداث الحاسمة عندما دخلت الولايات المتحدة في حرب ضد الصين من أجل السيطرة على كوريا الشمالية. فعندما واجهت القوات الأمريكية صعوبة في كسر دفاعات الصينيين اقترح الجنرال (دوجلاس ماكارثر- Douglas MacArthur)، بطل الجيش الأمريكي والرجل الذي قَبِلَ استسلام اليابان بنفسه، أن تستخدم الولايات المتحدة عدة قنابل ذرية على الصين، رفض الرئيس ترومان ذلك لإدراكه أن السوفيت قد يردون باستخدام أسلحتهم النووية ضد أمريكا أو أحد حلفائها، اتهَمَ ماكارثر ترومان بالجبن فأقاله ترومان من منصبه.

ورغم عدم شعبية هذا القرار في وقته فقد أثبت الزمن بُعد النظر الذي تمتع به ترومان؛ فمع الوقت وتطور وسائل استخدام السلاح النووي، أدرك الجانبان الأمريكي والسوفيتي أن استخدام أيٍّ منهما للأسلحة النووية ضد الآخر فإن من المستحيل أن يحميا أنفسهما بشكل كامل من انتقام عنيف بنفس الأسلحة، من هذه الفكرة ولُدت استراتيجية (الدمار المتبادل المؤكد- Mutually Assured Destruction).

وهكذا وُلِد عالم جديد يحكمه الخوف من القنبلة وسيظل هذا هو المنوال في السنوات التالية حيث ستظل البشرية تتفادى الدمار الشامل في اللحظات الأخيرة.

  فمثلًا كان العالم على شفا حرب نووية شاملة عام 1962 بسبب أزمة الصواريخ الكوبية، حيث امتلك الاتحاد السوفيتي 2500 رأس نووي بينما امتلك الأمريكيون ترسانة تُقَدَّر بأكثر من ضعف هذا العدد، كانت الحرب على بعد عدة دقائق قبل أن تنزع مكالمة تليفونية بين زعيمي البلدين فتيل الأزمة في اللحظات الأخيرة، هذه اللحظات الحاسمة وفرها رفض ضابط في غواصة سوفيتية يُدعى (فاسيلي أرخيبوف- Vasily Arkhipov) إطلاق صواريخ نووية حين انقطعت الاتصالات مع موسكو فافترض زملاؤه أن الحرب قد بدأت بالفعل وأن موسكو قد دُمِّرَت، كان قرار الإطلاق يستلزم موافقة ثلاث ضباط منهم فاسيلي الذي رفض في حين وافق رفيقاه منقذًا بذلك العالم. (5)

 أدرك العالم وقتها مدى هشاشة السلام القائم، وأن القوة النووية لا يمكن ائتمانها إلى أي دولة؛ هذا الموقف تأكد عندما حاول الزعيم الليبي الأسبق «معمر القذافي» أن يشتري قنبلة نووية من الصين عام 1972، ليبلغه رئيس الوزراء الصيني بكل ما يستطيعه من دبلوماسية أن القنبلة ليست للبيع. والحقيقة إنه مع الوقت كان السلاح النووي قد أصبح أداة للتهديد والردع أكثر من كونه وسيلة فعلية للحرب؛ وهو نفس ما قاله قائد القوات الفرنسية في أوروبا إلى «محمد حسنين هيكل» المستشار الشخصي للرئيس السادات في بدايات عام 1973؛ بدأ هيكل حديثه قائلًا:

«إن الإسرائيليين يهاجموننا ويقصفون مدارسنا ويقتلون أطفالنا، يجب أن نوقف ذلك. إننا ندرك قوة إسرائيل النووية ولكن سؤالي هو هل ستستخدمها إسرائيل ضدنا إذا هاجمناها؟»

ليجيبه الجنرال على الفور:

«إن القنبلة النووية ليست سلاحًا للحرب وإنما للردع، وإذا هاجمتم من أجل أن تستردوا حقوقكم المسلوبة دون أن تحاولوا تهديد وجود إسرائيل أو إلقاءها في البحر فإنها لن تستخدم السلاح النووي.»

 كان الجنرال الفرنسي محقًا في تقييمه، وعندما قامت الحرب لم يُستخدم السلاح النووي في حين استخدم العرب للمرة الأولى سلاح النفط ليرتفع سعره إلى مستويات غير مسبوقة، وفي السنوات القليلة التالية ستصبح دول الخليج النفطية من أغنى دول العالم بسبب ذلك. (6)

 لم يتوقف تأثير الخوف من القنبلة عند ذلك بل امتد ليكون له دور في أحد أعظم إنجازات البشرية؛ ففي العام 1957 نجح الاتحاد السوفيتي في وضع أول قمر اصطناعي في الفضاء، وفي تكرار عجيب للتاريخ، ذهب عالم صواريخ ألماني يُدعى (فون بروان- Von Braun) وهو عالم سبق له العمل مع النازيين، إلى الحكومة الأمريكية محذرًا أن من يستطيع أن يضع قمرًا اصطناعيًا في مدار الأرض يستطيع كذلك أن يضع سلاحًا نوويًا هناك؛ صدقت الحكومة الأمريكية ذلك لينطلق سباق الفضاء بين القوتين العظمتين وينتهي بوضع أول إنسان على سطح القمر في عام 1969 (7).
لكن رغم كل ذلك ستظل الأسلحة النووية خطرًا يؤرق الدولتين والعالم من ورائهما لعقود تالية، ورغم وجود عدة محاولات لنزع أو تقليل عدد الأسلحة النووية حول العالم إلا أن ما تبقى من المخزون كان يكفي لإبادة الجنس البشري عشر مرات متتالية قبل أن ينفد.

عالم جديد.. العامل الحاسم الأخير

انهار الاتحاد السوفيتي أخيرًا في أواخر عام 1991، ليس بسبب حرب نووية ولكن بسبب الاقتصاد الذي أُرهِق بسبب ما يقرب من نصف قرن من الصراع المستمر ضد الغرب، ولكن استمر وجود الخطر النووي وعلى مدى العقدين التاليين ستظل الدول الأكثر تأثيرًا في السياسة العالمية هي الدول التي تمتلك أسلحة ذرية. في حين لا يزال الخوف الأكبر لدى الدول الكبرى أن تحصل دولة متمردة ما على القدرة النووية ولفترة من الوقت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان الخوف الأكبر أن تتسرب بعض من أسلحة القوة العظمى السابقة إلى مثل تلك الدول أو حتى إلى جماعات إرهابية.

 دخلت الولايات المتحدة في حرب استمرت عقد من الزمان في العراق بزعم امتلاكها لأسلحة نووية، لم تجد أمريكا أسلحة نووية فيها وعندما غادرت المنطقة أخيرًا كان الشرق الأوسط قد تغّير إلى الأبد. رغم كل ذلك، يمكن الزعم بأنه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بإسقاط القنابل الذرية الأولى فإن العالم لم يشهد من وقتها أي حرب كبرى على نفس نطاق الحربين العالميتين.
دخلت الهند وباكستان في ثلاثة حروب ضد بعضهما البعض، وأمضت الولايات المتحدة قرابة العقدين في صراع مرير في فيتنام، وهاجمت بريطانيا الأرجنتين في حرب خاطفة للسيطرة على بضع جزر منعزلة جنوب المحيط الأطلنطي، ولكن رغم كل ذلك لم ينزلق العالم إلى صراعٍ شاملٍ بل إن المؤرخين يضعون الفترة الحالية كأكثر العصور سلامًا منذ أن بدأ البشر في تدوين تاريخهم منذ آلاف السنين، لماذا؟ لأنه وللمرة الأولى أصبح البشر قادرين على خلق سلاح قادر على إبادتهم، ففي زمن الحرب الكلاسيكية القديمة كانت المعارك تدوم بضع ساعات ثم يظهر جيش منتصر وآخر مهزوم، كانت الخسائر غالبًا في حدود المقبول ولم تكن حياة الناس العادية في المدن والقرى تتأثر بشكل مباشر إلا فيما ندر.

   مع تقدم الأسلحة واختراع الطائرات والصواريخ التي تستطيع ضرب مدن العدو وتجمعاته السكانية بدأت كلفة الحرب في الازدياد وأصبحت الدول أكثر حذرًا في بدء الحروب وأكثر رغبة في إنهائها بأي وسيلة، ولكن رغم ذلك ظل المبدأ القديم القائل بأن الحرب هي آخر وسائل السياسة، غير أن كل ذلك تغيّر بعد هيروشيما وناجازاكي. هناك شيء مرعب وبشع في تلك القوة المدمرة التي تخلقها القنبلة الذرية، لسبب ما فإنه وبعد آلاف السنين من اقتتال البشر فيما بينهم كان منظر أطلال مدينةٍ كانت قبل بضع دقائق يقطنها ملايين الناس يعيشون ويعملون، لتتحول إلى مساحة فارغة وميتة، إلى أرض محروقة لا تصلح للحياة، كان لهذا المنظر أثرًا في نفسية البشرية، تحول الصراع بين الدول من الحرب إلى التهديد بالحرب، وتحولت هيروشيما إلى رمز لما يمكن أن يحدث للإنسان إذا لم يستطع كبح رغبته في التدمير. على مدار تلك السلسلة كان العامل الحاسم دائما حدثًا يُنهي معركة أو يغّير مسار دولة ولكنه سرعان ما يكون سببًا في بداية صراع جديد ليظهر عامل حاسم آخر وتتكرر الدائرة. ولكن هنا فإن العامل الحاسم قد يكون هو العامل الحاسم الأخير، السلام النهائي الذي قد يُنهي كل الحروب ولكن من خلال الخوف.

خاتمة

الساعة 8:14 صباحًا «توقيت هيروشيما»

 توقفت صافرات الإنذار في هيروشيما أخيرًا وخرج سكان المدينة المرهقون من ملاجئ الغارات ينظرون إلى السماء الصافية في توجس، كانت المدينة، كغيرها من مدن اليابان الكبرى خلال الشهور الأخيرة، عُرضة لحملة قصف جوي أمريكي مُرَكَّز بهدف حضِّ الحكومة اليابانية على الاستسلام، ولكن الحكومة التي كانت تحت سيطرة قادة الجيش الإمبراطوري المتعطشين للحرب رفضت كل عروض الاستسلام المقدمة من الحلفاء، وبدأت في تجهيز البلاد للغزو الوشيك. كل ذلك لم يكن في بال سكان هيروشيما الذين بدأوا في الاستعداد للذهاب إلى أعمالهم اليومية. سيقول بعض الناجين فيما بعد أنهم شاهدوا طائرة واحدة صغيرة كانت هي السبب في إطلاق صافرات الغارة الجوية قبل أن تحلق مبتعدة، علم هؤلاء لاحقًا أنها كانت طائرة الاستطلاع التي أعطت الضوء الأخضر بتدمير مدينتهم.

الساعة 8:14:17 صباحًا

 دخلت إينولا جاي أجواء المدينة وفتحت أبواب بدنها السفلية.

الساعة 8:15:15

يصدر تيبيتس الأمر الأخير بإسقاط القنبلة، ينفذ المسؤول عن الإطلاق الأمر وعلى الفور ينحرف تيبيت بالطائرة في زاوية حادة مبتعدًا بأقصى سرعة تستطيعُها محركاتها عن المدينة.

الساعة 8:16:2

قطعت القنبلة التي أسماها الأمريكيون «الولد الصغير» مسافة تسعة كيلومترات في 43 ثانية خلال سقوطها الحر. وعلى ارتفاع 500 متر فوق مستشفى شيما العام في وسط المدينة تنفجر القنبلة.

نصف ثانية بعد الانفجار

 خلال أجزاء من الثانية يحدث الانشطار النووي مسببًا تفاعلًا متسلسلًا في ذرات اليورانيوم 235، الانفجار الناجم يرفع درجة حرارة المنطقة المحيطة إلى درجة تفوق حرارة سطح الشمس بعدة ملايين من المرات. كانت السيدة «كيلونا كامورا» من المحظوظين الذين ماتوا في البداية، بينما شعر آلاف آخرون بجلودهم تنصهر وعظامهم تحترق قبل أن تتوقف عقولهم، التعساء منهم سيستغرق موتهم شهور.

ثانية واحدة بعد الانفجار

 تبخر كل حجر وبشر في دائرة نصف قطرها 600 متر، الذين كانوا على مسافة أبعد، أحرق ضوء القنبلة قرنياتهم، ومن كانوا داخل مباني خرسانية حوَّلت الموجة الانفجارية أعضاءهم الداخلية إلى سائل، ومن كان بالخارج اشتعلت النار في شعورهم وملابسهم، حاول البعض إلقاء أنفسهم في مياه لم يبخرها التفجير ولكن حتى هذه كانت الحرارة قد حولتها إلى مياه مغلية. وعلى بعد آلاف الكيلومترات سيحكي الصيادون على بعض الجزر المنعزلة فيما بعد كيف أعمى ضوء القنبلة أبصارهم لدقائق. لم يدم الانفجار الأول سوى دقيقتين فقط. (8)

وسط مدينة هيروشيما بعد الإنفجار. المصدر : Getty Images
وسط مدينة هيروشيما بعد الإنفجار.

ساعة بعد الانفجار فما فوق

 أمطرت السماء على من هربوا مطرًا أسودًا، كانت تلك هي موجة الموت الثانية، جرعة إشعاع قاتل تتساقط فوق الرؤوس، بدأت تظهر على الناجين أعراض لأمراض غريبة، وبقع بيضاء كبيرة حول العينين والأذنين، وحمى شديدة قبل أن تبدأ لوزاتهم في التحلل، ثم تتثاقل أنفاسهم وتنتهي حياتهم في جماعات. الذين لم يموتوا خلال الشهور الأولى عانوا من السرطان وحتى بعض الذين ظنوا أنهم قد نجوا وجدوا أبناءهم قد وُلدوا مشوَّهين، لم يُقَدَّم أبدًا إحصاء دقيق لعدد الضحايا فقد احترقت سجلات المدينة في الانفجار. بعد ساعات، تمكنت أول قوافل الإغاثة من الوصول، وجلس الناجون المذهولون لتلقي العلاج، لن يدرك هؤلاء هول ما حدث فعلًا لشهور، فقد سقطت القنبلة الذرية الأولى وتغّير العالم إلى الأبد.

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي