الأَدب الإِنجليزي في عصرِ النهضة

canvas-1

الأدب الإنجليزي

عصر النهضة: 1550م – 1660م

الأدب والعصر

يمثل (العصر الإليزابيثي – the Elizabethan period) والعصور المبكرة من حكم (أسرة ستيوارت – the Stuarts) أكثر القرون إبهارًا على الإطلاق، حيث تميَّز الأدب فيه بإنجازاته الشَّاقَّة والرَّائعة. وقد بدأت فترة حكم الملكة (إليزابيث الأولى – Elizabeth I) عام 1558م، وانتهت بوفاتها عام 1603م؛ وخلفها ملك إسكتلندا (جيمس السادس – James VI) من أسرة (ستيوارت)، والذي حصل أيضًا على لقب (جيمس الأول – James I) ملك إنجلترا. وخلال فترة عهده كـ (جيمس الأول – James I) من عام 1603م إلى عام 1625م، يُعرف الأدب الإنجليزي باسم الأدب اليعقوبي (Jacobean). وقد أسفرت هذه السنوات عن عددٍ من الكتَّاب العباقرة، فالبعض منهم لم يمتاز عليه أحد أبدًا، فلم يمتلك أحد مواهبًا كمواهبهم التي يُحسدون عليها، وهى القدرة على الكتابة بطلاقةٍ وإبداعٍ وحيويةٍ. ومن وجهة نظر واحدة، تبدو هذه النهضة المفاجئة مشرقة، وواثقة، وملحميّة ومتأخرة، ولكنه هو الأمر الذي يجعلها أكثر إبهارًا. ولكن من وجهة نظر أخرى، كانت هذه حقبة من الضغوط المؤلمة غير المعهودة، حيث خضع خلالها المجتمع الإنجليزي لاضطراباتٍ هائلةٍ أحدث تحولًا على جميع الجبهات وأثرت بشكل حاسم على حياة كل فرد. ففي اللحظة الوجيزة الحادَّة التي استوعبت فيها إنجلترا النهضة الأوروبية، كانت الظروف التي أتاحت هذا الاستيعاب تتداعى بالفعل وتثير الشك في الحقائق المكتسبة حديثًا، بالإضافة إلى الحقائق الأقدم المُزاحة. وهذه الإزدواجية، في إدراك الفرص والشكوك الجديدة في وقت واحد، أعطت الأدب قوة منقطعة النظير.

الأوضاع الاجتماعية

وخلال هذه الفترة تضاعف عدد سكان إنجلترا؛ فارتفعت الأسعار ارتفاعًا باهظًا، وتلتها الإيجارات، وانحلَّت الملكيات الاجتماعية القديمة، واُستغلَّت لأول مرةٍ الأوردة الصناعية والزراعية والتجارية الجديدة. ووصلت الأجور الحقيقية إلى أدنى حد لها في عشرينيات القرن السابع عشر، ومرَّت العلاقات الاجتماعية بحالةٍ من التَّقلب انتفع منها التجار والرجال الطموحون الأقل شأنًا على حساب الأرستقراطيين والعمال، الأمر الذي تتذمر منه المقطوعات الهجائية والكوميديات في تسعينيات القرن السادس عشر. ووراء رواج الشعر الرعوي في العصر (الإليزابيثي) تكمن حقيقة ازدهار أحوال رعاة الأغنام، الذين سعوا إلى زيادة المراعي على حساب سكان الريف. ولا يمكن لابتذال سلالة (تيودور – Tudor) بشأن النظام والرتب الاجتماعية أن يواجه أو يصمد أمام التحديات التي يطرحها حديثي العهد بالغنى بشأن الطبقية الاجتماعية. ودائمًا ما كان منصب العرش غير مستقر وغير آمن ماليًا، على الرغم من سيطرته سياسيًا، وعندما فقد (تشارلز الأول – Charles I) ثقة أكثر رعاياه في أربعينيات القرن السابع عشر، انهارت سلطته الحاكمة. وفي هذه الأثناء، تقهقرت طبقة الفقراء بدرجة أكبر عن طبقة الأغنياء؛ وقد قامت منشورات (توماس هارمان – Thomas Harman)، و(روبرت جرين – Robert Greene)، وكذلك (الملك لير – King Lear) بقلم (شكسبير – Shakespeare) بتقديم لمحات عن عالمٍ مروع من التَّشرد والجريمة، وهى أكبر مشاكل العصر (الإليزابيثي) الاجتماعية المستعصية.

الثورة الفكرية والدينية

وصاحَب الاضطراب الاجتماعي شبه المعلن ثورةٌ فكرية، حيث انهارت توليفة العصور الوسطى أمام العلم الحديث، والدين الجديد، والحركة الإنسانية الجديدة. وبينما استخدمت أسرة (ستيوارت) التقنيات الميكانيكية الحديثة في إقامة حفلات التنكر العجيبة الجميلة في البلاط الملكي، كانت اكتشافات الفلكيين والمستكشفين تعيد رسم الكون على نحوٍ مثيرٍ للقلق الشديد:

ويعترف الناس صراحةً أن الدنيا قد ولت، على حين أنهم في الكواكب وفي القبة الزرقاء يتلمسون الكثير من الجديد… (جون دون – John Donne)، الذكرى الأولى، 1611م.

وتأثر غالبية الناس على نحو مباشر أكثر بالثورات الدينية في القرن السادس عشر. فإن كان أحدهم في مراحل البلوغ المبكرة عند إرتقاء (إليزابيث) العرش في عام 1558م، فبحلول وفاتها في عام 1603م، سيكون قد أصبح لديه فكرةً مخيبة للآمال على غير العادة عن الواجب الذي يدين به الضمير الشخصي تجاه احتياجات الدولة. وكان الهيكل الهرمي لكنيسة (تيودور) أداة للسيطرة الاجتماعية والسياسية إلا أن الخلافات حول الدين في منتصف القرن كانت قد دمرت بالفعل أي ثقةٍ سهلةٍ في سلطة المذاهب، وعلمت الناس التحقيق بعنايةٍ في المنطق وراء معتقداتهم الخاصة، كما يفعل (جون دون) في قصيدته الهجائية الثالثة في عام 1596م. وكانت التسوية الكنسيَّة الإليزابيثية موضعًا للانتقاد المستمر من المتطرفين سواء من الداخل، هؤلاء الذين كانوا يرغبون في إصلاحات متقدمة، مثل إلغاء الأساقفة، أو من الخارج، هؤلاء الذين كانوا يرغبون في عودة إنجلترا إلى الطائفة الكاثوليكية الرومانية، ولكن عدم رغبة الأغلبية في قبول تعددية الأديان في دولة يُفترض أنها موحَّدة كبحت جماح الليبرالية الوليدة لأفراد مثل (جون ميلتون – John Milton) والباحث والكاهن (ويليام تشيلينجوورث – William Chillingworth). ولم تكن العقيدة الأرثوذكسية الكالفينية والتي احتضنت أغلب الكتاب الإنجليز مُعزية، لأنها أخبرتهم بأنهم فاسدون، ولا يتمتعون بالحرية، وغير قادرين على كسب خلاصهم الخاص، وخاضعون للأحكام السماوية التي كانت تعسفية وقاطعة. وتؤثر الكالفينية تأثيرًا عميقًا في عالم التراجيديا اليعقوبية، والتي لا يُعد أبطالها أسياد مصيرهم، بل ضحايا للأغراض الإلهية المروعة والغامضة.

السباق من أجل تحقيق التنمية الثقافية

وكان العامل المعقد الثالث هو السباق من أجل مواكبة التَّطوُّرات القارية في الفنون والفلسفة. فكان على سلالة (تيودور) إنشاء فئةٍ من الدبلوماسيين، ورجال الدولة، والمسؤولين المتعلمين، وتبجيل بلاطهم الملكي بجعله ينبوعًا للرعاية الثقافية وكذلك السياسية. وقد قامت نظم التعليم الثقافية الجديدة، والتي نُشرت على نطاقٍ واسعٍ من خلال برامج (دسيدريوس إيراسموس – Desiderius Erasmus)، أحد رواد الحركة الإنسانية، التعليمية لرجال أمثال (جون كولت – John Colet) والسير (توماس إيليوت – Thomas Elyot)، باستخدام دراسة منهجية بشأن المؤلفين اللاتينيين وبعض اليونانيين لتشجيع المرونة الذهنية والنفعية المتحضرة في النُخَب الاجتماعية، والتي من شأنها أن تسمح للحكومة الأميرية المستنيرة أن تتعاون تعاونًا وثيقًا مع الزمالات المسؤولة. ولقد عزَّزت الفلسفة الإنسانية الإلمام الوثيق بالأعمال الكلاسيكية التي كانت حافزًا قويًا لخلق أدب إنجليزي ذو منزلة رفيعة. وعزَّزت أيضًا القنوت العملي العلماني الذي ترك أثره في كل مكان في الكتابة الإليزابيثية. ومع ذلك، قام التأثير المتزامن للثقافات القارية المزدهرة، ولا سيما الثقافة الإيطالية، بتغيير تأثير الفلسفة الإنسانية.

فمرارًا وتكرارًا، قامت الابتكارات المصيرية في صناعة الأدب الإنجليزي بتطوير موارد منشؤها إيطاليا –مثل سونيت (بترارك – Petrarch)، وملحمة (لودوفيكو أريوستو – Ludovico Ariosto)، وشعر (ياكوبو سانازارو – Jacopo Sannazzaro) الرعوي، والأغنية الإيطالية، والشعر المُرسل— وكانت القيم المستوردة مع هذه الموارد في منافسة مع الانهماكات الأخلاقية لرواد الفلسفة الإنسانية. وقد تم تشرب المُثل الاجتماعية للسخرية والتفنّنية، من كتاب «رجل البلاط»  (Il cortegiano) كتبه (بالداساري كاستيليوني – Baldassare Castiglione) وترجمه (السير توماس هوبي – Sir Thomas Hoby) عام 1561م، بينما تشرب شعر البلاط الإليزابيثي من الأفلاطونية الأرستوقراطية الحديثة الخاصة بـ (كاستيليوني-Castiglione)، ومفاهيمه عن التناسب العالمي، وحب الجمال كمسار للفضيلة. وكان الترحيب الممنوح لـ(نيكولو مكيافيلي – Niccolò Machiavelli) على نفس القدر من الأهمية، حيث تعرضت دروسه للتَّشهير العلني بينما تم استيعابها سرًا. فكان كتابه «الأمير» (The Prince)، المكتوب في عام 1513م، غير متوفر باللغة الإنجليزية حتى عام 1640م، ولكن في أوائل الثمانينيات من القرن السادس عشر قام (جابرييل هارفي – Gabriel Harvey)، وهو صديق الشاعر (إدموند سبنسر – Edmund Spenser)، بالإشادة بكل حماس بمؤلفه ووصفه بأنه رسول الواقعية الحديثة. وقال (فرانسيس بيكون – Francis Bacon):

نحن مدينون بالفضل كثيرًا لـ مكيافيلي وغيره، الذين يكتبون ما يفعله الرجال، وليس ما يجب علي الرجال فعله

ولذلك حدث الإحياء الأدبي في مجتمع يعج بالضغوط والشكوك والصيغ المتنافسة للنظام والسلطة، والدين والمكانة، والجنس والذات. وكانت التسوية الإليزابيثية حلًا وسطًا؛ فزعم أسرة (تيودور) أن شعب إنجلترا كان موحدًا في اعتقادهم أخفى حقيقة عدم توافق الآراء تحت وطأة التَّغيير. وقد أثبتت المعرفة العلمية الحديثة كل من وهن الإنسان وقوته في قيادة الطبيعة؛ وزاد إيمان الإنسانيين في منزلتهم إزاء المفهوم الكالفيني عن عجز الإنسان، ولا سيما الاقتناع بثبات الإنسان وشجاعته، وقدرته البطولية على تقرير مصيره بنفسه، المستمدة من قراءة (سينيكا – Seneca) والخصائص المميزة لهذه الحقبة. ورغم أنه كان لا يزال من الممكن لـ (إليزابيث) أن تحافظ على هذه الاتجاهات المتباينة في ثقافة واحدة متنوعة، فإنها عاجلًا أم أجلًا كانت ستنهار في ظل ولاية خلفائها. وسيكون الفلاسفة المتحدثين باسم القرن الجديد هم (فرانسيس بيكون)، الذي دعا إلى النهوض التدريجي بالعلم من خلال التراكم الوئيد للتجارب العلمية، والشُّكوكيِّ (ميشيل دي مونتين – Michel de Montaigne)، الذي قام (جون فلوريو – John Florio) بترجمة مقالاته من الفرنسية عام 1603م. وقد نفى (مونتين) أنه من الممكن صياغة أي مبادئ عامة للمعرفة.

وكان ثبات أنماط التفكير والتعبير الشائعة من الأمور المتقاطعة مع تلك المرحلة. وقد نصبت كل من الحركتين الإنسانية والتطهيرية نفسهما ضد الجهل المبتذل والتقاليد الشعبية، ولكن لحسن الحظ، لم يستطع أي منهما البقاء بمنأى طويلًا عن متانة الذوق العام. ففي أول عمل أدبي كلاسيكي جديد في إنجلترا، وهو «الدفاع عن الشعر» (The Defence of Poesie) الذي كُتب عام 1578م-83 ونُشر عام 1595م، أقر (السير فيليب سيدني – Sir Philip Sidney) صراحةً بأن «أغنية (بيرسي – Percy) و(دوغلاس – Douglas) القديمة» تحرك مشاعره «أكثر منها بمصاحبة البوق». وأقر أيضًا بأن (أركاديا – Arcadia) في صورته النهائية عام 1593م يُعد حالة تمثيلية من حالات الإثراء المثمر المتبادل بين الأنواع الأدبية في هذه الفترة – دمج الرعوية الأرستقراطية بالحكاية الشعبية، والشعر الغنائي بالأغنية الشعبية، والكوميديا بالرومانسية، والتراجيديا بالهجاء، والشعر بالنثر. وكانت تمر اللغة أيضًا بتوسعٍ سريعٍ ساهمت فيه جميع الطبقات واستفادت منه، حيث استعار الأدب الراقي دون خجل تعابير الخطاب العامي. ففي «ماكبث» (Macbeth)  ، إن إشارة (شكسبير) إلى الجنة وهى تختلس النظر «من خلال عباءة الظلام» ستتحول إلى «مشكلة» فيما بعد، حينما، على سبيل المثال، احتجَّ (صامويل جونسون – Samuel Johnson) عام 1751م  مدعيًا أن هذه الكلمات تثير الضحك أكثر من الرهبة. فقد كان عصر (جونسون) عصرًا حيث كانت سمة الوقار في التراجيديا الأدبية تتضمن الكياسة في الأسلوب، وحيث تُعد الإشارة إلى شيء وضيع مثل العباءة دون مستوى منزلة التراجيديا. ولكن قام الإليزابيثين بصبغ كتاباتهم بالتعقيد والقوة بفضل قدرتهم على التخاطب مع فئات عديدة من الجماهير في آنٍ واحدٍ، والدمج بين التجارب، والتوجهات، ووجهات النظر العالمية المتعارضة.


ترجمة: آلاء هشام
مُراجعة علمية ولُغوية: آلاء مرزوق
تحرير: زياد الشامي

المصدر:

“English Literature – The Renaissance Period: 1550–1660.” Gale – Enter Product Login, HuffPost, bit.ly/2sebGpG. Available from: https://bit.ly/2sebGpG

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي