تيلسكوب فيرمي: دراسة مصادر الطاقة العليا في الكون.

ب

 يعد تيلسكوب أشعة جاما أو ما يعرف بـ تيلسكوب فيرمي (Fermi) أحد أدوات استكشاف الفضاء، والمصمم لدراسة الكون من خلال دراسة أنواع معينة من الترددات عالية الطاقة تسمى أشعة جاما. يتضمن هذا المستكشف تعاونًا مشتركًا بين كلٍّ من وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، والهيئة الأمريكية للطاقة، وعدد من الشراكات الأخرى الأمريكية والدولية. تم إطلاق المهمة عام 2008 واستمرت في العمل حتى منتصف هذا العام.

الجدول الزمنى للمهمة ومراحل تطورها

أطلقت أكاديميات العلوم الوطنية عام 2000 استطلاع رأي يتعلق بتحديد أكثر الموضوعات البحثية أهمية خلال الأعوام القادمة التي تقع ضمن أولويات المجتمعات العلمية. وطبقًا لما أعلنته وكالة ناسا، كانت الحاجة إلى مهمة تقوم بدراسة اشعاعات جاما عالية الطاقة على قائمة تلك الألويات، والتي تقع في حدود المشروعات المتوسطة.

يرى العلماء أن تلسكوب فيرمي هو خليفة تيلسكوب ناسا السابق (كومبتون- Compton) المختص بدراسة أشعاعات جاما، والذي أدى مهمته في الفترة بين عامي 1991 – 1999. حيث تقول وكالة ناسا بأن مجال رؤية المستكشف فيرمي وقدراته على مسح السماء تعادل ضعف حجم أحد أجهزة كومبتون، وبدقة تزيد عنه ب 30 مرة. كما قد تم تصميم فيرمي لأن يكون مكملًا لمهمة المستكشف (نيل جهرليس سويفت-Neil Gehrels Swift)، حيث يقوم سويفت بفحص أماكن حدوث انفجارات جاما وما يحدث بعدها.

تصف ناسا المستكشف فيرمي بأنه ( مجال مشترك بين الفيزياء الفلكية والفيزياء الجزيئية) حيث تم تطويره بواسطة وكالة ناسا بالتعاون مع هيئة الطاقة الأمريكية؛ إضافة إلى شراكات دولية مع فرانسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان،السويد، وبعض المعاهد بالولايات المتحدة. حيث وصلت تكلفة هذا المشروع إلى 690 مليون دولار، تكفلت الولايات المتحدة وحدها ب600 مليون دولار، فيما ساهمت باقي الدول بباقي تكلفة المهمة 90 مليون دولار.

كان من المفترض أن يتم تسميت المستكشف فيرمي ب (جلاست- GLAST) حتى وصل إلى مدار عمله، حيث تم إطلاقه 11 مايو عام 2008 من محطة القوة الجوية (كاب كانافيرال- Cape Canaveral) محملًا على صاروخ دلتا 2 من النوع الثقيل. تم وضعه في مساره الدائري حول الأرض، بارتفاع يصل إلى 560 كيلومتر. حيث يقوم بعمل دورة كاملة حول الأرض كل 90 دقيقة. وتم اتخاذ هذا المسار لتجنب اصطدامه بالجسيمات المشحونة حول الأرض والتي قد تتسبب في اعطاءه موجات خلفية غير مرغوبة، مع المحافظة على تنفيذه لمهمته على أكمل وجه. هذا ما صرحت به وكالة ناسا الأمريكية.

تم تصميم فيرمي بحيث يستمر عمله لمدة مابين 5 إلى 10 أعوام، حيث أكملت المهمة عامها العاشر في مايو الماضي، ويتوقع أن تنهي مهمتها في نهاية هذا العام.

المهام العلمية للمستكشف فيرمي

تم تصميم فيرمي لفحص أشعاعات موجات جاما، التي تعد الصورة الأعلى طاقة من الموجات الضوئية، كما تعد موجاتها ضمن طيف الأشعاعات الكهرومغناطيسية، مثلها مثل موجات الضوء المرئي التي ترى بالعين المجردة؛ إلا أنها وفي نفس الوقت تحوى طاقة تزيد بمليارات المرات عن تلك الخاصة بالضوء المرئي.

عند المسح خلال أشعة جاما، يتم رؤية أنواع عديدة من الأجسام الغريبة تلمع بشدة. تمكن العلماء من رؤية انفجارات أشعة جاما، والتي تعد أقوى الانفجارات في الكون بأسره، والتي يتوقع أن تكون السبب الرئيسي وراء حدوث انقراض هائل على كوكب الأرض في أحد العصور. يوجد أيضا نوع من الانفجارات التي تحدث على سطح الشمس تسمى بالتوهجات الشمسية (Solar flares) والتي تلمع بشدة في نطاق موجات الضوء المرئي وأشعة جاما أيضا. اضافة إلى وجود نوع معين من النجوم يطلق عليه (النجم النابض- pulsars) تتميز بكثافتها العالية للغاية وسرعة دورانها، تعد هي الأخرى أحد مصادر اشعاعات جاما.

يود الباحثون فحص إشعاعات جاما من أجل الوصول لفهم أكبر لأحد مكونات الكون الغامضة (المادة المظلمة-dark matter) فقد اعتقد العلماء في البداية أن وجود كثافة عالية لأشعة جاما قد تكون دليلًا للمادة المظلمة، إلا أن الأبحاث اللاحقة وضعت هذا الافتراض محل شك. على الرغم من أن المادة المظلمة تشكل نسبة كبيرة من حجم الكون، إلا أنه لا يمكن رؤيتها بواسطة أي من التليسكوبات التقليدية، حيث تعد الطريقة الوحيدة لرؤيتها عن طريق رؤية تأثيرها على الأجسام الأخرى، مثل تأثيرها على الجاذبية. سيساعد فهم المادة المظلمة الباحثين للحصول على توقعات أفضل بخصوص بعض الأشياء مثل حركة النجوم ومصير الكون.

طبقا لما أوضحته وكالة ناسا، يمكن إيجاز المهام الأساسية للمهمة فيرمي فيما يلي:

  • استكشاف أشد الظروف ضراوة في الكون، حيث تتواجد في بعض الأماكن ظروف طبيعية عالية الطاقة، تفوق مثيلاتها على الأرض بملايين المرات.
  • البحث عن أي أدلة لقوانين فيزيائية جديدة، وحل اللغز المحير للمواد الأساسية المكونة للمادة المظلمة.
  • معرفة كيف يمكن للثقوب السوداء أن تزيد من سرعة أجسام ضخمة للغاية، لما يقترب من سرعة الضوء نفسه.
  • فك اللغز الكامن وراء الأنفجارات الهائلة بالغة القوة، والتي تعرف بانفجارات أشعة جاما (gamma-ray bursts).
  • وأخيرًا، محاولة الإجابة عن بعض الأسئلة الأزلية المتعلقة بعدد كبير من الموضوعات، مثل الانفجارات الشمسية، النجوم النابضة، المصدر الرئيسي للاشعاعات الكونية.

وفقًا لما أعلنه مركز جودارد (Goddard) للرحلات الفضائية التابع لوكالة ناسا، فلكي يبدأ المسبار فيرمي  في مهامه، كان عليه أن يقوم بحمل أداتين رئيسيتين، الأداة الأولي والتي تعد الرئيسية هي التليسكوب واسع النطاق (LAT)، والأداة الثانية والتي تعد المكملة للأولى وتعرف بجهاز مراقبة انفجارات أشعة جاما (GBM).

ولفهم أفضل لكيفية رؤيته لترددات الطاقة، علينا في البداية أن نعرض تعريفًا مبسطًا لما يسمى بالاليكتروفولت (eV)، ويعرف بأنه كمية الطاقة التي يكتسبها الكترون عند زيادة الجهد الكهربائي بمقدار واحد فولت. وطبقًا لموسوعة العلوم البريطانية (Encyclopedia Britannica)، يعرف الجهد الكهربي على أنه الجهد اللازم لتحريك شحنة واحدة من مكان لأخر في اتجاه مضاد للمجال الكهربي.

من المعروف أنَّ طاقة موجات الضوء المرئي تتراوح مابين 1.6- 3.4eV. ويتم تقسيم مستويات الطاقة تلك إلى عدة أقسام تبعًا لمقدارها كالآتي: كيلو-الكترون فولت (الف فولت keV)، ميجا-الكترون فولت (واحد مليون فولت MeV)، جيجا-الكترون فولت (واحد مليار فولت GeV)، وهكذا. ولأخذ فكرة عن حجم الطاقة التي نتحدث عنها،  فإن كمية الطاقة الناتجة من تفاعل انشطار نواة واحدة ينتج حوالي 200 ميجا فولت. بعد معرفة كل هذا، يمكننا فهم قدرة تلسكوب فيرمي بصورة أفضل، حيث يتراوح نطاق عمل تليسكوب فيرمي في رؤية الأجسام التي تصدر طاقة تتراوح مابين ثمانية ألآف كيلو فولت keV، وحتى 300 مليار كيلوفولت GeV.

يستطيع لجهاز مراقبة انفجارات أشعة جاما (GBM) رؤية جميع الأنحاء في الكون، وهو معد لرصد حوالي مأئتي انفجار لأشعة جاما كل عام، اضافة إلى قدرته على مراقبة بعض الظواهر الأخرى كالتوهجات الشمسية، حيث يستطيع تحليل موجات اكس وجاما التي تتراوح طاقتها مابين 8 ألآف كيلوفولت وحتى 30 مليون فولت.

بينما يستطيع التليسكوب واسع النطاق (LAT) مراقبة 20% من السماء في آنِّ واحد، وعند ضبطه على نظام المسح الافتراضي، يستطيع اكمال دورة كاملة كل ثلاث ساعات؛ كما يستطيع الباحثون تحديد الأشياء التي يريدون البحث عنها فقط. وقد تم تصميم هذا الجهاز لرصد الفوتونات التي يقع نطاق طاقتها مابين 30 مليون فولت، وحتى 300 مليار فولت. كما تم تصميم التلسكوب التحرك من تلقاء نفسه عند ملاحظة أي من الأداتين لأي أنفجار لأشعة جاما.

أهم الظواهر التي تم رصدها

في عام 2010، تمكن فيرمي من اكتشاف فقاعتين ضخمتين من المواد، تقع في مركز مجرتنا درب التبانة. تم عمل العديد من الاستكشافات لهاتين الفقاعتين بواسطة أطوال موجية مختلفة مثل اشعة أكس، ومرجات الراديو، اضافة إلى تدخل المسبار هابل عام  لدراستها، وقد أعلنت نتائج هذه الدراسات عام 2015 أن سرعة دوران هاتين الفقعاتين تصل إلى 2 مليون ميل في الساعة (3.2 مليون كليومتر/ساعة)

تقوم وكالة ناسا الفضائية بعمل اصدار دوري للخرائط التي يتم رصدها بواسطة فيرمي على مدار عدة أعوام، أحد هذه الاصدارات كان في عام 2011، والذي تضمن بيانات تم الحصول عليها لمدة عامين كامين، والمثير أن أكثر من ثلث هذه البيانات كان قد تم التقاطها لأول مرة. في نفس العام أيضًا، أعطى تيلسكوب فيرمي عدد كبير من النتائج، كان من ضمنها اكتشاف 9 نجوم نابضة جديدة، وأكتشاف افجار غامض وقع بالقر من السديم كراب (Crab).

في عام 2013، أعلنت وكالة ناسا أن المسبار فيرمي قد تمكن في العام الماضي بتفادي الاصطدام بقذيفة تزن 1.5 طن. فقبل عام وفي شهر مارس بالتحديد. حيث قد أظهر تقريرًا سابقًا يفيد بأن فيرمي على بعد اسبوع من اصطدام مدمر محتمل بأحد الأجسام الفضائية يسمى 1805، وهو أحد بقايا الأقمار الصناعية التجسسية، من حقبة الاتحاد السوفيتي، والذي تم اطلاقه للعمل في ستينيات القرن الماضي، أثناء فترة الحرب الباردة. فقد تم تحليل خط السير المتوقعة للجسمين، وتبين أنهما سيكونان على بعد عدة مئات الاقدام من بعضهما (والتي مسافة صغيرة جدا يتم عادة احتسابها هامشًا عند دراسة الخطوط المستقبلية لسير الأجسام الفضائية). تمكن المهندسون من تشغيل حركات الدفع الخاصة بفيرمي لثانية واحدة لتجنب وقوع تلك الكارثة المتوقعة.

في أغسطس الماضي لهذا العام، أعلنت ناسا أنه من الممكن أن يتم مد مهمة فيرمي لنهاية العام، كي يكون لدى الباحثون المزيد من الوقت لمحاولة الربط بين أشعة جاما والكتلة المظلمة.

في عام 2014، قام موقع LiveScience  بنشر قصة تحكي عن اختبار ظاهرة وميض أشعة جاما التي تصدرها الأجسام الأرضية، وهي عبارة عن ومضات من أشعة جاما تصدرها الأرض خلال فترة حدوث العواصف. حيث يمتلك مرصد فيرمي القدرة على رصد مثل تلك الاشعاعات، وغيرها التي تصدر من الأجسام البعيدة أيضًا.

وفي نفس العام، تمكن فيرمي من رصد موجات أشعة جاما  تحت تأثير عدسات الجاذبية (gravitational lens)، وهذا عبارة عن موجات ضوئية صادرة من أجسام بعيدة، تم تشتيتها عند مرورها بالقرب من الأجسام الضخمة بفعل جاذبيتها الكبيرة.

وفي عام 2015، صدرت بعض الأبحاث من المسبار فيرمي تقترح أنه من الممكن أن تكون أشعاعات جاما التي تم اكتشافها قد تتضمن مجالًا مغناطيسيًا حدث في غضون أجزاء من الثانية (nanoseconds) من الانفجار الكبير أثناء نشأة الكون. إلى أن الباحثون لم يستطيعوا تأكيد هذا الأمر نظرًا لضعف هذه الموجات، والتي تحتاج المزيد من الوقت من الاستكشاف والتأكد من صحتها.

في دراسة أخرى تمت بواسطة المسبار فيرمي من نفس العام، أعلن الباحثون أن هناك نوع غامض من أشعة جاما منتشرة في الكون بأسره، يعتقد أن تكون من مصدر مألوف. وفي عام 2016، بينت دراسة جديدة أنه من الممكن أن تكون الكتلة المظلمة لها دور صغير في تكوين اشعاعات الخلفية الكونية لأشعة جاما. تم اصدار خريطة سماوية في نفس العام توضح مصادر أشعة جاما في الكون بأعلى جودة تم صدورها على الطلاق.

مؤخرًا، طبقًا لدراسة عام 2017، تبيّنَ أنَّ هناك دور للطاقة الشمسية في نشأة أشعة جاما، حيث تم الربط بين حدوث بعض الانفجارات الشمسية الخفية، وملاحظة بعض انفجارات أشعة جاما بواسطة المسبار فيرمي. وفي شهر مارس من هذا العام، حدثت مشكلة في أحد المستقبلات الشمسية المسؤولة عن وضع التلسكوب في الوضع الموفر الأوتوماتيكي. وبسبب هذا العطل، قام المهندسون بتحريك وضعية المسبار لزاوية ثابتة ملائمة لمحور دورانه، حيث تساعد هذا الوضعية على تجميع أكبر قدر من أشعة الشمس وتعريضها إلى اللوح الشمسي المتوقف عن العمل. حيث أقرت وكالة ناسا في مايو أن المسبار فيرمي قد عاد إلى عمله الاستكشافي.

 

المصدر:

(https://www.space.com/41191-fermi-gamma-ray-telescope.html)

ترجمة: مجدي ممدوح محمد

مراجعة: آية غانم

#الباحثون_المصريون

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي