ما يمكن أن يخبرنا به حديث الأُفُق عن الكون

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
|صورة تخيلية لموجات الجاذبية

النظرية الأكثر قبولًا لرصد بداية وتطور الكون هي نظرية (الانفجار العظيم-Big Bang). بداية الحدث كانت منذ ما يقرب من 12 إلى 14 بيليون سنة عندما كان الكون عبارة عن مجرد بضعة ملليمترات. تمدد الكون بدءًا من أكثر حالاته انصهارًا وكثافة إلى أن استقر على هيئة هذا الكون الرحب الذي نسكنه الآن. هناك عمليات رصد عديدة تدعم هذه النظرية؛ فمثلًا ملاحظة أن المجرات تبتعد عنا تدعم فكرة أن الكون يتمدد. بالإضافة إلى وفرة العناصر الخفيفة مثل (الهيدروجين- H) و(الهيليوم-He) و(الليثيوم-Li). اندمجت هذه العناصر وتكونت من (البروتونات-protons) و(النيوترونات-neutrons) في الدقائق الأولى المعدودة بعد الانفجار العظيم. (1)

الكون في مراحله المبكرة كان شديد الحرارة حيث بلغت الحرارة بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم 10 بلايين درجة وكان أشبه ببحر من النيوترونات والبروتونات و (الإلكترونات-electrons) و (البوزيترونات-positrons) و (الفوتونات-photons) و (النيوترينات-neutrinos)*. عندما بدأت درجة الحرارة في الانخفاض اتخذت النيوترونات أحد المسارين: إما أنها تتحلل إلى بروتونات وإلكترونات أو أنها تتحد مع البروتونات لتكون عنصر الـ (ديوتيريوم-Deuterium) والذي هو أحد نظائر (الهيدروجين-Hydrogen). خلال الثلاث دقائق الأولى للعالم اتحدَّ أغلب الديوتيريوم المتكون ليكون عنصر الـ (هيليوم-Helium). كما تكونت أيضًا كميات قليلة من عنصر الـ (ليثيوم-lithium). يطلق على عملية تكون هذه العناصر الخفيفة في بداية الكون اسم (الاصطناع النووي للانفجار العظيم- Big Bang nucleosynthesis ) (BBN). (2)

في عام 1948 افترض الفيزيائي (جورج جاموف-George Gamow) أن جميع العناصر الكيميائية تكونت في بداية الكون في ظل الحرارة والكثافة الشديدة. بينما اكتشف تلميذه الفيزيائي (رالف آلفر- Ralph Alpher) أثناء بحثه لرسالته للدكتوراة بالتعاون مع الفيزيائي (روبرت هيرمان- Robert Herman) أن فرضية جاموف غير صحيحة؛ حيث لا يمكن لكل عناصر الكون أن تكون قد تكونت في بداية الكون. حيث أن النيوترونات تستغرق 10 دقائق لكي تتحلل، كما أن كثافتها تقل بينما الكون يتمدد في ذلك الوقت؛ إذن وحدها العناصر الخفيفية قد تكونت في بداية الكون. كان نتيجة هذا البحث هو التنبؤ بوجود (الخلفية الكونية الميكروويفية- Cosmic microwave background) (CMB) وأن لها طيف مادي أسود بدرجة حرارة تبلغ 5 درجات فوق الصفر المطلق. (2)

يُعد (إشعاع الخلفية الكونية الميكروويفية-The CMB radiation) هو بقايا الحرارة المتولدة عن الانفجار العظيم. (1)

منذ 25 عام قرر مجموعة من الفيزيائيين وهم (راي فايس-Rai Weiss) الفيزيائي في (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- MIT) وعالم الفيزياء (كيب ثورن-Kip Thorne) والفيزيائي (رونالد دريفر- Ronald Drever) في (معهد كالفورنيا للتقنية-Caltech) أن يقوموا ببناء كاشف ليزر عملاق يستخدم في البحث عن موجات الجاذبية من أشياء مثل اصطدام (الثقوب السوداء- Black holes) وبعد عقود متواصلة من البناء والتطوير والتخيل والجهد والعمل الشاق استطاعوا بناء هذا الكاشف الذي اطلقوا عليه اسم (LIGO)
(Laser interferometer Gravitational-Wave Observatory) والذي يعني (مرصد الليزر لرصد تداخل موجات الجاذبية). في سبتمبر عام 2015 تم تشغيل  LIGO من أجل اختباره بشكل نهائي.
في 14 سبتمبر 2015 تم رصد موجات الجاذبية بواسطة LIGO.  يقول عالم الفيزياء النظرية في MIT (سكوت هيوز-scott Hughes ) عن ذلك: «لقد كانت بمثابة مكافأة لمساري المهني؛ كل الأشياء التي طالما عملت عليها لم تعد خيال علمي بعد الآن!».
لقد ظل سكوت يدرس موجات الجاذبية الصادرة من الثقوب السوداء والإشارات التي يمكن رصدها من خلال مراصد معينة مثل LIGO لمدة 23 عام!
يقصد هنا بموجات الجاذبية أنها (تموجات في شكل الزمان والمكان، عندما تمر هذه الموجة فإن المكان يتمدد بكل ما فيه في اتجاه واحد وينضغط من اتجاه آخر). هكذا عرفها باحث الفيزياء النظرية (آلان أدامز-Allan Adams) (3).

أو يمكن تعريفها على أنها اضطراب أو تموج في نسيج (الزمكان-space-time) -وهو يعتبر نسيج الكون جامعًا لعنصري الزمان والمكان- تتحرك هذه التموجات بسرعة تعادل سرعة الضوء. تتولد هذه الموجات بواسطة أيّ كتلة تتغير سرعة تحركها أو يتغير اتجاه حركتها؛ أبسط مثال لها هو النظام الثنائي؛ الذي يتكون من أي جُرمين سماويين مثل نجمين أو جسمين مثل الثقوب السوداء تدوران حول مركز كتلة مشترك بينهما. بالتالي يمكن أن نعتبر موجات الجاذبية أنها انحناءات في نسيج الزمكان. مع العلم أن جاذبية الأرض منتظمة وتسبب انحناءات ثابتة في نسيج الزمكان. تتحرك تموجات الجاذبية في نسيج الزمكان في حركة أشبه بحركة تموجات الماء على سطح بحيرة على سبيل المثال؛ وتتولد عندما تزيد أو تقل سرعة كتلة ما أو يتغير اتجاه مسارها. مثال آخر لموجات الجاذبية هو عندما تدور الأرض حول الشمس فإنها تغير اتجهاها باستمرار ولذلك تتولد موجات الجاذبية ولكنها ضعيفة وخافتة بعض الشيء.
تكمن أهمية دراسة ورصد موجات الجاذبية في معرفة كيفية بدء وتطور الكون ومعرفة تكوين الهياكل ذات النطاق الواسع مثل المجرات و(عناقيد أو تجمعات المجرات- Galaxy clusters). كما تتميز موجات الجاذبية بقدرتها على الانتقال دون أن تتم إعاقتها بواسطة الغبار أو الغازات، كما تستخدم في رصد معلومات عن الأجسام الضخمة مثل الثقوب السوداء والتي لا تسمح بانبعاث الضوء خلالها وبالتالي فلا يمكن رصدها بواسطة التلسكوبات التقليدية. (4)

صورة تخيلية لموجات الجاذبية
صورة تخيلية لموجات الجاذبية

يشبِّه سكوت هيوز مرصد LIGO  في عمله أنه أشبه بأذن نسمع بها أكثر من كونه عين نرى بها. يوضح ذلك آلان آدامز بأن الضوء يتميز بطول موجي أصغر من الأشياء المحيطة بنا وهذا مفيد لأنه يتيح لنا تكوين صورة الأشياء حولنا عندما ننظر إليها في وجود الضوء. لكن الطول الموجي للصوت يمكن أن يصل إلى 50 قدم وهذا يجعل من الصعب بل من المستحيل أن نكون صورة عن شيء ما من خلال موجات الصوت وعوضًا عن ذلك نستخدم الصوت لنستمع إلى خصائص معينة مثل الذبذبات والنغمة والإيقاع ومستوى الصوت لكي نستدل من خلالهم على القصة التي خلف هذه الأصوات دون أن نراها. على نفس الوتيرة يكون الوضع بالنسبة لموجات الجاذبية حيث لا يمكن استخدامها لالتقاط وتكوين صورة للأشياء في الفضاء الخارجي ولكن يتم الاستماع إلى التغيرات التي تحدث في سعة وترددات هذه الموجات ومن ثم يمكن سماع القصة التي تخبرنا بها هذه الموجات أي أننا حرفيًا يمكننا الاستماع إلى همسات الكون تتحدث إلينا؛ فمثلًا من خلال الاستماع إلى موجات الجاذبية بهذه الطريقة يمكن معرفة الكثير عن اصطدام اثنين من الثقوب السوداء.
ففي 14 سبتمبر من عام 2015 تم رصد صوت لأمواج الجاذبية بواسطة LIGO والتي عندما تم تحليلها وتفسيرها تبيَّن أنهما اثنين من الثقوب السوداء أحدهما تعادل كتلته 29 شمسًا والآخر 36 شمسًا يدوران حول بعضهما البعض بمعدل 100 مرة في الثانية قبل أن يصطدما؛ تم رصد هذه المعلومات من خلال الاستماع إليها.
وبذلك تكمن أهمية مرصد LIGO  في أنه يمكننا من خلاله التعرف على الكون الذي لم نتعرف عليه من قبل والاستماع إلى ما لا يمكن أن نراه. (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تتكون ذرة أي مادة من جسيمات دقيقية وهي: (بروتونات-protons) و (نيوترونات-neutrons) و (إلكترونات-electron) تتسم كل من هذه الجسيمات بخصائص قابلة للقياس وهي الكتلة ونوع الشحنة لكل منهم. الكتلة هي مقدار ما يحتويه أي جسيم من المادة. البروتون والنيوترون متساويين من حيث الكتلة والتي تعادل ألف مرة كتلة الإلكترون. يحمل البروتون والإلكترون شحنات متساوية في المقدار ولكن متضادة من حيث النوع حيث البروتون الموجب الشحنة والإلكترون السالب الشحنة؛ بينما لا يحمل النيوترون شحنات (5)

 

ترجمة وإعداد : آلاء محمد مرزوق

مراجعة: آية غانم

 

المصادر:
[i]

(1)  https://goo.gl/aVyBLt
N. (n.d.). The Big Bang – NASA. Retrieved November 4, 2016, from http://www.nasa.gov/pdf/457651main_PI2_COBE_lauretta.pdf
(2)https://goo.gl/nO51BA
Edward, E. (2010, April 16). Tests of Big Bang: The Light Elements. Retrieved November 05, 2016, from http://map.gsfc.nasa.gov/universe/bb_tests_ele.html

(3) https://goo.gl/EvjZe5
T. (Producer). (2016, February). What the discovery of gravitational waves means [Video file]. In Https://www.ted.com. Retrieved November 4, 2016, from https://www.ted.com/talks/allan_adams_what_the_discovery_of_gravitational_waves_means?language=en
(4) https://goo.gl/kPwZkD
N. (2016, February 11th). What are Gravitational Waves? Retrieved November 4, 2016, from http://nasa.tumblr.com/post/139124558019/what-are-gravitational-waves
(5) https://goo.gl/AQ8IHf
N. (n.d.). A Public Outreach Module: Atoms, Elements, and Isotopes. Retrieved November 05, 2016, from http://genesismission.jpl.nasa.gov/science/mod2_aei/