كازو إيشيجورو (فنان من العالم الطليق)

كازو-إيشيجورو

من بين المرشحين للفوز بجائزة نوبل للأدب لعام 2017 وعلى رأسهم: الكاتبة والروائية والشاعرة الكندية (مارجريت آتوود- Margaret Atwood)، والكاتب الكيني (نجوجي وا ثيونجو – Ngũgĩ wa Thiong’o)، والكاتب الياباني (هاروكي موراكامي)، وقع الاختيار على (كازو إيشيجورو- Kazuo Ishiguro).

أبدت (سارة دانياس – Sara Danius) -السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية- تعقيبها على فوز (كازو إيشيجورو) بجائزة نوبل للآداب لعام 2017 قائلةً: «-في أعقاب الضجّة التي أثارها اختيار الفائز بـ جائزة نوبل للعام الماضي- نأمل أن ينال اختيار هذا العام استحسان الجمهور».

وقد كان المغني والملحن والشاعر الأمريكي (بوب ديلان) هو اختيار العام الماضي للفوز بجائزة نوبل للآداب لعام 2016 لـ«إضافته مصطلحاتٍ شعريةٍ جديدة لتراث الأغنية الأمريكية» مما أثار جدلًا كبيرًا من البعض حول الاختيار خصوصًا أن (ديلان) كان قد تخلَّف عن الحضور واستلام الجائزة مما أضفى اشتعالًا لجمرة الاستياء لدى الجمهور.

وقد عقّبَ الروائي والصحفي البريطاني (هاري كونزرو- Hari Kunzru) على فوز ديلان قائلًا: «لقد كان ذلك أضعف اختيار للفوز بجائزة نوبل على الإطلاق، بعد اختيار (أوباما) للفوز بها فقط لعدم كونه (بوش)!».

 

وُلد إيشيجورو في ناجاساكي، اليابان، في الثامن من نوﭬمبر/ تشرين الثاني لـعام 1954. انتقلت عائلته إلى المملكة المتحدة عندما كان في الخامسة من عمره. درسَ إيشيجورو الكتابة الإبداعية في (جامعة آنجليا الشرقية- University of East Anglia). ثم قام بنشر أولى أعماله «مشهد شاحب من التلال»، في عام 1982. ومن ثَمّ أصبح كاتب وروائي بشكلٍ رسمي.
وصفت (سارا دانياس) مؤلفات إيشيجورو على أنها مزيج من إبداعات الروائية الإنجليزية (ﭼاين أوستِن- Jane Austen) و(فرانز كافكا)، مضافًا إليه بعضًا من نكهةِ الروائي والناقد الفرنسي (مارسيل بروست- Marcel Proust)، ومن ثم نحصل على القوام الإبداعي الأدبي لـ إيشيجورو. وقد أبدت سارا أن روايتها المفضلة لـ إيشيجورو هي «العملاق الدفين – The Buried Giant»، ولكنها وصفَت رواية «بقايا النهار– The remains of the day» بـ أنها «تُحفةٌ فنيةٌ رائعة تبدأ على نمط الكاتب الإنجليزي العظيم (بيلام جرانـﭬـيل وودهاوس- PG Wodehouse) وتنتهي على النمط الكافكي –نسبةً إلى الكاتب التشيكي فرانز كافكا-».
و أضافت: «إنه مهتم جدًا بفهم مسار الماضي ولكنه لا يُعَد كاتب على النمط البروستي -نسبةً إلى (مارسيل بروست)- لا يعتزم إصلاح الماضي، إنه يقوم في المقام الأول بمكاشفَةِ ما يجب تخطِّيه، من أجل النجاة.. سواءً للفرد أو المجتمع».

تحتل فكرة الوعي الفردي ومحاولة التعرف على الذات إلى جانب تِكنيك استرجاع وتأمل الذكريات ومطاردتها المستمرة مساحةً كبيرة من أسلوب إيشيجورو الأدبي. إن ابطال إيشيجورو يسعون دائمًا للتغلب على إحساسهم بالفقد من خلال محاولة فهم ماضيهم وتذكره بشكل دائم.

إن روايتيه «مشهد شاحب من التلال-A pale view of Hills» عام 1984، و«فنان من العالم الطليق–The Artist of the floating world» عام 1986 تمثِّلان نموذجين تطبيقيين لهذا التكنيك. فكل روايةٍ منهما تأخذ القارئ في رحلةٍ داخل عقلِ وذاكرةِ بطَلِها الياباني؛ (إتسكو) و(أونو)؛ لنجد أن الذكريات الشخصيّة لكِلتا الشخصيتين ممتزجة بشكل معقّد مع أحداثٍ تاريخيةٍ هزَّت العالم على نطاقٍ واسع. تم تأليف روايتي «مشهد شاحب من التلال» و«فنان من العالم الطليق» في الحقبة ما بعد كارثتيّ هيروشيما وناجاساكي على التوالي، هذه الأحداث الصادمة ساهمت في تشكيل بناء وندوب هاتين الروايتين؛ واللتان تتناولا بحرفيةٍ وإتقان فكرة القمع الاستراتيجي.
إن روايتيّ «مشهد باهت من التلال» و«فنان من العالم الطليق» ليْستا روايات تاريخية صريحة. هما ليستا استقصاءاتٍ تاريخية حول أحداث هيروشيما وناجاساكي، ولكنها تجسيدات نفسيَّة شعوريَّة لكيفية تعامل شخصيات الرواية مع هذه الأحداث الدامية.

وكذلك بالنسبة لروايتيه «بقايا النهار–The remains of the day» عام 1989، و«عندما كنا يتامى-When We were orphans» عام 2000، فقد تم فيهما تناول الحربين العالميتين الأولى والثانية بمنظورٍ أبعد من مجرد سرد الأحداث.

في روايات إيشيجورو، تقوم الشخصيات بالخداع أكثر من المكاشفة مع ذواتهم من خلال السرد. حيث لا تهدف روايات إيشيجورو لنقل الماضي بشكلٍ إقناعي، ولكن تستهدف تتبع كيفية تفسير تلك الشخصيات وإعادة صياغتهم لماضيهم الشخصي. فمثلًا في رواية «مشهد شاحب من التلال» والتي ترويها أحد شخصيات الرواية (إتسكو) التي تعيش في إنجلترا، يستحثُّ وصول ابنتها الثانية (نيكي) إلى انجلترا ذاكرتها، لتتذكّر حادثِ فَقْد ابنتها الأولى (كيكو) التي ماتت منتحرةً في مانشستر. وبينما تبدو حكاية إتسكو متوجهةً نحو التحاور حول صداقتها القديمة في اليابان مع (ساتشيكو) وابنتها (ماريكو)، تتضمن الرواية في الوقت نفسه تنويهًا عن مطابقة شخصية ساتشيكو مع شخصية إتسكو، وشخصية ماريكو مع كيكو.
إذن إلى أيِّ مدى تقوم إتسكو بإخفاء أو مكاشفة الماضي من خلال ذكرياتها؟!

هذا ما تركه إيشيجورو تمامًا للقارئ ليقوم بحسمه.

في روايته «لا تدعني أرحل أبدًا – Never let me go»، التي صدرت عام 2005 والتي تم اختيارها ضمن الترشيحات للفوز بجائزة بوكر..
تتساءل (كاثي) إحدى الشخصيات الرئيسية للرواية واللسان الراوي للأحداث عن ماهية هويتها وما هي طبيعة انتمائها للبشر، وفي نهاية الرواية يُترك الأمر للقارئ أيضًا في حسم ما إذا استطاعت (كاثي) التعرف على هويتها بالفعل أم لا.
يتناول إيشيجورو أيضًا في هذه الرواية مسألة المفاضَلَة بين التعرُّفِ على الحقيقةِ في مقابلِ مواجهةِ ألمِها أم المكوثِ بداخلِ شرنَقَةِ الجهلِ المعسولةِ والمغزولةِ بـ سكَّرِ الوَهم..
فنجد أنَّهُ قامَ بـ طرحِ الاتجاهيْنِ ممَثَّلين في شخصيتين: السيدة (إيميلي) التي ترى أن عدم معرفة أطفال مدينة (هيلشام) لحقيقة وجودهم وتفادي ألم هذه الحقيقة هو أفضلُ لهم، والسيدة (لوسي) التي تُرجِّح جدوى إعلامهم بحقيقة الأمر ومواجهة الألم فضلًا عن الانخراطِ في الوهم.
تتخذُ الرواية اسم أغنية بوب لـ (ﭼودي بريدﭼوتر- Judy Bridgewater)، وهي الأغنية التي تفضِّل بطلة الرواية وراويتها (كاثي) الاستماع إليها والاستمتاع بها في غرفتها المنفردة في مؤسسة مدينة هيلشام أثناء طفولتها. تتخيل الطفلة كاثي ببرائتها الغضَّة أن كلمات الأغنية هي حوار أُمٍّ لطفلها، وأحيانًا يتم العثور على كاثي أثناء رقصها على أغنيتها المفضلة بينما تحتضن وسادتها وكأنّها طفلها التخيّلي، وما يحطم قالب النمطية هنا لسيناريو المشهد هو ردة فعل السيدة التي تعمل في المؤسسة عندما شاهدت كاثي، مزيجًا من الهلعِ والبكاء، وبمرور الأحداث نكتشف السبب. مؤسسة (هيلشام) هي مؤسسة تجريبية للاستنساخ! تم إنشاء المؤسسة من أجل توفير الأعضاء الحيوية لعمليات زراعة الأعضاء البشرية. قامت السيدة فيما بعد بتوضيح سبب بكائها لـ كاثي عندما أخبرتها أنها بدت لها وهي طفلة راقصة متغنِّية بكلمات الاغنية أنها تلتمس من العالم الأكبر والأكثر إنسانية.. أن «لا يدعها ترحل أبدًا».
تم تقديم الرواية في فيلمٍ يحمل الاسم ذاته عام 2010، وهو بطولة (كيرا نايتلي-Keira Knightley) و(أندرو جارفيلد-Andrew Garfield).

صرحت سارا دانياس خلال تسليم الجائزة لـ إيشيجورو أن أعماله «ذات طاقةٍ عاطفيةٍ قوية، استطاع من خلالها الكشف عن الهاوية خلف الشعور الواهم بالارتباط بالعالم»
حيث تميَّز أسلوب إيشيجورو المتفرِّد، بالقدرةِ على تجسيد الطابعِ العبثي والجانب الأجوف والمُفزع للحياة، وبهذا يمكننا القول أنه يتسم بـ شيءٍ من العبثية الصادمة لـ (سَمويل بيكِت- Samuel Bickett).
يقول إيشيجورو على لسان أحد شخصيات روايته «بقايا النهار»:
«لا يمكن للإنسان أن يصطدم بالحقيقة حتى يتم دفعه لذلك بواسطة حدثٍ خارجيٍّ عابرٍ من قبيل الصدفة البحتة»
إن أعمال إيشيجورو تسرِّب للقارئ شعورًا بالخَدَر ببراعةٍ تامة، ببطء.. ولكن بدقةٍ وبشكلٍ مؤلم.
إن كتاباته تسرِّب للقارئ شعورًا مخترقًا لكيانه، شعورًا بشيءٍ يستشعره لكنه لا يدركه، أو شيءٍ يدركه.. لكنه فَقَده!

 

أبرز الأفلام المقتبسة عن روايات إيشيجورو:

– Never Let Me Go: https://goo.gl/gpJI7

– The Remains of the day: https://goo.gl/Gi7uW2

أبرز أعمال إيشيجورو المترجمة:

رواية «بقــــــــــــايــــــــــــــــــا النــــــــــهـــــــــــــار»: https://goo.gl/9C3id6

رواية «فنان من العالم الطليق» : https://goo.gl/RJi8tP

رواية «مــــــــن لا عــــــــــــــزاء لـــــهم» : https://goo.gl/4xHLX5

رواية «عندما كــنا يـــــــتامـــــــــــــــى» : https://goo.gl/WMWyqM

 

كتابة وإعداد: آلاء محمد مرزوق

المصادر:
(1) “Kazuo Ishiguro.” Literature, 1 Jan. 1970, literature.britishcouncil.org/writer/kazuo-ishiguro.

https://goo.gl/H7BykN

(2) Ellis-Petersen, Hannah, and Alison Flood. “Kazuo Ishiguro wins the Nobel prize in literature 2017.” The Guardian, Guardian News and Media, 5 Oct. 2017, www.theguardian.com/books/2017/oct/05/kazuo-ishiguro-wins-the-nobel-prize-in-literature.

https://goo.gl/yNxErz

(3) Ha, Thu-Huong. “Why Kazuo Ishiguro won the Nobel prize for literature.” Quartz, Quartz, 5 Oct. 2017, qz.com/1095290/kazuo-ishiguro-wins-the-nobel-prize-for-literature-for-his-quiet-dreadful-novels/.

https://goo.gl/1h91bJ

 

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي