مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»

F451

مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»|مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»|مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»|مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»|

افتتح راي برادبري كلاسيكيته الخالدة «فهرنهايت 451» بأحد أكثر الافتتاحيات شهرة في الأدب الحديث:

كان من دواعي سروره إحراق الأشياء
كانت متعته الخاصة أن يرى الأشياء تتحلل، يتحول لونها للأسود وتتبدل. مثبتًا الفوهة النحاسية بقبضتيه وكأنها أفعى هائلة تبث سمومها على العالم من حوله، حينها كان الدم ينبض في رأسه، ويملك يدي مايسترو جبار يعزف كل سيمفونيات اللهيب والحريق جالبًا رماد التاريخ.

تعرض الرواية النارية منذ بدايتها مجتمعًا ديستويوبيًا حُظرت فيه الكتب، ليغدو اقتناؤها جريمة لا تُغتفر وتقتضي الحرق. فعند اكتشاف أحد الكتب، تُحرق عند درجة حرارة 451 فهرنهايت، ويُلقى القبض على مالكها، ويُحرق المنزل الذي وجدت به عن بكرة أبيه. ويُدعى المسؤولون عن تنفيذ هذه المهمة باسم «رجال الإطفاء»، وتكمن المفارقة هنا في أنهم يُشعلوا الحرائق بدلًا من أن يُطفؤونها.

اشتهر راي برادبري بقصصه القصيرة ورواياته التي تضمنت مواضيعها المستقبل والتكنولوجيا المتقدمة للغاية، وعادةً ما تدور الأحداث في أجواء ديستويوبية. ويعتبر الكثيرون روايته «فهرنهايت 451» أفضل إرث له، رواية الخيال العلمي التي تحكي عن حرق الكتب والروايات. إذ امتلك راي برادبري خوفًا عميقًا مما سيحمله لنا المستقبل إذا واصلنا سيرنا في طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة، سواءً كانت التلفاز، الروبوتات، أو حتى القنبلة الذرية.

مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»
Fahrenheit 451 Cover

السياق التاريخي لمخاوف راي برادبري

كتب راي برادبري روايته «فهرنهايت 451» ردًا على الاتجاهات السائدة أثناء عصره، في خمسينيات القرن الماضي. فبعد اليأس والمذابح التي عانى منها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، شهد الأمريكيون عهدًا ذهبيًا من الثروة والتكنولوجيا آنذاك؛ ازداد عدد السكان، كما ازدهر الاقتصاد بشكل ملحوظ. وتضاعف متوسط دخل الأسرة، مما أدى إلى ازدياد عدد من عاشوا حياة أكثر ثراءً.

ومع زيادة هذه الثروات، زادت الثقافة المادية بصورة أكبر. فكانت مصطلحات مثل الرفاهية والنزعة الاستهلاكية تشكل ملامح هذه الحقبة الزمنية، واتجه أشخاص أكثر لشراء مزيد من الآلات والكماليات. وبشكل خاص، ارتفعت مبيعات التلفاز للغاية.

لكنه كان متواجدًا منذ عقد من الزمن، فلم يكن بالاختراع الجديد. ولكن ما كان جديدًا في الخمسينيات أنه أصبح بأسعار معقولة في متناول أيدي الجمهور العادي، وليس فقط الأقلية من الأغنياء والصفوة. وسرعان ماعُرفت هذه الحقبة باسم «العصر الذهبي للتلفاز». وفي نهاية المطاف، أصبح التلفاز نشاطًا ترفيهيًا رئيسيًا، مُظهرًا رغبتهم في اتباع أسلوب حياة أكثر تسلية ومتعة.

وبالاعتماد على ما شهده راي برادبري في حقبة الخمسينيات، كتب روايته الأشهر عن مجتمع تسيطر فيه التكنولوجيا، ولا سيما التفاز، على حياة الناس. في هذا الزمن لم تكن أجهزة التلفاز بهذا التقدم، لكنه كتب عن الأجهزة الملونة والتي تغطي ثلاثة جدران كاملة من حائط الغرفة، لتشبه رؤيته بشكل مخيف أجهزة التلفاز الحديثة في عصرنا الحالي.

كما شهد راي برادبري إلقاء القنبلة النووية في نهاية الحرب العالمية الثانية، لتتأثر فكرته عن خضوع الشعب تمامًا لتصرفات الحكومة بهذا الحدث الهائل؛ ففي نهاية الرواية، تتعرض المدينة للقصف من قبل جيش لم يكن السكان يعلموا شيئًا عن وجوده من الأساس، غير مدركين على الإطلاق لحقيقة أن الحرب كانت وشيكة للغاية. يمكن للقارئ أن يستنتج بالطبع اقتراب هذه الحرب، لكن أمريكا التي تحكي عنها الرواية لم تتوقع أبدًا قدوم الحرب.

بالغ راي برادبري في وصف أحد معايير الثقافة في وقته، وهو الاعتماد المفرط على التلفاز، ليعبر عن مخاوفه إزاء إلى أين يمكن أن يُؤدي هذا بالإنسانية في نهاية المطاف. وأعرب عن مخاوفه من أن رغبة الناس في الحصول على إشباع فوري لها، والتي غالبًا ما يغذيها الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، من شأنها أن تخلق عالمًا خاليًا من المعنى وعمق التفكير.

 

فيروس المعرفة

أفكر؟ كيف أفكر وقد كان أبي وجدي رجلي إطفاء، وقد كبرت لأكون مثلهما .. لكني ليلة أمس فطنت لحقيقة أخرى هي أن هناك رجلًا وراء كل كتاب .. رجلًا فكر وقضى طيلة عمره يصنع هذا الكتاب الذي نحرقه نحن في دقيقتين.

لنتخيل معًا أن المجتمع قد انهار بالكامل، ليحل محله عالم كئيب تسيطر عليه الشمولية والآلة. وتبسط التكنولوجيا الحديثة سطوتها بالكامل، وتُحرق الكتب. يحل إدمان الأدوات الإلكترونية محل التواصل والتفاعل البشري، ويختار المجتمع التشابه والتطابق بدلًا من الإبداع. انسحقت الشخصية والحرية، ولا توجد أفكار ثقافية؛ فلا يتبع هذا المجتمع سوى النزعة الاستهلاكية، والبحث عن المتعة الفورية.
الفكرة بسيطة هنا: ابقِ الجماهير سعيدة، ولا تسبب إثارة الصراعات.

تبدأ الرواية بتقديم ما يعنيه أن تكون أحد رجال الإطفاء في هذا المستقبل البائس، أن تحرق كل جرام من المعرفة في ذلك العالم. جاي مونتاج، بطل الرواية، هو أحد رجال الإطفاء، والذي يمارس مهنته بكل إخلاص وحب، ولكن هناك أمور غير طبيعية تحدث معه!
حسنًا، ما هي مشكلته تحديدًا؟ ولماذا يعتبر الشخصية الرئيسية في الرواية؟

في البداية، فإن مهنته هي حرق الكتب، ولكنه يحتفظ ببعضها سرًا في فتحات التهوية بمنزله، وهي الكتب التي سرقها من المنازل التي يقوم بحرقها بنفسه، فما الذي يحتاجه رجل إطفاء مخلص من الكتب؟
يحاول راي برادبري الغوص في هذا الموضوع بعمق في الرواية، مستخدمًا هذه المفارقة ليشرح كيف ينتشر هذا الفيروس؛ فيروس المعرفة، الذي ينتشر كالنار في الهشيم.

مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»
The Firemen

وفي المنزل، يجد زوجته ميلدريد قد ابتلعت زجاجة من الحبوب المنومة في محاولة للانتحار. وبعد أن طلب المساعدة، جاء رجلان وتمكنا من إنقاذها. وفي صباح اليوم التالي، تتصرف بتلقائية وكأن شيئًا لم يحدث، وتشاهد البرامج على شاشات التلفاز كعادتها، والتي تحتل ثلاثة جدران من غرفة الصالون، حيث تحول التلفاز ليصبح وسيلة المعرفة الوحيدة في يد النظام الشمولي المسيطر على عقول المواطنين، والذين فقدوا معنى الحياة منذ فقدانهم للمعرفة، ليبث البرامج التفاعلية.

رمزية الرواية

كم كان وجهها كالمرآة .. مستحيل .. كم من الناس عرفتهم يعكسون ضوءك الخاص إليك؟
بحث عن تشبيه فلم يجد إلا ما يناسب عمله .. الناس كالمصابيح تتوهج ثم سرعان ما تنطفئ .. لا أحد منهم يتلقف روحك ويعكسها لك ثانية لتعرف نفسك أكثر

رغبة مونتاج في المعرفة ليست كل ما يدفعه للسعي خلف مجموعة من الكتب. فقد مر بحدث غريب في بداية الرواية، فالتقى بفتاة شابة جميلة تُدعى كلاريس، وهي تختلف عن الفتيات الأخريات في مثل عمرها؛ فهي لا تخرج وتتسابق في السيارات، أو تستمع إلى الهواتف الصدفية (سماعات الرأس اللاسلكية التي تلتقط البث الإذاعي) طوال اليوم، ولا تبحث عن الترفيه بنفس الطريقة التي يبحث بها الآخرون، فهي متأنية، حريصة، وتسأل أسئلة غريبة. فبالنسبة لأشخاص الرواية، فهم يحاولون تجنبها لمجرد أنها تأخذ الحياة بهذه الوتيرة البطيئة. ورغم ذلك، هذه واحدة من المميزات التي تجذب إليها مونتاج.

مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»
Clarisse McClellan

باختصار، تمثل كلاريس كل جوانب عالم الأدب، وبطريقة أو بأخرى يمكن اعتبارها رمزًا لفن الرواية ذاتها؛ فهي تصبح أول صديقة لمونتاج، وتعطيه الشجاعة الكافية ليفكر بنفسه خارج إطار الأفكار العادية التي تملؤها رائحة الكيروسين والنيران، كما أنها تسأله أسئلة هامة، ليبدأ في التشكك في العالم من حوله.
وكانت أهم أسئلتها: «هل أنت سعيد بحياتك؟»، وبعد تأمل عميق في هذا السؤال، أدرك مونتاج أنه ليس سعيدًا على الإطلاق. فهو غير سعيد بمشاهدة زوجته تنزلق ببطء إلى ميولها الانتحارية النابعة من لا وعيها، ولا هو سعيد بالمجتمع سريع الوتيرة المخدَّر ذهنيًا من حوله.

وعلى الرغم من اختفاء كلاريس في منتصف الرواية، من المفترض أنها قتلت على يد إحدى السيارات المسرعة التي يقودها الشباب، إلا أنها ربما تركت أكبر الأثر على حياة مونتاج، وتعتبر نقطة انطلاقه للتعلم من الكتب.

بداية ونهاية كل شيء

يشرح الكابتن بيتي لـ مونتاج، وهو قائد الوحدة التي يعمل بها، بداية عمل رجال الإطفاء قائلًا:

هذا متوقع، هذه لحظة في حياة كل رجال الإطفاء، والسبب أن أحدًا منكم لم يعد يتلقى تاريخ المهنة، هذه أشياء لم يعد يعرفها إلا الرؤساء. أنت تسأل متى بدأت مهنتنا هذه، أقول لك إنها بدأت في الوقت الذي نطلق عليه الحرب الأهلية، الحقيقة أن عملنا لم يتضح إلا في القرن العشرين حين ظهرت الصور الفوتوغرافية والسينما والتلفزيون، وصارت الأمور أسهل. كانت الكتب تروق لبعض الناس هنا وهناك وفي كل مكان، كان بوسع المرء أن يكون مختلفًا، كان العالم فسيحًا.

ثم فجأة امتلأ العالم بالأذرع والمرافق والأفواه، تضاعف عدد السكان مرتين وثلاث مرات وأربع مرات .. حاول أن تتخيل معي رجل القرن التاسع عشر بخيوله وكلابه وعرباته وحركته البطيئة. ثم في القرن العشرين تتسارع الحركة، تصير الكتب أقصر، صارت لها ملخصات، مقتطفات، موجزات مكثفة. أصبح كل شيء يرتكز على المغزى، على النهاية السريعة.
تظهر الصحف والمجلات، كل شيء يغلي. الأعمال الكلاسيكية تُقتطع لتناسب برامج المذياع في القرن العشرين، ثم تُقتطع ثانية لتناسب تعليقًا على كتاب في صحيفة يُقرأ في دقيقتين. ثم ينتهي كتعليق من عشرة سطور في فهرس. لم يعد هاملت إلا صفحة في كتاب يقول: الآن يمكنك أن تقرأ كل الأعمال الكلاسيكية في كتاب واحد.

الناس لم يولدوا متساويين كما ينص الدستور، لكن علينا نحن أن نجعلهم متساويين. لو كان كل إنسان كأخيه لعمت السعادة الجميع، الكتب هي سلاح محشو عند جارك، احرقها، انزع الطلقة من السلاح.
ولهذا ومنذ صارت المنازل معزولة ضد الحريق لم يعد رجال الإطفاء مطلوبين كالسابق، وتحولوا إلى حراس لسلامة عقولنا، مركز خوفنا المبرر من أن نكون أقل من الآخرين، رقباء، قضاة، منفذون، هذا أنت يا مونتاج وهذا أنا.

مخاوف راي برادبري.. نظرة على رواية «فهرنهايت 451»
Books are loaded guns

تحول العالم للبحث عن المعلومات السهلة المختصرة، لم تعجب الكتب الكثيرين لأنها لم تجعلهم متساويين في التفكير، فلجأ النظام للتخلص منها نهائيًا، أحرقها جميعًا، وأصبحت الكتب كحيازة سلاحٍ محرم في منزلك.

في اليوم التالي أثناء العمل، يذهب مونتاج وزملائه لإحراق أحد المنازل، ليتضح أن هذا المنزل هو منزل مونتاج نفسه. يعرف مونتاج أن زوجته هي من أبلغت عنه، بينما تغادر في سيارة أجرة بدون حتى أن تتحدث معه. بعد أن يأمره قائده الكابتن بيتي بإحراق المنزل، يطيع مونتاج الأوامر، ولكنه يحول اتجاه قاذف اللهب نحو القائد بيتي، ليتحول في اللحظة التالية إلى وهج صارخ، لم يعد له علاقة بالبشر وسط النار السائلة التي صوبها مونتاج عليه.

ثم يتمكن مونتاج من الهرب من مطاردة الدولة، ولاحقًا يقابل مجموعة من الرجال يجلسون حول النار. ليخبره زعيمهم، جرانجر، أن كل واحد منهم قد حفظ كتابًا؛ على أمل استخدام المعرفة في إعادة بناء المجتمع، ثم يراقبون بينما تدمر القنابل المدينة.
وفي أعقاب ذلك، يتجه الرجال للمدينة لبدأ مهمة إعادة بناء الحضارة من جديد.

آلاف على الطرق وسكك الحديد المهجورة، متشردون من الخارج، ومكتبات من الداخل. لم نخطط للأمر من البداية، كل واحد كان عنده كتاب يريد أن يتذكره وقد فعل، ثم خلال عشرين عامًا قابل بعضنا البعض، وتعلمنا أنه لا أهمية لنا، نحن مجرد مغلفات للكتب، سنحاول أن نظل أحياء حتى تنتهي الحرب، عندها قد نجلس ليسمع كل منا ما يحفظه وتعود الكتب إلى العالم ثانية.

ليتحول مونتاج بدوره إلى كتاب، ولتعتبر نهاية الرواية بداية جديدة لعالم الأدب، بداية جديدة للبشرية.
لتنتهي مدينة الديستوبيا والتكنولوجيا التي فقدت المعنى والقيمة تحت وابل القنابل في الخلفية، ولتبدأ حياة مونتاج الجديدة، وتتبدل هويته إلى شيء أهم وأعمق كثيرًا وهو الكتاب.

 

كتابة وإعداد: محمد يوسف

المصدر:

Bradbury, Ray. Fahrenheit 451. United States: Ballantine Books. 1953. Print

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي