لماذا نقرأ التاريخ؟

mapa

|

     يعيش الناس في الحاضر، ويخططون بقلقٍ لأمورهم في المستقبل، ومع ذلك، تتم دراسة الماضي عن طريق علم التاريخ! وبالنظر إلى كل ضغوط الحياة ومتطلباتها، لماذا نهتم بدراسة ما هو كان؟ وبالنظرِ أيضًا إلى كل فروع المعرفة المتاحة والمرغوبة، لماذا نُصِرُّ –كما تفعل بعض البرامج التعليمية الأمريكية– على دراسة وكتابة تاريخ جيد؟ ولماذا نحث الطلاب على دراسة التاريخ أكثر مما هو مطلوب منهم؟

        أيُّ مجالٍ للدراسة يحتاجُ إلى مبررٍ لدراستهِ وفهم الغرض منه، ويجب على القائمين على دراسة هذا المجال شرح أسباب الاهتمام به، إن بعض مجالات المعرفة المنتشرة –ومنها مجال دراسة التاريخ– تجذب الكثير من الناس الذين يُفضِّلون بساطة المعلومات والحصول عليها بطريقةٍ منهجية مختلفة وغير تقليدية، ولكن في ذلك الوقت تنجذب الجماهير بشكل أقل إلى دراسة مجالات المعرفة المشكوك في مدى الحاجة إليها أو الغرض من دراستها.

      لا يقوم المؤرخون بإجراء عملياتِ زرع قلب (كعلم الطب)، أو تصميم وتحسين الطرق السريعة (كعلم الهندسة)، أو اعتقال المجرمين (كالقانون)، في مجتمعٍ يؤمن بأن التعليم يجب أن يقدم كل ما هو مفيد إليه، بحيث يُنظَر إلى دراسة التاريخ على أنها أقلُّ قيمةً مُقارنةً بالطب أو الهندسة. في الواقع، إن دراسة التاريخ مُفيدةٌ للغاية ولا غِنَى عنها في أيِّ مُجتمعٍ يهتم بهذه المجالات الأخرى، ولكن ما يجعل هذه القيمة لدراسة التاريخ أقل من غيرها هو اختزال قيمته في بعض الدراسات التاريخية التي يتم دراستها أو إنتاجها بشكلٍ أقلَّ واقعيةً مما هو مطلوب، وغير مفيدة بشكلٍ أقرب من بعض الفوائد التي تنتجها مجالات المعرفة الأخرى.

       في الماضي، كان المبرر لدراسة التاريخ له أسبابه التي لم يعد القبول بها أو اتباعها فكرًا صحيحًا، فعلى سبيل المثال، كان أحد الأسباب التي تجعل التاريخ يحتفظ بقيمته ومكانته في هذه الفترات التاريخية هو أن القادة وأصحاب القرار كانوا يعتقدون أن المعرفة لبعض الحقائق التاريخية هي مقياسٌ للحكم على المثقفين من غير المثقفين أو تمييز المتعلمين عن غيرهم، فالشخص الذي يمكنه تحديد ومعرفة تاريخ الفتح النورماندي لإنجلترا (1066م) هو أفضل المرشحين لتولي مدرسة القانون مثلًا، وأن الشخص الذي توصل لمعرفة ودراسة نظرية التطور عند دراوين فهو يعزز جدارته للترقي في مجالِ عمله بين موظفيه. وعليه، فقد تم استخدام المعرفة التاريخية آنذاك كأداةِ فحصٍ للشخصيات في العديدِ من المجتمعات –من الصين وحتى الولايات المتحدة– ولسوء الحظ ما زال هذا التفكير معمولًا به إلى حدٍّ ما، ذلك التفكير الذي يشجع على الإدراك غير العقلاني لأحداث التاريخ، وأن يجعل الرغبة في دراسة التاريخ أقل جذبًا من دراسة أي مجال آخر.

يجب دراسة التاريخ لأنه ضرورة حتمية للفرد والمجتمع كليهما، وللحديث عن فائدة التاريخ نعتمد على حقيقتين أساسيتين:

1- يساعدنا التاريخ على فهم الشعوب والمجتمعات:

     في المقام الأول؛ يُقدِّم التاريخ مخزنًا هائلًا من المعلومات حول كيفية حركة الشعوب والمجتمعات التي تعتبر من أصعب مجالات الدراسة التي تتعلق بفهم واستيعاب النشاط البشري بالرغم من أن العديد من التخصصات الأخرى غير التاريخ تحاول دراسة هذه الحركة البشرية بناء على بيانات وإحصائيات مختلفة، ولكن كيف لهذه المحاولات والجهود أن تقيم بعض أنشطة هذه الشعوب والمجتمعات المتعلقة بالحروب إذا كانت الأمة في وقتها الحاضر تعيش في سلامٍ ما؟ لِمَ نستخدم المادة التاريخية التي تحوي سجلَ هذه الأمة في جميع ظروفها السياسية؟ كيف نفهم عبقرية التحول في المجتمعات، وتأثير الإبداع التكنولوجي أو الدور الذي تلعبه المعتقدات في حركة هذه الشعوب والمجتمعات وتشكيل حياتها ما لم نستخدم هذا المخزن من المعلومات الماضية وتجاربه؟

    يحاول بعض علماء الاجتماع صياغة قوانينٍ ونظرياتٍ حول السلوك البشري، لكن حتى هذه النظريات تعتمد في الأساس على معلوماتٍ تاريخية -باستثناء بعضِ الحالات التي تعتمد على التجربة في دراسة الشعوب- ولكن في نفس السياق، لا يمكن وضع حياة المجتمع في بعض أشكاله الرئيسية مثل الانتخابات أو الأنشطة أو التحالفات العسكرية تحت مجهر التجربة، وبالتالي يجب أن يخدم التاريخ –رغم عدم دقته مقارنةً بالمعامل– هذه المجالات من السلوك البشري من خلال معلوماته عن الماضي، التي تعتبر أكثر الأدلة والبراهين الحيوية التي نملكها في خلال رحلة السعي لمعرفة السلوك المعقد للمجتمعات. لذا لا يُمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال إهمال التاريخ لأنه يقدم لنا القاعدة الواسعة والوحيدة لتأمل حياة المجتمعات وتحليل حركتها.

     يحتاج الناس لإدراك كيف كانت المجتمعات القديمة تدير حياتها الخاصة؟ فالتاريخ يساعدنا على فهم التغير وكيف أن حياة المجتمع الذي نعيش فيه كانت نتيجة تاريخية حتمية لمجتمع سابق لأن الماضي يتسبب في تشكيل الحاضر وبالتالي المستقبل. وعندما نرغب في تفسير شيءٍ ما أو حدثٍ ما –مثلًا فيما يتعلق بالتحول في هيمنة الأحزاب السياسية في الكونغرس الأمريكي، أو التغير الكبير في معدلات الانتحار بين المراهقين أو حرب البلقان أو حروب الشرق الأوسط– علينا أن نبحث عن العوامل التي أدت إلى ظهور أحداث مشابهة لتلك الأمثلة ولكن في الماضي لتفسير أسبابها.

     في بعض الأحيان، تكفي دراسة التاريخ الحديث لشرح تطوُّرٍ ما، ولكن في كثيرٍ من الأحيان نحتاج إلى النظر في أسباب التغير لدى مجتمعٍ معين، فقط من خلال التاريخ الأقدم من التاريخ الحديث يمكننا فهم كيف تتغير الظروف والأشياء. فقط من خلال ذلك التاريخ، يمكننا فهم العوامل التي أدَّت إلى هذا التغير، وفقط من خلال التاريخ يمكننا أن نفهم لماذا بعض المجتمعات لا تزال تحتفظ بنفس أسلوب حياتها القديم بالرغم من هذا التغير الذي طرأ على غيرها من المجتمعات.

2- يساعدنا التاريخ في فهم حياة الفرد الخاصة:

    يُضاف هذا المحور إلى المحور السابق كنقطتين رئيسيتين لدراسة أهمية التاريخ، إن التاريخ الذي يتم سرده بشكلٍ جيد هو تاريخ جميل الصورة لذا يدرك العديد من المؤرخون الذين يستهوون جمهورهم من القراء أهمية سرد التاريخ بشكلٍ دراميٍّ ومُبتكرٍ فضلًا عن الدقة، فالتاريخ ليس مقتصرًا على السِيَرِ الذاتية والجوانب العسكرية والسياسية للمجتمع، لكن يحوي أغراضًا أخرى من الفن والترفيه التي تتأسس على جوانب وأسس جمالية في تدوينها والتي تمس أيضًا فهم الإنسان وقدراته الخاصة، فالقصص التاريخية التي يتم سردها بشكلٍ جيد هي في الواقع قصصٌ تكشف عن جهدِ الشعوب والمجتمعات وتكوين الأفكار حول التجربة الإنسانية المرتبطة بهذا الجهد المبذول في أزمنة وأماكن أخرى مختلفة. تلك الأفكار التي تلهم الفرد والشعوب للقيام بنفس الجهد المبذول لاستعادة بناء هذه الجوانب الجمالية الموجودة في الماضي إلى الحاضر وهذا ما يُسميه المؤرخون «ماضيِّة الماضي»، وهي دراسة الطرق التي بَنَى من خلالها الشعوب حياتهم في تلك الأزمنة البعيدة، وهو مصطلحٌ يكشف في نهاية المطاف بشعور الجمال والإثارة عن دراسة تطور آخر في حياة المجتمع والفرد بعيدًا عن التطور السياسي والعسكري.

مصدر الدراسة :

https://www.historians.org/about-aha-and-membership/aha-history-and-archives/historical-archives/why-study-history-(1998)

#الباحثون_المصريون

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي