فيروس كورونا (كوفيد 19): كيف تُساهم الفيزياء في محاربة الجائحة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
لقد وصل فيروس كورونا المستجَد “سارس-كوفي-2” إلى حد الوباء، غيرَ أنَّ جميع الحكومات والأطباء والعاملين في القطاع الطبي يؤدون دورهم على أكمل وجه، ويبذل العلماء قصارى جهدهم في محاولة تطوير اللقاحات والعلاجات. كما يرى “جون كارترايت” أن اشتراك الفيزياء في ذلك الصراع ضد الفيروس يُعد مؤثرًا وفارقًا إلى حد كبير.

وسط مزاعم عن نشأة كورونا، يُشير الاحتمال الأكبر إلى أنها قد انتشرت لأول مرة عن طريق إحدى أنواع خفافيش «حدوة الفرس» التي توجد في جميع أنحاء شرق وجنوب شرق آسيا. يُعتقَد أن ما حدث هو أن ثمةَ خنزيرًا أو حيوانًا ما قد تناول بقايا قطعة فاكهة -لفظها ذلك الخفاش- قبل بيعه في «السوق الرطبة» وهو سوق لبيع اللحوم والأسماك والخضار الطازج في ووهان – الصين، ومن ثم انتقلت العدوى إلى أحد المزراعين، وربما أول انتقال للعدوى إلى إنسان حدثت في موضعٍ آخر.

هناك الكثير مما لا نعرفه عن الفيروس التاجي الجديد المُسمى سارس-كوفي-2 (SARS-CoV-2) والمرض الناتج عنه (كوفيد 19). وقد نمى إلى علمنا أن السلطات الصينيّة أحاطت منظمة الصحة العالمية علمًا بأولى حالات الإصابة التي وقعت في مدينة وُهان الصينيّة العام الماضي، وبعد أقل من أسبوعين من ذلك التصريح توفيت إحدى تلك الحالات. بحلول نهاية شهر يناير\ كانون الثاني وبعد تشخيص 10000 حالة مصابين بالفيروس وتسجيل 200 حالة وفاة في الصين وحدها، ومع ظهور الفيروس خارج الصين أيضًا، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ القصوى في شتَّى أنحاء العالم.

أفادت الإحصائيات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية حتى الآن (19 مارس وهو تاريخ نشر هذا المقال) أن الفيروس قد انتشر في 166 دولة ومنطقة وإقليم، مُحدثًا ما يتجاوز 205,000 حالة إيجابية مؤكدة في جميع أنحاء العالم وأكثر من 8500 حالة وفاة. وعليه تم إعلان تفشي حالة “الوباء” رسميًا في 11 مارس، كما أن معظم الحكومات طبقت بعض الإجراءات الوقائية مثل: تطبيق التباعد الاجتماعي، وفرض قيود على السفر، وتفعيل الحجر الصحي للحد من انتشار الفيروس، وإلغاء المهرجانات، والفعاليات، والمباريات، الرياضية، والعروض، والمؤتمرات، والحفلات، نظرًا لما تحتاجه من توافر خدمات ووسائل دعم من الطراز الرفيع، وخوفًا من الاكتظاظ الذي يساعد على زيادة فرص انتشار الفيروس. على سبيل المثال: ألغت الجمعية الفيزيائية الأمريكية اجتماعيّها السنويّين والذي كان يُعقد أحدهما في  مارس في مدينة دنفر، كولورادو، والآخر في إبريل في العاصمة واشنطن.

عندما يتعلق الأمر بالفيروسات المستجدَة فنجد أن لدينا ما يكفي من الأسباب كي ينتابنا الخوف والقلق، فقد وقع على عاتق البشرية منذ القِدم التعامل مع أمراض جديدة تبدو وكأنها خُلقت من العدم، بل وتنتشر بين الناس كالنار في الهشيم فتُخلف في أعقابها ضحايا يقدرون بالعشرات. في العصور القديمة كانت الأوبئة البكتيرية هي ما تشكل مصدر الرعب بالنسبة للبشرية، ورغم تطور العلوم الطبية ونشأة الطب الحديث، إلا أن الفيروسات هي من تدثرت بعباءة الموت والهلاك. فلننظر إلى الإنفلونزا الإسبانية كمثال على ذلك، فقبل قرن من الزمان تسببت في مصرع ما يُقارب من مائة مليون شخص. ومؤخرًا كنا في مواجهة شرسة مع فيروس نقص المناعة البشري (HIV) الذي أودى بحياة قُرابة 32 مليون شخص حتى الآن. لذا فإن الأمر يُعد مسألة وقت حتى يظهر وباءٌ آخر مدمر، وبالرغم من عدم معرفة علماء الأوبئة بماهية الفيروس الذي سيُخلف ذلك الوباء المزعوم، إلا أنهم يؤكدون أنه سيكون ثمة وباء لم يسبق له مثيل.

وسواء كان فيروس سارس-كوفي-2 هو “الوباء الفتاك” المنتظر أم لا، إلا أن ثمة شيء آخر يدركه علماء الأوبئة على نحو صادم، وهو أن المرض ينتشر بين الناس سريعًا كسريان الدم في الأوصال. فلعلك تتذكر إبان منتصف القرن الرابع عشر كيف انتشر الموت الأسود في سائر أنحاء أوروبا وطال أجزاء من آسيا وأفريقيا بمتوسط سرعة يبلغ 1.5 كيلومتر في اليوم، وهو أمرٌ طبيعي نظرًا لعدم وجود وسائل مواصلات متطورة وسريعة آنذاك فحتى السفن لم تكن لتعبر المحيطات على نحو آمن فكانت أسرع وسيلة انتقال هي الجياد. وهذا على النقيض من حادثة تفشي فيروس زيكا في أمريكا الجنوبية عام 2015 والذي انتشر بسرعة يبلغ متوسطها 42 كيلو متر في اليوم، وقد بلغ ذروته في البقاع الأكثر كثافة سكانية في البرازيل بنحو 634 كيلو متر يوميًّا. والآن نظرًا لطبيعة الحال من وجود مدن ذات كثافة سكانية مرتفعة، ومعدل تنقلات وسفر عبر الحدود أعلى بكثير من الماضي، أصبح لزامًا على العلماء التصدي لخطر الأوبئة الفيروسية على نحو أسرع من أيِّ وقتٍ مضى.

من حسن الحظ أن العلماء يمتلكون الآن أدوات أكثر تطورًا وكفاءة من ذي قبل، فنجد أن علم الأحياء البنيوية –الذي يهتم بدراسة الوظائف البيولوجية والتركيب البيولوجي للجزيئات الكبيرة- قد قطع شوطًا طويلًا منذ أن تم استخدامه لأول مرة منذ ثلاثين عامًا كحجر أساس في عمليات تصميم الدواء القائم على دراسة تركيب ووظيفة الجزئيات البيولوجية المستهدفة من قبل العلاج (وذلك على نقيض عمليات تصميم الدواء القائمة على التجربة والخطأ). بالرجوع إلى أوائل التسعينيَّات، نجد أن التركيبات البنيويّة للفيروسات يتم تخزينها في بنك بيانات البروتينات وهو مستودع بيانات دولي للتركيبات البنيويّة للجزيئات البيولوجيّة الكبيرة والتي يرتفع عددها بالعشرات كل عام، لكن بحلول منتصف 2010 أصبح العدد يرتفع بمعدل 500 إضافة سنويًا. إن التقنيات الحديثة على غرار نظام الأتمتة وتقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM) تُتيح لنا في كثير من الحالات سهولة التعرف على التركيبات البنيوية للفيروسات على الفور. وقد جاء على لسان “ألكسندر ولوداور” رئيس مختبر علم هندسة البلورات ذات الجزيئات الضخمة في المعهد الوطني الأمريكي للسرطان في فريدريك بولاية ماريلاند:

«لقد تطور علم الأحياء البنيوية بوتيرة متسارعة للغاية لدرجة أصبح معها أي شيء تقريبًا قابل للحدوث مهما بلغت استحالته»

لكن تُرى هل تكفي سرعته لوقف انتشار ذلك الوباء؟

سرعة تطور الفيزياء

تلعب التقنيات المعتمدة على الفيزياء دورًا محوريًا في مجال علم الأحياء البنيويّة، إذ يتم الحصول على أغلب التركيبات البنيويّة للجزيئات البيولوجيّة الكبيرة باستخدام تقنية دراسة البلورات بالأشعة السينيّة التي تعود إلى عام 1934 عندما سجل العالمان جون ديزموند برنال ودوروثي هودجكين أول نمط لحيود الأشعة السينية لبروتين متبلور وهو إنزيم البيبسين الهضمي. لقد اعتمدت تلك النتائج على عديد من الاكتشافات التي توصل إليها علماء الفيزياء في السابق مثل: فيلهلم كونراد رونتغن مُكتشف الأشعة السينية، و ماكس فون لاو الذي اكتشف تقارب الأطوال الموجية للأشعة السينة مع أطوال المسافات الذرية (المسافة بين الذرات) مما يؤدي إلى حيود الأشعة بواسطة البلورات. كما أدت إسهامات وليام هنري وويليام لورانس براج إلى استخدام نمط الحيود في تحديد التركيب البلوري المكافئ للمادة. نالت هودجكين جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1964 وذلك تقديرًا لما توصلت إليه من استخدامات لتقنيات الأشعة السينيّة في معرفة تركيبات المواد البيوكيميائية المهمة.

تستطيع الجزيئيات البيولوجية أيضًا أن تحيد الأشعة السينية ولكن بشكل أضعف. وتُعد عملية التبلور مفيدة للغاية -كما استخدمها برنال وهودجكين في بلورة إنزيم البيبسين- إذ أنها تؤدي إلى تكرار منتظم لأعداد كبيرة من الجزيئات في شبكة بلورية ثلاثية الأبعاد حيث تعمل على تقوية تلك الإشارات الصغيرة التي نحصل عليها مما يسهل الكشف عنها باستخدام ألواح التصوير الفوتوجرافي آنذاك أو بواسطة أجهزة كشف البكسل النشطة (active pixel detectors) التي تستخدم الآن. لا تمثل تلك الإشارات صورًا للجزيئات، إذ لا يمكن للمادة أن تكسر ثم تركز الأشعة المتبعثرة في بؤرة محددة. ولكن تُعبر الإشارات عن مجموع الأشعة السينية التي تم تحييدها من الأجزاء المختلفة للجزيء. يستخدم علماء الأحياء البنيويّة العملية الرياضية تحويل فورييه (Fourier Transform) لتجميع تلك الإشارات المبعثرة. ومن ثم يتم مساواة المجموع الناتج عن تلك العملية الرياضية مع التركيب الذري المحتمل الذي يتم التوصل إليه من خلال تحليلات دقيقة ( والتي يتم التحكم بها الآن بأجهزة الكومبيوتر).

بالطبع يعتمد الحصول على تلك الإشارات وجود أشعة سينيّة في المقام الأول. ومن جانب آخر تُعد مصادر الإشعاع السنكروتروني -وهي منشآت ضخمة تحتوى على أجهزة تعمل على تسريع حركة الإلكترونات ودورانها في حلقات متتالية- مثالية في عملية بلورة الجزيئات الكبيرة، إذ إنها تولد أشعة سينيّة غاية في القوة وبأطوال موجية متقاربة للغاية. وِفقًا لما جاء به ولوداور، فإن الحصول على مجموعات بيانات الحيود الخاصة بالأشعة السينيّة داخل تلك الآلات التي كانت تستغرق شهورًا  للحصول عليها في المولدات الأنودية الدوارة التقليدية، أصبحت الآن لا تستغرق سوى ثوانٍ فقط كي يتم جمعها.

دفع ذلك التطور التكنولوجي أول عجلة في مجال تركيب الدواء القائم على دراسة الجزيئات البيولوجية الهدف (rational drug)، إذ يدرس العلماء تركيب الجزيئات ووظائفها من أجل تصميم الأدوية التي يمكنها أن ترتبط بها فتوقف نشاطها، أو تلك التي تساعد على وقف انقسام الفيروسات وتضاعفها داخل الجسم. وقد ذُكر أن الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشري (HIV) أحرزت نجاحًا سريعًا في مكافحة انتشار المرض آنذاك، عندما تم تصنيف إنزيم ال(Protease) الخاص بالفيروس في عام 1958 كإنزيم رئيسي في دورة حياته، مما يجعله هدفًا محتملًا لتركيبات الدواء المضادة، فلقد استغرق الأمر أربع سنوات لتحديد أول تكوين بلوري له وست سنوات أخرى لصدور أول مجموعة من الأدوية المرخصة المضادة لهذا المرض. أفاد العالم ولوداو – الذي ساهم في الصراع العالمي ضد المرض- قائلًا:

«ربما تكون هذه واحدة من أفضل الحالات الموثقة التي تفيد بمدى سرعة عمليات تركيب الدواء القائم على دراسة الجزيئات الهدف (rational drug).»

في يومنا هذا قد تسير الأمور بشكل أسرع قليلًا، فبالنظر إلى تلك السنوات الأربع التي استغرقها التوصل إلى تركيب إنزيم الـ (protease) لفيروس نقص المناعة البشري نجد أن ذلك لا يرجع إلى توهج الأشعة السينية أو جودتها، بل يُعزى السبب الرئيسي إلى عدم وجود بلورات كبيرة للإنزيم. يُطبق السنكروترون وليزر الإلكترون الحر الجديد –وهما يستخرجان بيانات الحيود من بلورات الجزيئات في الفيمتوثانية قبل أن تتلاشى- تقنيات مثل: علم بلورات الفمتوثانية التسلسلي لبناء مجموعة بيانات حيود كاملة من عدة مجموعات بيانيّة جزئية خاصة بالبلورات التي يُعتبر حجمها صغير للغاية. علاوة على ذلك، فقد تم أتمتة كل من عمليتيّ التبلر، وجمع بيانات الحيود بحيث لا يحتاج علماء الأحياء البنيويّة إلى زيارة مصدر الأشعة بأنفسهم، إنهم ببساطة يرفعون منشورًا بالبروتينات المطلوبة على موقع إحدى الهيئات المعنية ثم يقومون بتنزيل مجموعة البيانات حالما تصبح جاهزة.

يمثل تحليل فيروس (SARS-CoV-2) المثال الأبرز على هذا النوع من المسارات الحديثة المُتبعة في العمل، فنجد أنه بعد ما يزيد عن الشهر بقليل من تصريحات السلطات الصينية بظهور فيروس تاجي مستجَد وتحديدًا في الخامس من فبراير لهذا العام، قام فريق بحثي بقيادة زيهي راو وهايتاو يانغ بجامعة شنغهاي تك في الصين برفع تكوين هيكل البروتياز الرئيسي المكون للفيروس وإضافته لمحتويات بنك بيانات البروتينات بهذا الرقم التعريفي
(DOI: 10.2210/pdb6lu7/pdb)، وذلك بعد حصولهم على مجموعة البيانات باستخدام تقنية دراسة البلورات بالأشعة السينيّة في منشأة شنغهاي للإشعاع السنكروتروني. علق العالم ولوداو ذات مرة على ذلك قائلًا:

«قبل عقدٍ من الزمان كانت تلك العملية تستغرق عامًا على الأقل»

بالفعل ساعد معرفة تركيب الجزيئات والبروتينات شركات الأدوية على استكشاف تركيبات أدوية محتملة جديدة مثل تلك التي صُنعت لمكافحة فيروس نقص المناعة البشري.

مسار البروتين

إذا استعصى أمر بلورة الجزيئات في بعض الحالات، فلا تزال هناك فرصة للحصول على تركيبات تلك الجزئيات باستخدام تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM)، وهي تقنية طورها كلٌ من جاك دوبوشيه في جامعة لوزان بسويسرا، ويواخيم فرانك من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، وريتشارد هندرسون من مختبر علوم الأحياء الجزيئية (MRC) في كامبريدج بالمملكة المتحدة وهم الحاصلون على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2017. ما يحدث في تجربة تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM)، هو أنه يتم وضع محلول يحتوي على الجزيء البيولوجي أو بعض المركبات المجمعة على حامل العينة (grid) الخاص بالميكروسكوب الإلكتروني  بحيث تتكون طبقة رقيقة من الجزئ أو المركب. وبعد ذلك يتم تجميد الشبكة باستخدام تقنية التجميد السريع في الإيثان السائل لتزجيج العينة، ثم يتم تصويرها بواسطة المجهر الإلكتروني بجرعات منخفضة من الإلكترونات لتقليل الضرر الإشعاعي. لذا فلا حاجة إلى إجراء عملية البلورة نظرًا لتصوير الجزيئات والمركبات مباشرةً.

بفضل تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM)، تمكن دانييل راب ونيانشوانج وانج من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة وزملاؤهما من الحصول على تركيب البروتين الشوكي لفيروس السارس-كوف-2 والذي يُعتقد أنه سوف يُمكِّن الفيروس من شق طريقه وصولًا إلى الخلايا العائلة. لم تستغرق عملية جمع البروتينات وتقديم البحث إلى صحيفة ساينس (Science) في العاشر من فبراير سوى 12 يومًا فقط. علق جيسون ماكليلان كاتب البحث بجامعة تكساس على ذلك قائلًا:

«بدون تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM) لم يكن أيٌ من تلك الإنجازات جائز الحدوث على الإطلاق.»

يُعد تركيب البروتين التكويني الخارجي للفيروسات أكثر فائدة لصنع اللقاحات المضادة للفيروس التاجي (فيروس كورونا) عن الأدوية. لأنه عند تعرض الخلايا العائلة لجسيمات شبيهة بالفيروسات (VLPs) والذي يكون لها السمات الخارجية نفسها بينما تكون مجوفة من الداخل. فإن هذه الخلايا ستساعد الجسم في تكوين مناعة ولكن دون خطر التعرض لفيروس خطير كامل. لقد استخدم ديفيد ستيوارت -عالم الأحياء البنيويّة في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ومدير قسم علوم الحياة في مؤسسة دياموند لايت سورس، “سنكروترون الجيل الثالث”- هذه الخدعة المُخلقة لصنع لقاح جديد لمرض الحمى القلاعية إذ ينتمي هذا الفيروس -الذي لا يزال مدمرًا للماشية في مناطق كبيرة من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا- إلى عائلة فيروسات الحمض النووي الريبوزي (RNA) أحادية السلسلة موجبة الاتجاه التي تشمل أيضًا شلل الأطفال والفيروس الأنفي البشري (HRV)، ويسبب الأخير معظم حالات نزلات برد. يقول ستيوارت:

«لقد تمكنا في السنوات القليلة الماضية فقط من استغلال علم الأحياء البنيويّة لفهم كيفية تكوين المناعة ضد المرض.»

كما يضيف أنه يمكن استخدام معرفة التركيبات الفيروسية لإنتاج “الأجسام المضادة العلاجية” المُخلقة ومهاجمة الخلايا المريضة بشكل مباشر.

في عام 1989، حصل ستيوارت نفسه على تركيب فيروس الحمى القلاعية في مختبر مصدر الإشعاع السنكروتروني (البائد الآن) بدارسبوري، المملكة المتحدة. ولقد كان فعليًّا أحد أول التركيبات الفيروسية التي أُودعت في بنك بيانات البروتينات، لذلك فهو يعرف مدى تقدم التقنيات حتى الآن. ويشير ستيوارت إلى أن:

«الحصول على تلك التركيبات الأولى كان أمرًا جللًا ذي ثِقل!.»

الحذر من المجهول

من المبكر جدًا الجزم بمعدل الوقت الذي يتطلبه تطوير عقار أو لقاح لفيروس سارس-كوفي-2، على الرغم من أن عدد من الشركات منها شركة موديرنا ثيرابيوتكس الأمريكية بدأت بالفعل في تجربة لقاحاتها على البشر ولكن حتى إذا افترضنا نجاح اللقاح فإن توفيره في الأسواق ليصبح في متناول العامة قد يتطلب فترة طويلة قد تصل إلى 18 شهرًا. وصف ستيفن كوساك -رئيس معمل الأحياء الجزيئية الأوروبي (EMBL) الواقع في مدينة غرونوبل بفرنسا- الوباء بأنه يقع ضمن فئة “الظواهر المجهولة التي لم نشهدها من قبل”، واستمدت هذه الفئة اسمها المثير للخوف من الكلمات الشهيرة لوزير الدفاع الأمريكي السابق -التي أثارت جدلًا كبيرًا حينها- وتضم الفيروسات التي اجتاحت العالم دون أن يكون للبشر سابق علم بها مثل فيروس نقص المناعة البشري (HIV) وفيروس زيكا والسارس الذي اجتاح العالم في عام 2002. يشدد كوساك أيضًا على ضرورة ألا ينسينا الخوف من المجهول أهمية الحذر من فئة “الظواهر المعروفة مبهمة الفهم” التي تضم فيروس الإنفلونزا الذي سبق أن اجتاح العالم ثلاث مرات منذ ظهوره للمرة الأولى عام 1918 تحت مسمى “الإنفلونزا الإسبانية” ولعل آخر صوره منه كانت “إنفلونزا الخنازير” التي أصابت خمس سكان العالم وحصدت أرواح أكثر من نصف مليون شخص وعلى الرغم من الهول الذي قد تثيره مثل هذه الأرقام إلا أنها ليست بالمثيرة للقلق حين نعلم أن “الإنفلونزا الموسمية” -التي نضعها ضمن فئة “الظواهر المعلومة”- تحقق أرقام مشابهة عندما يتعلق الأمر بالإصابات والوفيات.

على الرغم من تخصصه في علم الفيزياء أثناء سنواته الجامعية، إلا أن كوساك قضى معظم سنوات حياته المهنية في دراسة فيروس الإنفلونزا كباحث في الأحياء التركيبيّة، وخاصةً إنزيم البوليمراز (Polymerase) وهو الإنزيم المسؤول عن تضاعف الفيروس ونسخه. على غرار أنواع الفيروسات الأخرى، لكي تتضاعف الإنفلونزا تحتاج لإنتاج البروتينات والتي تُنتَج من خلال شفرة جينيّة خاصة بها وتُعرف علميًا باسم الرنا المرسال (mRNA) -الحمض النووي-، ولكي يبدأ انتشار المرض في الجسم تحتاج الإنفلونزا لأن يتشابه الرنا المرسال الخاص بها مع مثيله الموجود في الخلايا السليمة العائلة التي يجتاحها الفيروس حتى تقع الخلايا ضحية لخداع الفيروس وتبدأ في استخدام هذا الرنا المرسال وإنتاج الفيروس داخل جسم الانسان. تحتوي بعض الفيروسات على إنزيمات لتكوين -الحمض النووي- الرنا المرسال (mRNA) الخاص بها دون الاعتماد على خلية العائل، بينما لا تتمكن الإنفلونزا من فعل ذلك مما يدفعها لاختطاف “الغطاء” -وهو تتابعات من النيكوليتدات من نوع الحمض النووي الريبوزي- من الخلايا العائلة من الرنا المرسال (mRNA) كخطوة أولى في عملية النسخ. تَعرَّف علماء الكيمياء البيولوجيّة على تلك الخطوة المسماة “اختطاف الغطاء” منذ سنوات عِدة، إلا أنه في عام 2014 استخدم فريق كوساك تقنيات علم الأحياء البنيويّة لفهم آليتها الأساسية على المستوى الذري. نجد أنه في أحدث إسهاماتهم التي لم تُنشر بعد، أنَّ الباحثين قد استخدموا تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (cryo-EM) لالتقاط صورة لمراحل مختلفة من نسخ البوليميراز بأكمله –بالأحرى عمل فيلم كامل من صور الجزيئات- وذلك من أجل تحديد مواطن الضعف التي يمكن القضاء عليها بالعقاقير والأدوية. يقول كوساك مُعلقًا على تلك النقطة:

«إذا تمكننا من ايقاف آلية العمل ذاتها، فلسوف نتمكن من منع الفيورس من التضاعف والانقسام داخل الجسم.»

يشير كل ما ذُكر سلفًا إلى أنَّ علماء الأحياء البنيويّة مهيأون تمامًا لمجابهة الوباء القادم، سواء أكان من فئة “الظواهر المجهولة التي لم نشهدها من قبل” أو من فئة “الظواهر المعروفة مُبهمة الفهم”، ويظل السؤال مطروحًا: هل تطورت الأساليب التي يتبعها العلماء بما يكفى لوقف جزءٍ من ذلك الحصد الهائل للأرواح التي قد عانت منه البشرية على مر العصور؟ يعتقد هؤلاء الذين يدرسون علم الشبكات (الشبكات المعقدة الخاصة بالبحث العلمي) أنهم قادرون على توقع المعدل الذي ينتشر به الوباء في العالم الحديث، إلا أن ذلك لا يُظهر سوى قِصر المهلة التي يتمكن خلالها العلماء من إيجاد حلٍ للخروج من الأزمة. علاوةً على ذلك، فإن التوصل إلى العقار المضاد يعد خطوة أولى في عملية تنظيميّة طويلة تشمل التصنيع واختبار السُمية والتجارب السريرية.

مع ذلك فليس ثمة ما يضمن النجاح، ففي عام 2018 ظهر أول علاج مُعتمد من الجهات التنظيمية في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وهو “إكسوفلوزا” المضاد لفيروس الإنفلونزا، وأطلقت عليه الصحافة لعدة عقود اسم “العلاج السحري” إذ أنه كان قادرًا على قتل الفيروس في مهده خلال 24 ساعة من تناول جرعة واحدة منه. بعد عام اكتشفت الشركة اليابانية “شيونوجى” التي صنّعت هذا الدواء  أنه يبعد كل البعد عن قدرته على قتل الفيروس، إذ إنه يستطيع أن يتحور بشكل تلقائي في أجسام المرضى التي تتناوله إلي شكل أكثر مرونة. لذلك عمل كلٌ من “شيونوجى” و”كوساك” وزملائهما الذين استخدموا تقنيات علم الأحياء البنيويّة ليوضحوا أنه على الرغم من أن الفيروس المتحور لا يرتبط بقوة مع العقار إلا أنه ليس متكيفًا بالقدر الذي يسمح له بالاستنساخ والتضاعف، مما يترك التساؤلات حول كفاءة العقار. ويضيف كوساك:

«لم يتمكن أحد حتى الآن من تحديد ما إذا كان هذا الدواء سيكون عديم الفائدة في خلال سنة أو اثنتين أم لا”

وهنا يكمن الدرس المستفاد كما جاء على لسان كوساك:

«الفيروس دائمًا أكثر ذكاءً منك، لكننا نعلم ذلك على أيّ حال.»

العالم قرية صغيرة

عندما اجتاح الطاعون المعروف بالموت الأسود سائر دول أوروبا في القرن الرابع عشر، كان التقارب الجغرافي بين قرية وأخرى قد طالها الوباء مؤشرًا واضحًا على احتمالية انتقال العدوى إلى المدينة المجاورة وتفشي المرض بين سكانها. لكن بالنظر إلى العصر الحديث المعولم، لم يعد ذلك ممكنًا بتلك السهولة، على الأقل وفقًا لما أقره عالم الفيزياء “ديرك بروكمان” بجامعة هومبولت في برلين – ألمانيا، وعالم الفيزياء -الذي أصبح عالم اجتماع- “ديرك هيلبينج” من المعهد الفدرالي للتكنولوجيا بزيورخ في سويسرا. في عام 2013، بناءً على نتائج مراقبة المطارات أفاد كلا العالمين أن نماذج الكمبيوتر يمكنها وصف مدى تطور الأوبئة السابقة على نحوٍ أدق مثل وباء إنفلونزا الخنازير الذي ظهر عام 2009. ينتشر الوباء عبر المسافة “المؤثرة” بين نقطتين، تلك المسافة لا تعتمد على عدد الأميال أو الكيلومترات، بل تعتمد على مدى الازدحام وكثافة الحركة في تلك المسافة بين النقطتين. (جريدة ساينتس Science 342 1337).

بالرغم من أن نموذج بروكمان وهيلبينج وغيرهم يُعد مهمًا فيما يتعلق بالتنبؤ بمدى انتشار الفيروسات الحالية ومعرفة التدابير والإجراءات اللازمة لمكافحة الأمراض، إلا أنه يصعب تحديد معدل تدفق السكان وتنقلهم بين المدن بدقة عالية. ومع ذلك فقد أوضح “بيت فان ميجيم” -وزملاؤه من جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا- في تقرير كان قد نشره على الإنترنت في فبراير من هذا العام أنه يمكن عمل بعض التوقعات قصيرة المدى حول معدلات تطور وانتشار فيروس كورونا المستجد -سارس-كوفي-2- من مدينة وهان إلى المدن الأخرى في مقاطعة هوبي الصينية، وذلك عن طريق استنباط معدل تنقلات السكان بين المدن منذ الاستدلالات الأولية للانتشار عوضًا عن الاعتماد على المعلومات السابقة. عند عقد مقارنة بين ذلك النموذج وبين البيانات الفعلية، وُجِد أن توقعات النموذج لمعدل انتشار العدوى في مقاطعة هوبي قبل ثلاثة أيام كانت تقريبًا 7.5% من الأرقام الفعلية (arXiv:2002.04482). وقد علق بيت فان ميجيم على ذلك قائلًا:

«إن وباء فيروس كورونا يُعد فرصة جيدة لاختبار مدى صلابة وقوة أساليبنا.»

 

المصدر