لغز الكورونا المحير

Template-new-Recovered-Recovered

||

إذا كنت واحدًا من القلائل ذوي الحظ العظيم الذين واتتهم الفرصة ليروا كسوفًا كليًّا للشمس، فقد شاهدت لتوِّك واحدًا من الألغاز التي طالما استعصت على الباحثين، بالطبع لا أعني الكسوف الشمسي، بل أقصد تلك الحلقة المتوهجة التي تظهر من الشمس أثناء ظاهرة الكسوف، حيث تُعد الطبقة الخارجية للغلاف الجوي للشمس أو طبقة ( الكورونا Corona) واحدةً من أكثر المعضلات التي حيَّرت علماء الفلك على مدار ما يقرب من سبعين سنة.

تبلغ الحرارة في باطن الشمس نحو 15 مليون درجة مئوية، أما بالنسبة للمنطقة المحيطة بالشمس، فكما هو الحال في كوكبنا، يحيط بالشمس أيضًا غلافٌ جوي يتكون من ثلاث طبقات:

⦁ (الفوتوسفير-Photosphere): ونطلق عليها مجازًا «سطح الشمس»، وهي أولى طبقات الغلاف الجوي للشمس، حيث يتراوح سمكها ما بين 300-400 كم، وتبلغ درجة حرارة هذه الطبقة نحو 5800 درجة كيلفن -5526 درجة مئوية-.
⦁ (الكروموسفير-Chromosphere): تمتد هذه الطبقة لنحو 2000 كم وتصل درجة حرارتها إلى 10000 درجة كيلفن -9726 درجة مئوية-.
⦁ (الكورونا-Corona): هي الطبقة الخارجية في غلاف الشمس، وتمتد لملايين الكيلومترات، ولكن الغريب والمُحيِّر في هذه الطبقة هي درجة حرارتها، ففي عام 1939 لاحظ العالمان (جروتريان) و(إلدن) انبعاث خطوط طيفية من هذه الطبقة تدل على وجود عنصر الحديدFe في درجة عالية من التأيُّن، حيث أن عنصر الحديد في الحالة Fe+13، مما يعني أن ذرة الحديد تم تجريدها من 13 إلكترون، حيث تم إخراج كل إلكترون من مساره عن طريق صدمه بإلكترونٍ حر، ولك أن تعرف أن طاقة الإلكترون الحر التي تستوجب تحرير الإلكترون رقم 13 من مداره تساوي مقدار الطاقة لغاز درجة حرارته 2 مليون درجة مئوية!

كيف يمكن هذا؟ كيف يُمكن للطبقة الخارجية أن تكون أكثر حرارةً من الطبقات الأخرى المقاربة لباطن الشمس؟ إن الكورونا وبالرغم من ارتفاع درجة حرارتها، تمتلك كثافة صغيرة جدًا، ولذلك فإن مقدارًا قليلًا من الإشعاع الشمسي كافٍ لرفع درجة حرارتها، حيث تُقدَّر مقدار الطاقة المنبعثة منها بحوالي جزء من المليون من إضاءة الشمس، مما يعني أن الشمس تمتلك الطاقة الكافية لرفع درجة حرارة الكورونا، ومع ذلك، فكيف تصل الحرارة إلى طبقة الكورونا، وما هي آلية انتقالها؟

بالطبع ظهرت نظريات عدة تشرح آلية انتقال الحرارة من باطن الشمس إلى طبقة الكورونا، ثَبُتَ خطأ بعضها وتم استبعاده وأخرى لا زالت قيد الدراسة والملاحظة ولم تُستبعد بعد، آخر تلك النظريات كانت في عام 2012 لعالمٍ يُدعى _وديمايربوم- Wedemeyer-Böhm)، حيث لاحظ وديماير وفريقه من بعض الصور التي التقطتها وكالة ناسا للفضاء، وجود بعض الدوامات الغازية في طبقة الكورونا تتجاوز حرارتها المليون درجة مئوية، ومن المعروف وجود دوامات غازية مشابهة على سطح الشمس تكوَّنت نتيجة انتقال الحرارة من الطبقات الدنيا، بمقارنة الدوامات الغازية على سطح الشمس بتلك التي في طبقة الكورونا، اكتشف وديماير دليلًا على ارتباط تلك الدوامات ببعضها البعض.

صورة التقطتها وكالة ناسا تظهر بعض الدوامات الغازية
في طبقة الكورونا

الأمر أشبه بإعصارٍ عملاق، حيث تتصل تلك الدوامات مع بعضها عن طريق خطوط من المجال المغناطيسي الذي تُولِّده الشمس، تمر تلك الخطوط عبر سطح الشمس مُجبرةً على اتباع تلك الحركة الدوامية للغازات هناك، حتى تصل تلك الخطوط إلى طبقة الكورونا ناقلةً الطاقة من الدوامات السطحية إلى طبقة الكورونا، وحينها يصبح الغاز مُجبرًا هو الآخر أن يتبع خطوط المجال ويدور في شكل دوامات مثل تلك التي على سطح الشمس.

ولكن لا تزال هناك بعض الأسئلة التي لم تجد تلك النظرية إجابةً عنها، فماذا عن البقاع الشمسية؟ (وهي عبارة عن مناطق على سطح الشمس ذات نشاط مغناطيسي عالٍ، وهي أبرد من باقي أجزاء السطح وبالتالي مظلمة)، كيف تنتقل الطاقة عبر تلك المناطق إلى طبقة الكورونا؟ مع العلم أن المناطق المقابلة للبقاع الشمسية في طبقة الكورونا هي مناطق نشطة تتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة لا توفِّره البقاع الشمسية المظلمة التي تقع أسفلها نظرًا لقوة المجال المغناطيسي بهذه البقاع والذي يمنع انتقال الطاقة، أضف إلى ذلك جهلنا بكيفية تحول تلك الطاقة إلى حرارة عند وصولها إلى طبقة الكورونا.

لا تزال طبقة الكورونا الشمسية تقف منتظرةً ذلك الفاتح الذي سيقضي على أسطورتها مُنهيًا تلك الحيرة، ولكنه ليس فاتحًا لأنه استطاع حل تلك الأحجية، إنما هو كذلك لأنه بالتأكيد سيفتح بابًا لألغازٍ أخرى تقف الكورونا حائلًا بيننا وبينها، ولكن هكذا هو العلم، يحل ألغازًا لتظهر أخرى.

إعداد: Omar El.Gamal
مراجعة علمية: Ahmed Hassanin 
مراجعة لغوية وتصميم: Mohamed Sayed Elgohary

المراجع :

http://sc.egyres.com/PMjkg

http://sc.egyres.com/6eowS

http://sc.egyres.com/cvzLL

http://sc.egyres.com/FxkTG

http://sc.egyres.com/V6X8z

#الباحثون_المصريون

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي