متى يكون السيروتونين قاتلًا؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
serotonin|

متى يكون السيروتونين قاتلًا؟

تجري العمليات الحيوية في جسم الإنسان على نحو عالٍ من الاتزان والدقة. فزيادة مادة واحدة أو نقصانها في الجسم، تؤدي إلى خلل واسع ينتج عنه اضطرابات أو أمراض، أو حتى قد يصل إلى الموت. السيروتونين مثلًا، قد لا تلمس دوره في تنظيم جسدك، لكن بالطبع، ستلمس خلله الذي قد يقودك إلى الجحيم.

ما هو السيروتونين؟

السيروتونين (C10H12N2O) هو أحد المنظِمات التي تنقل الإشارات بين الخلايا العصبية في أجسام الفقاريات (كالإنسان) واللافقاريات. ويوجد في الأصل في الجهاز العصبي المركزي. وأيضًا في الجهاز الهضمي والصفائح الدموية. ويُخِّلق الجسم السيروتونين من الحمض الأميني الأساسي (التريبتوفانL-TRYPTOPHAN) الذي يدخل الجسم عن طريق الطعام. يعمل السيروتونين في الجهاز العصبي كناقل للإشارات العصبية عند (نقاط الاشتباك العصبي-synapses).

 (1)
في ظل الظروف العادية، تُنتج الخلايا العصبية والحبل الشوكي (الجهاز العصبي المركزي) السيروتونين الذي ينظم الانتباه والسلوك ودرجة حرارة الجسم. كما أن للسيروتونين دورًا هامًا في تنظيم عملية الهضم وتدفق الدم والتنفس. (2)

 

دور السيروتونين ونسبته الطبيعية في الجسم

يُعد السيروتونين أحد النواقل العصبية، فيسمح بتبادل الإشارات بين الخلايا العصبية وينظمها. كما يلعب دورًا هامًا في الجهاز العصبي المركزي، وفي الأداء العام للجسم وخاصة الجهاز الهضمي. واكتشفت الدراسات وجود علاقة تربط بين السيروتونين وبين أيض العظام وإنتاج لبن الثدي وتجدد الكبد وانقسام الخلايا. يتوفر أغلب سيروتونين الجسم في الجهاز الهضمي؛ وبذلك ينظم وظيفة الأمعاء وحركتها ويُساعد في سد الشهية أثناء تناول الطعام. وعند تناول شيء سام أو غير مناسب، تفرز الأمعاء السيروتونين بمعدل أكبر لزيادة وقت العبور وتسهيل خروج تلك المواد عن طريق الإسهال، والشعور بالغثيان. أما السيروتونين في المخ فإنه يؤثر على مستويات المزاج والقلق والسعادة، وتسبب العقاقير غير المشروعة في ارتفاع نسبة السيروتونين في الدم، كما يساهم السيروتونين في عملية تجلُّط الدم حيث تنتجه الصفائح الدموية عند التعرض للجروح مما يؤدي إلى ضيق الأوعية الدموية أو انقباضها والذي ينتج عنه تقليل تدفق الدم وتجلطه. يثبط السيروتونين النشاط الجنسي، وتعمل المثبطات الانتقائية لامتصاص السيروتونين (SSRIs) على رفع مستوى السيروتونين لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب، ولكن حوالي 20% إلى 70% من أولئك الذين يتناولون تلك المثبطات، يعانون من مجموعة أعراض متعلقة بالخلل الوظيفي الجنسي. (3)

تتراوح نسبة السيروتونين الطبيعية في الدم من 101 إلى 283 نانوجرام/ملليلتر، ويحدث أحيانًا أن ترتفع هذه النسبة أو تنخفض، تبعًا لأسباب مختلفة، وفي الحالتين ينتج خلل في أداء الجسم. (4)

 

علاقة السيروتونين بالاكتئاب

إن انخفاض مستوى السيروتونين في الجسم يؤدي إلى ضعف الذاكرة والمزاج السيء. وتظهر بعض الأعراض الأخرى، مثل: الرغبة في تناول الأطعمة الحلوة والنشوية، وصعوبة النوم، وتحقير النفس، والقلق والميول العدوانية. وتشير تلك الأعراض إلى مرض الاكتئاب، لذلك فإن السيروتونين ليس مسؤولًا بشكل رئيسي عن الاكتئاب، وقد يكون نقص السيروتونين مسببًا للاكتئاب فقط لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به، فما يسبب الاكتئاب ليس واضحًا بشكل دقيق، لكن النظرية الأساسية في السنوات الخمسين الماضية تُرجع السبب إلى خلل في الناقلات العصبية أو الهرمونات في الجسم. يتعلق الاكتئاب بانخفاض السيروتونين في الجسم، لكن ليس واضحًا حتى الآن إن كان انخفاض السيروتونين يؤدي إلى الاكتئاب، أم أن الاكتئاب نفسه هو الذي يؤدي إلى انخفاض السيروتونين.
وافقت منظمة الغذاء والأدوية (FDA) على استخدام (SSRIs) كمضادات للاكتئاب. في الوضع الطبيعي، بمجرد أن ينقل الناقل العصبي النبضة العصبية، يمتصه الجسم مرة أخرى، وتمنع (SSRIs) السيروتونين من أن يُعاد امتصاصه، لترتفع بذلك نسبة السيروتونين عند الاشتباكات العصبية. لكن  كيف يحدث ذلك بالضبط؟ فهذا ليس معروفًا حتى الآن. وقد اقترح العلماء أنه على الرغم من نجاح تلك المثبطات مع بعض الناس بالفعل إلا أنهم لا يرجحون أن زيادة مستوى السيروتونين يؤدي إلى تحسين أعراض الاكتئاب بصورة مباشرة.
ويواجه العلماء مشكلة أخرى، وهي عدم القدرة على قياس نسبة السيروتونين في الدماغ، بينما يمكن قياس نسبته في الدم، وبذلك لا يعلم الباحثون إن كانت نسبة السيروتونين في الدم تعكس نسبته في الدماغ، أو إن كانت تؤثر المثبطات (SSRIs) على الدماغ. في عام 2014، أوضحت دراسة أجريت على الفئران إمكانية كون السيروتونين لا يلعب دورًا في الاكتئاب، فقد أنتج الباحثون بعض الفئران غير القادرة على إنتاج السيروتونين في دماغهم، ومع ذلك فلم تظهر عليهم أي علامات اكتئاب، حتى عند تعرضهم للضغط العصبي. وأوضحت دراسة أخرى أجريت عام 2015 أن الفئران التي تعاني من نقص السيروتونين تصبح أكثر عرضة للضغوطات الاجتماعية. (3)

متلازمة السيروتونين

يعتقد البعض أنّ ارتفاع نسبة السيروتونين أمرًا محببًا، أو جالبًا للسعادة، وهو اعتقاد خاطئ بالطبع. فالسيروتونين من الممكن أن يصبح قاتلًا، وذلك عندما يُصاب الإنسان بمتلازمة السيروتونين عند ارتفاع نسبة السيروتونين في الجسم نتيجة تناول جرعة زائدة من بعض الأدوية، وكذلك بعض العقاقير غير المشروعة والمكملات الغذائية. وتتراوح أعراض متلازمة السيروتونين من البسيطة (الارتعاش والإسهال) مرورًا بالأعراض الشديدة (تصلب العضلات والحمى ونوبات التشنجات) وصولًا إلى الموت في حالة عدم العلاج.
على الرغم من أن تلك المتلازمة من الممكن أن تحدث عند تناول دواء واحد يسبب ارتفاع نسبة السيروتونين، لكنها في الأغلب تحدث عند دمج أدوية معينة سويًا، فمثلًا: يمكن أن تحدث عند تناول مضادات الاكتئاب إما مع دواء الصداع النصفي، وإما مع الأدوية المسكنة اللآلام التي لها مفعول الأفيون، وأيضًا عند تناول جرعة زائدة بشكل متعمد من أدوية الاكتئاب.

ومن الممكن أن تصيب تلك المتلازمة أي شخص، لكن هناك بعض الأشخاص المعرضين لها بصورة أكبر.
ولا يشكل ارتفاع السيروتونين ضررًا في حالة عودته إلى معدله الطبيعي في الجسم، أما إن تُرك دون علاج فإنه يؤدي لفقدان الوعي وأخيرًا للموت.

تظهر الأعراض في خلال عدة ساعات بعد تناول الأدوية وزيادة جرعتها، وتشمل: هياج أو أرق وهذيان، وارتفاع معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، واتساع حدقة العين، وفقدان التنسيق العضلي أو الشعور بالوخز، وتصلب العضلات، والتعرق الشديد، وإسهال، وصداع، وارتجاف، وقشعريرة.

وفي حالات عدم انتظام ضربات القلب، وارتفاع درجة الحرارة، وفقدان الوعي، قد يكون ذلك نذير سوء بأن معدل السيروتونين مرتفع إلى الحد الذي يهدد حياتك. عند تعرضك لأي من تلك الأعراض عليك التحدث مع طبيبك على الفور أو الاتجاه إلى الطوارئ للحصول على العلاج فورًا. (2)

زيادة نسبة السيروتونين طبيعيًا

كما وضحنا سابقًا، يحتاج الجسم إلى (L-TRYPTOPHAN) حتى يتمكن من تخليق السيروتونين، ويتوفر ذلك المركب بكثرة في البروتينات، وحتى يتمكن الإنسان من زيادة التأثيرات المزاجية للسيروتونين فعليه أن يتناول أطعمة غنية بنسبة عالية من الحمض الأميني (L-TRYPTOPHAN) مقارنة بالبروتين الكلي، مثل: السمسم، واليقطين،(5) وأطعمة الصويا، والبذور، والأجبان، ولحم الضأن، والدجاج، وسمك السالمون.
إن التغير في مستوى السيروتونين يُعد استجابة للجسم لما تفعله به. فإن كنت لا تتعرض لضوء الشمس بما يكفي، وتتعرض لضغط كبير، وتتبع نظامًا غذائيًا غير صحي، فمن الطبيعي أن تنخفض نسبة السيروتونين. وعند تغيير عاداتك اليومية، ستتغير نسبة السيروتونين وترتفع مرة أخرى.

لكن عند ظهور خلل حقيقي، فالأمر يصبح بيد الجينات الآن. فلسبب ما، جيناتك تخبر جسمك ألا يفرز السيروتونين بالمستوى المناسب. وعندها توجد بعض الأمور الطبيعية التي يمكنك فعلها، أو اللجوء إلى الأدوية. (4)


ترجمة: رنا السعدني

مراجعة علمية: زهراء منير

مراجعة لغوية: خالد نصر

 

المصادر:

  1. Serotonin [Internet]. [cited 2018 Mar 12]. Available from: https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/5202

 

  1. Serotonin syndrome – Symptoms and causes [Internet]. Mayo Clinic. [cited 2018 Mar 12]. Available from: http://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/serotonin-syndrome/symptoms-causes/syc-20354758

 

  1. Serotonin: Facts, uses, SSRIs, and sources [Internet]. [cited 2018 Mar 12]. Available from: https://www.medicalnewstoday.com/kc/serotonin-facts-232248

 

  1. Brain in, Reviews S. The Mystery of Serotonin: Can It Really Make You Happy? [Internet]. DevelopingHumanBrain. 2017 [cited 2018 Mar 12]. Available from: https://www.developinghumanbrain.org/serotonin-mystery/

 

  1. Serotonin | Health Topics | NutritionFacts.org [Internet]. [cited 2018 Mar 12]. Available from: https://nutritionfacts.org/topics/serotonin/