فيستا: حقائق عن ألمع كويكب

فيستا

|فيستا: حقائق عن ألمع كويكب

فيستا هو ثاني أكثر الأجسام ضخامةً في حزام الكويكبات -الذي يفوقه فقط سيريس (Ceres) المُصنف ككوكب قزم- وهو يُعد ألمع الكويكبات في السماء، حيث يمكن رؤيته من الأرض بالعين المجردة. فهو الأول من أكبر أربعة كويكبات (Ceres – Vesta – Pallas – Hygiea) تمت زيارتها بواسطة مركبة فضائية. وقامت بعثة داون (The Dawn mission) بدراسة فيستا في عام 2011، وقدمت رؤى جديدة لهذا العالم الصخري.

الرقابة السماوية

في عام 1596، وأثناء تحديد الشكل الإهليجي للمدارات الكوكبية، اعتقد جوهانس كيبلر (Johannes Kepler) أنّ هناك كوكب يجب أن يكون موجودًا في الفجوة بين المريخ والمشتري. ويبدو أن الحسابات الرياضية التي أجراها جوهان دانييل تيتيوس (Johann Daniel Titius) وجوهان أيلرت بوده (Johann Elert Bode) في عام 1772 -والتي عُرفت فيما بعد بقانون (تيتيوس – بود)- تدعم هذا التنبؤ. في أغسطس 1798، تشكّلت مجموعة تُعرف باسم الشُرطة السماوية (The Celestial Police) للبحث عن هذا الكوكب المفقود. وكان من بين هؤلاء الفلكي الألماني هاينريش أولبرس (Heinrich Olbers). اكتشف أولربس الكويكب الثاني المعروف ب بالاس (Pallas). وفي رسالة إلى فلكي زميل، طرح النظرية الأولى من أصل الكويكب.

كتب:

«هل يمكن أن يكون الكويكبين سيريس وبالاس مجرد زوج من الشظايا لكوكب أكبر احتلّ في وقتٍ ما مكانه الصحيح بين المريخ والمشتري؟».

وقد أوضح أولبرس أنّ شظايا مثل هذا الكوكب ستتقاطع عند نقطة الانفجار، ومرة ​​أخرى في المدار المقابل مباشرة. لاحظ هذين المنطقتين ليلاً، وفي 29 مارس 1807، اكتشف فيستا، ليصبح أول شخص يكتشف الكويكبين. وبعد قياس عدة ملاحظات لليالٍ عدة، أرسل أولبرس حساباته إلى عالم الرياضيات كارل فريدريش غاوس (Carl Friedrich Gauss)، الذي قام بحساب مدار بالاس على نحوٍ مذهل خلال 10 ساعات فقط. كما حصل على شرف تسمية الجسم الجديد. فاختار اسم فيستا -إلهة الموقد وأخت  للإله سيريس-.

الخصائص الفيزيائية لفيستا

الكويكب فيستا  فريدٌ من نوعه بين الكويكبات في أنه يحتوي على بقع داكنة وخفيفة على السطح، ويُشبه كثيرًا القمر. وقد حددت الملاحظات الأرضية أن الكويكب يحتوي على مناطق بازلتية، مما يعني أن الحمم قد انسابت مرة واحدة عبر سطحه. كما أنَّ له شكل غير منتظم، قريب من شكل كروي مفلطح.

  • القطر: 329 ميل (530 كيلومتر).
  • الكتلة: 5.886 × 10^20 رطلاً. (2.67 × 10^20 كيلوغرام).
  • درجة الحرارة: 85 إلى 255 كلفن (-306 إلى 0 درجة فهرنهايت / – 188 إلى أقل من 18 درجة مئوية)
  • النصوع: 0.4322
  • تناوب: 5.342 ساعة
  • الفترة المدارية: 3.63 سنة
  • اللامركزية (Eccentricity): 0886
  • الأوج: 2-57 الأفريقي
  • الحضيض الشمسي: 2.15 وحدة فلكية.
  • أقرب نقطة إلى الأرض: 1.14 وحدة فلكية.

السطح، والبنية، والتشكيل

عندما اقترب الكويكب فيستا من الأرض في عام 1996، حدد تلسكوب هابل الفضائي سطحه وخصائصه الطبوغرافية. وكشف هذا عن حفرة كبيرة في القطب الجنوبي التي تنقسم إلى شرائح في داخلها. يبلغ قطر الفوهة 460 كم، فيستا نفسها تقع على بعد 530 كم فقط. وهو يقطع في المتوسط ​​13 كم في القشرة الأرضية، وعلى الأغلب تكونت من تصادم في المراحل التكونية الأولى المُبكرة للكويكب. المواد التي قُذفت من هذا التصادم أسفرت عن عدد من الكويكبات الأصغر، التي تدور بالقرب من الأصل، بالإضافة إلى بعض النيازك التي اصطدمت  بالأرض.

على عكس معظم الكويكبات، فإن المناطق الداخلية لفيستا مختلفة عن بعضها، مثل الكواكب الأرضية. يحتوي الكويكب على قشرة من الحمم المُبردة التي تغطي الوشاح الصخري و الحديد والنيكل. وهذا يُعطي مصداقية للحجة الخاصة بتسمية فيستا ككوكب ناشئ (protoplanet)، بدلًا من كونه كويكب.

نما اللُب الداخلي للكويكب  فيستا بسرعة في غضون العشرة ملايين سنة الأولى بعد تشكيل النظام الشمسي. وتشكّلت القشرة البازلتية له بسرعة، على مدى بضعة ملايين من السنين. تنبع الثورات البركانية على السطح من الوشاح، وتستمر في أي مكان من 8 إلى 60 ساعة. وتتدفق الحمم نفسها من بضعة مئات من الأمتار إلى عدة كيلومترات، مع سمك يتراوح بين 5 إلى 20 مترًا. تبرَد الحمم  بسرعة، فقط ليتم دفنها مرة أخرى من قبل المزيد من الحمم حتى اكتمال  تكون القشرة.

وقال ديفيد أوبراين (David O’Brien) من معهد كوكب العلوم في توكسون بأريزونا للصحفيين في عام 2012:

«في حزام الكويكبات حرك المشتري بشكل أساسي الأمور لدرجة أنهم لم يكونوا على الالتحام بسهولة مع بعضها البعض».

وأضاف أوبراين:

«وكانت السرعات في حزام الكويكبات عالية حقا، وأعلى سرعة هي، وكان من الصعب للأشياء الاندماج معًا تحت الجاذبية الخاصة بها».

في عام 1960،  أعلن اندفاع كرة نارية كلمح البصر من خلال السماء فوق ميليبيلي في أستراليا، وصول قطعة من الكويكب فيستا على الأرض. يتألف النيزك تقريبا من البيروكسين بالكامل، وهو معدن موجود في تدفقات الحمم البركانية، ويحمل نفس الإشارات الطيفية التي يطلقها فيستا.

اكتشفت المركبة الفضائية “داون” التابعة لوكالة ناسا، والتي زارت الكويكب في عام 2012، أنّ الجسم الصخري يحتوي على كمية مدهشة من الهيدروجين على سطحه. كما وجدت أيضًا مناطق مُشرقة وعاكسة ربما تكون قد تُركت منذ نشأته.

وقال جيان يانغ لي (Jian-Yang Li)، وهو عالم مشارك في بعثة دون من جامعة ماريلاند، في كلية كوليدج بارك، في بيان:

«إن تحليلنا يرى أن هذه المادة الزاهية تنبع من فيستا ولم تشهد سوى تغير طفيف منذ تشكيل فيستا قبل أكثر من 4 مليارات سنة».

يوجد العديد من الأبراج الجبلية الضخمة على القطب الجنوبي فيستا. يصل ارتفاع الجبل الهائل إلى أكثر من 65000 قدم (20 كيلومتر) ، مما يجعله يصل إلى طول جبل أوليمبوس (Olympus Mons)، أكبر جبل (وبركان) في النظام الشمسي. يصل ارتفاع جبل أوليمبوس حوالي 15 ميلاً (24 كم) فوق سطح المريخ.

وقال كريس رسل (Chris Russell)، الباحث الرئيسي في داون، في مؤتمر فلكي عام 2011:

«الجبال القطبية الجنوبية أكبر من جزيرة هاواي الكبيرة، ومن أكبر جبل على الأرض، كما يُقاس من قاع المحيط»

وأضاف:

«إنه مرتفع تقريبا مثل أعلى جبل في النظام الشمسي، بركان أوليمبوس على المريخ».

وقد تدفق الماء السائل مرة واحدة عبر الكويكب. وكشفت الصور التي التقطتها مركبة الفضاء “داون” عن أخاديد مُتعرجة ورواسب على شكل مروحة في ثمانية فوهات تصادمية مختلفة. ويُعتقد أن جميع الفوهات الثمانية تشكلت في غضون مئات الملايين من السنين القليلة الماضية، وهي حديثة نسبيا في حياة الكويكب البالغ من العمر 4.5 مليار عام.

وقالت جينيفر سكالي (Jennifer Scully) وهي باحثة دراسات عليا في جامعة كاليفورنيا في بيان صادر عن إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا):

«لم يتوقع أحد العثور على أدلة على وجود مياه على فيستا. السطح بارد جدًّا ولا يوجد غلاف جوي. لذلك أي مياه على السطح سوف تتبخر. ومع ذلك، أثبت الكويكب فيستا أنه بنية كوكبية مُشوقة ومعقدة للغاية».

لقد اعتقدت سكالي وفريقها أن السمات التي تم إنشاؤها بواسطة تدفقات الحطام، على النقيض من أنهار أو مجاري المياه النقية، نحتت أخاديد فيستا. واقترحوا أن النيازك التي اصطدمت بالكويكب ساعدت في ذوبان الجليد تحت السطح، مرسلةً المياه السائلة والجزيئات الصخرية الصغيرة إلى تدفقاتٍ عبر جدران فوهة البركان. وهذا النشاط يوحي بوجود جليد مدفون تحت السطح.

وقالت سكالي:

«لو كان حاضرًا اليوم (الجليد تحت السطح)، فسيتم دفن الجليد بعمق لا يمكن اكتشافه من قبل أي من أدوات دون. ومع ذلك، فإن الفوهات ذات المجاري المنحنية ترتبط بالتضاريس المنبسطة، والتي تم اقتراحها بشكل مستقل كدليل على فقدان الغازات المتطايرة من فيستا».

كان من الممكن أنْ يكون الجليد مسؤولاً عن تعديل سطح فيستا. وفي عام 2017 أشارت دراسة إلى أنَّ بقعًا ناعمة من التضاريس على الكويكب تحتوي في كثير من الأحيان على تركيزات عالية من الهيدروجين، والتي غالبًا ما تُرى عندما يعمل الإشعاع الشمسي على تكسير جزيئات الماء.

وقال عصام حجي (Essam Heggy)، عالم الكواكب المصري في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس لموقع Space.com:

«نقترح أن تكون تعديلات السطح عن طريق ذوبان الجليد المدفون مسؤولة عن تجانس تلك المناطق. ويُمكن أنْ يكون الجليد المدفون قد تم إحضاره إلى السطح بعد حوث تصطادم، مما تسبب في ذوبان الجليد الساخن والسير إلى أعلى خلال الشقوق إلى السطح».

كما لاحظت المركبة دون علامات على المعادن المائية (المعادن التي تحتوي على جزيئات الماء) على سطح فيستا، والتي يُمكن أنْ تُشير أيضًا إلى وجود الثلج المدفون. وارتبطت المواد المائية مع تضاريس أقدم، وكان يُمكن توصيلها من خلال تصادمات المواد من أماكن أبعد في النظام الشمسي.

وقد كشفت خريطة لارتفاعات منخفضة لدى فيستا عن جيولوجيا غنية. فالمنحدرات الحادة الموجودة على الكويكب، جنبا إلى جنب مع جاذبيتها العالية  تُمهد الطريق للصعود من أسفل، والإفشاء عن المواد الأخرى. كما كشفت المركبة داون عن مجموعة متنوعة من المعادن، بما في ذلك بعض المواد الساطعة والمظلمة والتي يُمكن أنْ ترتبطَ بالثلوج المدفونة المُحتملة.

زوّار من الكويكب فيستا للأرض

في الحقيقة، التركيبة الفريدة لـ فيستا تعني أنه مسئول عن مجموعة كاملة من النيازك. تُخبرنا نيازك HED – التي تتكون من Howardites ، Eucrites ، Diogenites – قصةَ حياة فيستا المُبكرة. تتكوّن الأوكريت (eucrites) من حمم صلبة، بينما تأتي الديوجينايت (diogenites) من تحت السطح. أمَّا هورايتز (howardites) هي مزيج من الاثنين، وقد تشكّلت عندما مزج تصادم كبير القسمين معا.

ويُشتبه في أنَّ فيستا مصدر النيازك HED منذ عام 1970. وقد تحققت مطيافات المركبة داون لرسم الخرائط من هذا الاقتراح. ويعتقد الفريق أن تلك النيازك أتت من حوض تصادم اسمه ريسيليفيا (Rheasilvia)، وهو تقريباً بنفس حجم فيستا نفسه. وعلى الأرجح تكوّن من اصطدام أزال معظم قشرة نصف الكرة الأرضية الجنوبية، وكشف عما بداخل الكويكب.

وقالت كارول ريموند (Carol Raymond) الباحثة الرئيسية في داون:

«من المُحتمل أنْ يكون فيستا قريب من التحطم».

مشيرة إلى أن هذه الضربات تركت مجموعات متراكزة من الأحواض -خطوط الانقسامات- حول خط استواء فيستا.

قد تكون الأغوار المتوازية علامة أخرى على التصادم الهائل. وقالت ريموند لجمعية الكواكب:

«إنّ وجود هذه الأغوار يُوحي بوجود أضرار بالغة داخل الكويكبات».

إذا كان مدار فيستا يقع خارج المريخ، فكيف تمكنت أجزاء منه من الوصول إلى الأرض؟ تعبر البقايا المُتفرقة من فيستا كوكب المشتري مرة واحدة كل ثلاث دورات حول الشمس، مما يسمح لجاذبية أكبر الكواكب بالتأثير عليها. وكان من الممكن لمثل هذا التجاذب أن يُحول البقايا بما يكفي لإحداث تصادمها النهائي مع الأرض.

وكنتيجة لذلك، فإن فيستا هو واحد من ثلاث جُسيمات تمكّن العلماء من أخذ عينات منها. والآخران هما القمر والمريخ.

استكشاف الكويكب

في سبتمبر 2007، أطلقت وكالة ناسا مهمة داون، وهي فريدة من نوعها حيث أنها كانت أول طائرة تدخل في مدار حول جسم في النظام الشمسي. دخلت داون في مدار حول فيستا في يوليو 2011. بعد دراسة الكويكب لمدة عام، غادرت فيستا وتوجهت إلى سيريس في مارس 2015.

تتمثل مهمة داون في ناسا في دراسة خصائص النظام الشمسي المُبكر من خلال تحليل الكويكبين اللذين يختلفان كثيرًا. فسيريس رطب، مع غطاءات موسمية قطبية، مع غلاف جوي رقيق. أما فيستا جاف وصخري. وبدراسة التوقيعات الطيفية الفريدة في القشرة الصخرية ستتوسع معرفتنا لكوكبنا، وكذلك المريخ وعطارد.

وبالنظر إلى حجمهما، يُنظر إلى الاثنين في الواقع على أنهما كواكب أولية، أو كواكب صغيرة. ولقد أدى سَحب جاذبية المشتري إلى تعطيل تشكيله. من دون وجود العملاق الغازي (المشترى)، فقد يستمر الاثنان في التطور إلى كواكب كاملة الحجم.

وقالت كارول ريموند نائبة الباحث الرئيسي في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا للصحفيين في عام 2012:

«نحن نعلم الآن أنّ فيستا هو الكتلة الكوكبية الوحيدة السليمة التي بقيت على قيد الحياة منذ الأيام الأولى للنظام الشمسي».

سمحت دراسة داون لفيستا بإنشاء أفضل خريطة حتى الآن للكويكب. وفي أكتوبر 2010، قام تلسكوب هابل الفضائي بتصوير فيستا مرة أخرى. وكشفت البيانات الناتجة عن ذلك أن الكويكب كان يميل نحو أربع درجات أكثر مما كان يعتقد العلماء في الأصل. وساعدت هذه النتائج ناسا على وضع المركبة الفضائية في مدار قطبي مناسب حول الكويكب.

 

ترجمة: أحمد رجب رفعت

مراجعة: آية غانم

المصدر

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي