رواية《غاتسبي العظيم》وإفساد الحلم الأمريكي!

20140216-131646

مبادئ الحُلْمِ الأمريكي

منذ بداية القرن العشرين، تغير مسار الأدب في «الولايات المتحدة الأمريكية» في تصوره للحلم الأمريكي الذي ينادي بالمساواة، والاستقلال، والحرية، والاجتهاد في العمل؛ لتحقيق السعادة والمال والرفاهية.

وكانت من ضمن الأساسيات التي يرتكز عليها الحلم الأمريكي أيضًا، هو: إتاحة الفرصة لكل مواطن أمريكي أن يحقق الثروة التي يحلم بها؛ بغض النظر عن خلفيته، ومستواه الاجتماعي الذي من المفترض أن لا يمثل عقبة في طريق الشخص الذي اختار مُلاحَقة ذلك الحلم والوصول إليه!(1)

القرن العشرون، وتبَنِّي الحُلْم الأمريكي!

في ذلك الوقت بالتحديد، كان الوصول إلى ذلك الحلم هَـوَسًا يُشغِل العديد من الناس؛ ونتيجة لذلك مارس العديد منهم أعمالًا غير قانونية لتحقيق متطلباتهم، ويظهر ذلك تحديدًا في الرواية، عندما انحرف (جاي غاتسبي- Jay Gatsby) عن مساره الذي سَلَكَه منذ البداية في سبيل الوصول إلى أهدافه، والذي كان يخلو من أي أعمالٍ غير قانونية أو دَنِيئة.. ففي ذلك الوقت ازداد معدل الجريمة بشكلٍ مُلَاحَظ في المجتمع الأمريكي؛ نتيجة للضغط النفسي الهائل الذي شكَّـلَـتْـهُ الفجوة الواسعة بين السعي لتحقيق الحلم، والفرص، والموارد المتاحة فعليًّا للوصول إليه بوسائِل وطرق مشروعة؛ لذلك يُعتبر تحقيق الحلم الأمريكي في ذلك الوقت ما هو إلا شعور لَحْظِي بالنجاح والإنجاز اللَّذَيْن لا يُحَقِّقان بدورهما أيَّ نوع من الرضا الروحي والمعنوي، أو فائدة تُذكر على المجتمع وأفراده(4).

الحُلم الأمريكي تحت عدَسَةِ رواية《غاتسبي العظيم》

تـتـناول الرواية التي كـتَبها (فيتزجرالد- F. Scott Fitzgerald) عام (١٩٢٥) قصة الشاب الأمريكي (غاتسبي) الذي يقع في غرام (دايزي-Daisy) الفتاة التي تفوقه في المستوى المادي والاجتماعي، فـتـتركه وتتزوج من رجل يماثلها في نفس المستوى.

تعتبر الرواية أحد أشهر الأعمال الكلاسيكية في الأدب الأمريكي التي أثرت بشكل واسع على القراء والأجيال من جميع أنحاء العالم؛ بالرغم من أنها لم تنجح كثيرًا تجاريًّا(2).

يَسْعَى  (غاتسبي) منذ صِغَرِه لتحسين وضع مَعِيشته، ومساعدة أُسرته؛ لتحقيق مستوًى مادِّيٍّ أفضل، يظهر ذلك في اجتهاده ومثابرته، فكان يمتلك جدوًلا خاصًّا بالأعمال التي عليه أن ينجزها، والتي كان من ضمنها أن ينهض مبكرًا ليمارس الرياضة، ويقرأ بعضًا من الكتب التي تُـعَـلِّم فن اللباقة والخطابة والتحدُّث، بالإضافة إلى مراجعة دروسه، ومحاولة الاستزادة والبحث عن مصادر أخرى تُعزز مِن بِـنْـيَةِ أهدافه؛ وبالفعل ينجح (غاتسبي) في النهاية بتحقيق المال، والتحسن المادي الهائل الذي طالما تطَـلَّع إليه(3).

جسَّدَت الرواية الأمريكية فشل الحُلْمِ الأمريكي، (غاتسبي) شابٌّ حديث الثراء، والذي فجأةً اكتسب مكانة اقتصادية واجتماعية بين الطبقة العليا، و(دايزي) التي مثلت له الحلم الأمريكي- الذي أراده فعلِـيًّا- ولكنه عجز عن تحقيقه والوصول إليه، رغم أنه ظاهريًّا أصبح ضِمن الأشخاص الَّذِين حققوا الثراء في أبهى صوره، ولكن باطنيًّا يظل (غاتسبي) يشعر بالخَوَاء؛ لأنه فشل في الوصول إلى (دايزي) وإقناعها بالعودة إليه؛ فيَتورَّط (غاتسبي) في عدة أعمال غير قانونية؛ ليعزز من قوة مركزه الاجتماعي والمادي، ظـنًّا منه أن ذلك سيجعله يَحْظَى بها، ولكن للأسف ينتهي الأمر بـ(غاتسبي) برفض (دايزي) في النهاية، والتخلي عن زوجها الذي ينتمي إلى نفس الطبقة الاجتماعية والمادية(4).

أكدت مبادئ الحلم الأمريكي على الجانب الذي يخص ضرورة وضمان جمع المال وتحقيق الثروة لأي فرد كان، إلا أنها أهملت تمامًا الجانب الذي يؤدي إلى الوسيلة التي يمكن الوصول من خلالها إلى ذلك الهدف؛ ومن هنا تبنَّى الحلم الأمريكي شَعارَ «الغاية تبرر الوسيلة»، مهما كانت تلك الوسيلة؛ لذلك لا يشعر (غاتسبي) بالرضا عمَّا يصل إليه، رغم كل العقبات التي واجهها؛ لأنه بالرغم من تحقيقه لحلمه بالثراء، فهو لم يَحْظَ في النهاية بـ(دايزي)، ولم يحقق سعادته المعنوية، وأيضًا ساهم في أعمال غير شرعية؛ فتحقيق الثراء والتحسن المالي يَظَـلَّان الغاية الأسمى التي أزاحت بعيدًا أي محاولات أخرى يمكن من خلالها تحسين الأوضاع التي تمس الجانب النفسي والشخصي، كالصحة النفسية والبدنية، أو الصعيد العام؛ كمجال التعليم، وتعزيز العلاقات التي تربط المجتمع ببعضه البعض، والتي تنعكس من خلال تلبية الاحتياجات المعنوية التي أهملها الحلم الأمريكي(4).

تلك الأفكار التي زرَعَتْهَا قِيَم الحلم الأمريكي في المواطنين الأمريكيين في ذلك الوقت أدت إلى انتشار الفساد على عدة مستويات.

على سبيل المثال: لجأ (غاتسبي) إلى الأعمال غير المشروعة؛ للوصول إلى رغباته الشخصية، مُـبَرْهِنًا على حقيقة أن: الغاية المادية لا الروحية هي وَقُود الحلم الأمريكي!

(غاتسبي) يُفْسِدُ حُلْمَه باعتقاده الراسخ والخاطئ أن كل شيء يريده يمكن ببساطة تحقيقه بالمال! وعلى رأس تلك الأشياء التي أرادها تأتي (دايزي)، لكنه في النهاية يُخفق في كل محاولات إبهارها بالثروة التي حققها، وممتلكاته الفارهة؛ من ضمنها: قصره الفخم! الذي شيده قريبًا من قصرها، والحفلات الصاخبة التي استغلها في تسليط أضواء مبالَغ في بَرِيقِهَا على قصره؛ لتراه (دايزي) وتنبهر به، ولكن كل جهود (غاتسبي) كانت دون جدوى! فرغباته المادية تعارضت كُليًّا مع رغباته المعنوية، بل وبرهنت فشلها في تعويض تلك الرغبات الحِسِّية الرُّوحِية التي كان (غاتسبي) يصبو إليها من الأساس(4) (2).

(غاتسبي) يقع في أَسْرِ النزعة المادية والمثالية؛ نتيجة لذلك اضطر أن يكون شخصًا آخر غير ما هو عليه.

(غاتسبي) يفتعل تصرفاته، والطريقة التي يتحدث بها؛ لتتماشى مع الطبقة العليا ومستواه المادي الجديد! ويقصد بذلك بالتحديد (دايزي)؛ فهي التي تمثل الرغبة والحلم الحقيقي، بل الحلم المُطْلَق الذي يريد أن يناله، وليس المال والمستوى الاجتماعي(4).

كل محاولات (غاتسبي) ما هي إلا محاولات تُحتسب تحت بند الحنين، ورغبة العودة إلى ماضيه؛ فهو بالفعل كان يمتلك (دايزي) قبل أن تتركه وتتزوج، وأيضًا قبل أن يخسر نفسه الحقيقية التي أُفْلِتَت منه في منتصف طريقه لتحقيق حلمه؛ فهو يحاول بشكل أو بآخر تغيـير أحداث ذلك الماضي؛ ليصل إلى رغبته الأساسية (دايزي)(4).

حُلْمٌ زائف!

يَظهَر  الهَوَس الذي استحوذ على (غاتسبي) من خلال حواره مع (نِكْ-Nick) -وهو أحد الشخصيات التي ساعدت (غاتسبي) للتواصل مع (دايزي) مرة أخرى- حيث صرخ (غاتسبي) بعدم تصديق:

«لا يمكنك تكرار الماضي! لماذا؟ بالطبع يمكنك!»

قال ذلك، وهو ينظر حوله باحثًا بشرارةٍ مشتعلة تكاد تقفز من عَيْنَيْهِ عن الماضي، وكأنه  يختبئ في ركنٍ ما بمنزله، أو بين ظلالٍ لا يستطيع الإمساك بها، أو الوصول إليها.

وأضاف (غاتسبي)، مشيرًا برأسه بإصرار:

«سترى (دايزي) بنفسها أن بإمكاني إصلاح وإرجاع كل شيء لسابق عهده»(4).

بوضوح، (غاتسبي) يُمثِّل ضحيةً للحلم الأمريكي الزائف! فهو يريد المال ظنًّا منه أنَّ بمقدرته إعادة خلق الماضي مع (دايزي)، وأَسْر قلبها مرةً أخرى، وجَعْلَها تفكر في الرجوع إليه.

ظنون (غاتسبي) -التي شكَّـلَت مَلامح حُلْمِه المُزيَّف- وُصفت بالسذاجة؛ لأنها مَبْنِيَّة على افتراضات خاطئة، والتي مِن ضمنها أنَّ الممتلكات المادية يمكن أن تكون مُرادِفًا آخَرًا للسعادة، والانسجام، والجمال.

في حالة (غاتسبي) تَحوَّل المال إلى الجِسْر الذي يقود إلى الحب والسعادة، وبسبب سذَاجته المُفْرِطَة أصبح أيضًا يستخدمه في التعبير عن عواطفه وَهُوِيَّتِه المزيفة، لكن بالطبع لا يحقق كل ذلك غاية (غاتسبي) الذي لم يتمكن من إقناع (دايزي) بالرجوع إليه.. ليموت في النهاية بحُلٍم لم يتحقق يومًا، وظل مدفونًا بداخله(4).

 

المصادر:

(1)https://usahello.org/ar/resources/american-values/

(2)https://www.ats.gov/national-initiatives/nea-big-read/

(3) https://www.bethinking.org/culture/the–gatsby

(4)https://www.google.com/url?sa=t&source=web&rct=j&url=https://dspace.library.uu.nl/bitstream/handle/1874/301141/%2520Bachelor%2520Thesis%2520Final%2520version%25202012.docx%3Fsequence%3D2%26isAllowed%3Dy&ved=2ahUKEwj2sPCR_9rmAhXMxoUKHbtqDjwQFjAKegQIAhAB&usg=AOvVaw3g1Yi-FW3U-x-QHu22gfwd

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي