الرعد والبرق والصواعق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
مصدر الصورة : ظاهرة البرق https://www.nssl.noaa.gov/education/svrwx101/lightning/- مصدر الصورة

من منّا لم يلمح من قبل ذلك الوميض الضوئيّ الآتي من السماء في يوم ماطر، والذي يكون مصحوبًا غالبًا بصوت فرقعة أو أزيز مدوٍ؟ ومن منّا لم يتساءل من قبل عن أسباب ظاهرة البرق ولماذا يخافها الناس في البلدان التي تتعرّض لها بشدّة وبشكلٍ دائم؟

تعدّ ظاهرة البرق واحدة من أروع الظواهر الطبيعيّة التي يمكن رؤيتها، ومن أخطرها على حياة الإنسان، والتي تنتج درجات حرارة قد تفوق درجة حرارة سطح الشمس في بعض الأحيان، إنّها ببساطة تمثّل درسًا للإنسان في التواضع أمام قوى الطبيعة. وقبل شرح آليّة حدوث ظاهرتيّ البرق والرعد علينا أن نوضح المسألة من البداية.

من أين يأتي السحاب؟

بادئ ذي بدء يجب أن نعرف مصطلحين مرتبطين بأيّ نظام مائيّ متّزن سيفيدان في فهم كيفيّة تكوّن السحب:

  • التبخّر: هي عمليّة تحوّل السائل إلى بخار أو غاز إذا امتصّ مقدارًا كافيًا من الحرارة، حيث تعمل الحرارة الممتصّة على جعل جزيئات السائل تتحرّك بسرعة كبيرة قد تكون كافية لتبتعد الجزيئات عن بعضها البعض منفصلة عن سطح السائل ومرتفعة إلى أعلى آخذة معها الحرارة التي اكتسبتها. (مثال: جفاف بركة المياه المعرّضة للشمس حيث يمتصّ الماء حرارة الشمس ويتحوّل إلى بخار يرتفع إلى أعلى)
  • التكثيف: عندما تفقد جزيئات البخار أو الغاز الحرارة التي كانت قد اكتسبتها بفعل التبخير، تقترب الجزيئات من بعضها البعض فتتحوّل من الحالة الغازيّة إلى سائل مرّة أخرى.

عندما تتعرّض المسطّحات المائيّة لحرارة الشمس فإن جزيئات الماء تتبخّر صاعدة إلى أعلى، وحاملة معها الحرارة التي امتصّتها، ومع الصعود لارتفاعاتٍ كبيرة تفقد الأبخرة والغازات حرارتها بفعل الهواء المحيط شيئًا فشيئًا، فتتكاثف في صورة سحب تتساقط منها قطرات السائل المتكاثف بفعل الجاذبيّة الأرضيّة مرّة أخرى مكملًا دورة النظام المائيّ، وقد يكون الهواء المحيط باردًا للغاية فتتجمّد قطرات السائل مكوّنة بلّورات ثلجيّة أو ما يُعرف بظاهرة (الصقيع). وكما نعلم أنّ الهواء الساخن يرتفع إلى أعلى بينما يبقى الهواء الأقلّ حرارة بالأسفل لأنّه أعلى في الكثافة، هذا يعني أنّ الجزء الأسفل من السحابة قد يحوي بلّورات ثلجيّة، بينما قد تظلّ قطرات السائل في الجزء الأعلى منها على حالتها.

وخلال العواصف الرعديّة، تُشحن السحب كما لو أنّها مكثّفات عملاقة، يكون فيها الجزء الأعلى من السحابة مشحونًا بشحنة موجبة، والجزء الأسفل مشحونًا بشحنة سالبة، وكيفيّة حدوث ذلك لا تزال غير متّفق عليها في الأوساط العلميّة، غير أنّ التفسير التالي يبدو معقولًا إلى حدٍ كبير: تحتوي السحابة الواحدة على ملايين من قطرات الماء وجزيئات الجليد المعلّقة في الهواء، ومع استمرار عمليّات التبخير والتكثيف، تتصادم تلك الجزيئات وقطرات الماء مع بعضها البعض ومع بخار الماء المتصاعد فتتحرّر منها الإلكترونات وتتراكم في الجزء السفليّ من السحابة الذي يكتسب بالتالي شحنة سالبة، بينما تتّخذ جزيئات بخار الماء المتصاعدة التي فقدت إلكتروناتها للتو شحنة موجبة، إلى جانب التصادم، تلعب عملية التجمُّد التي تحدث لبخار الماء المتصاعد لأعلى بفعل الهواء البارد المحيط به في الأعلى دورًا هامًا كذلك؛ فالبلّورات المتجمّدة تكتسب شحنة سالبة، بينما تكتسب جزيئات بخار الماء غير المتجمّدة شحنة موجبة، وتعمل تيّارات الهواء الصاعدة على حمل الشحنات الموجبة إلى الجزء العلويّ من السحابة، بينما تهوي جزيئات الجليد المشحونة بشحنات سالبة إلى الأسفل، فيزداد فصل الشحنات الحادث في السحابة والذي يصاحبه تكون مجال كهربيّ ترتبط شدّته ارتباطًا مباشرًا بتزايد كميّة الشحنات في السحابة، وباستمرار عمليّتيّ التصادم والتجمّد؛ تصبح شدّة المجال الكهربيّ (أي القوّة التي تؤثّر بها الشحنة على جسيم مشحون آخر موضوع على مسافة معيّنة منها [1]) كبيرة جدًا لدرجة أنّ الجزء سالب الشحنة من السحابة قد يتنافر مع الإلكترونات سالبة الشحنة الموجودة على سطح الأرض ويدفعها بشدّة إلى العمق، فيخلو سطح الأرض في هذا الجزء من الإلكترونات ويكتسب شحنة موجبة قويّة، كلّ ما نحتاجه الآن هو مسار موصل بين الجزء السفليّ من السحابة سالب الشحنة وسطح الأرض موجب الشحنة كي تحدث ضربة الصاعقة، يوفّر المجال الكهربيّ القويّ الناشئ حول شقيّ السحابة هذا المسار؛ حيث ينهار عزل الهواء المحيط به بعد ان يتأيّن فيصبح موصّل جيّد يسمح بسريان الشحنات الكهربيّة بين أسفل السحابة والأرض. وفي هذه الحالة تسبّب ضربة البرق صاعقة أرضيّة. [2]
ويمكن أن يحدث البرق أيضًا بين الشحنات المتعاكسة المتكوّنة في السحابة الواحدة كما قد يحدث بين السحابة والأرض.

وينشأ الرعد بسبب البرق، فالحرارة العالية التي تصدر عن البرق والتي تزيد عن 18000 فهرنهايت (أي ما يعادل 9982.2 درجة مئويّة تقريبًا [3] ) تعمل على تسخين الهواء المحيط فيتمدّد ويتخلخل مسبّبًا موجة صوتيّة نسمعها عقب رؤية وميض البرق مباشرةً، ذلك لأن سرعة الصوت (320 متر/ث) صغيرة جدًا مقارنةً بسرعة الضوء (300 ألف كيلومتر/ثانية)، ويمكن سماع الرعد على مسافة 25 ميلًا من موضع حدوث البرق، في هذه المسافات يسمع صوت الرعد على هيئة قعقعة منخفضة حيث أن الموجات عالية التردّد يتمّ امتصاصها في البيئة المحيطة بسهولة أكثر.[4]     

  • لا تعدّ العواصف الرعديّة هي المصدر الوحيد لحدوث البرق، فمن الممكن مشاهدة البرق أيضًا في الانفجارات البركانيّة، وحرائق الغابات الشديدة، والانفجارات النوويّة السطحيّة، والعواصف الثلجيّة العنيفة.
  • قد تتراوح القوّة الدافعة الكهربية لضربات البرق ما بين 100 مليون فولت ومليار فولت، وقد تبلغ القدرة الكهربيّة المتولّدة عنها الملايين من الواتات.
  • يحدث البرق بوجه عام في فصل الصيف؛ بسبب توازن واستقرار النظام المائيّ خلاله، وارتفاع نسبة الرطوبة في الجوّ مما يساعد على تكوّن عواصف الحمل الحراريّ التي تنتج البرق، بينما يحدث بشكل أقلّ في فصل الشتاء.
  • أكثر الأجزاء في الطبيعة عرضة للتأثّر بضربات الصواعق هي قمم الجبال، وناطحات السحاب، والأشجار. 
  •  يعدّ الساحل الشماليّ الغربيّ للولايات المتّحدة الأمريكيّة من أكثر المناطق عرضة لحدوث العواصف الرعديّة؛ ومن ثمّ البرق، وتسجّل ولاية فلوريدا أعلى معدّلات التعرّض لضربات البرق على  وجه الأرض، حيث ترتفع بها نسبة الرطوبة في الجوّ لأيّامٍ عديدة خلال العام. [5] 

أضرار الصواعق

  • تمثّل خطورة كبيرة على حياة الإنسان وسائر الكائنات الحيّة؛ حيث يُقتل بسبب ضربات الصواعق حواليّ 2000 شخص حول العالم سنويًّا، كما ينجو المئات من الموت إلّا أنّهم يعانون من أعراضٍ دائمة نتيجة التعرّض لضربات الصواعق مثل: فقدان الذاكرة، والدوخة، والضعف، والتنميل، وغيرها من الأمراض التي تغيّر الحياة، وقد تتسبّب ضربات الصواعق في حدوث السكتات القلبيّة والحروق الشديدة للأشخاص الذي يتعرّضون لها بشكل مباشر.
  • تعمل الحرارة الشديدة الارتفاع الناجمة عن البرق على تبخير المياه بداخل الأشجار، ومن الممكن أن تؤدّي الأبخرة المتكوّنة إلى انفجار الشجرة، وتتسبّب في حدوث حرائق الغابات. [6]

كيف يمكن تجنّب الآثار المدمّرة للصواعق؟

أولا: مانعات الصواعق

كان أوّل من طوّرها لتؤدّي هذا الغرض هو العالم الأمريكيّ (بنجامين فرانكلين)، وهي عبارة عن قضبان معدنيّة مدبّبة يبلغ قطرها حواليّ بوصة واحدة (2 سنتيمتر) تثبّت على أسطح المباني، وتتّصّل بشبكة موصّلات مدفونة في الأرض (تشبه شبكات التأريض) بالقرب من المبنى عبر أسلاكٍ ضخمة قطرها بوصة واحدة أو نحو ذلك، ومصنوعة من النحاس أو الألومينيوم. وفكرة عملها بسيطة للغاية، فهي توفّر مسارًا منخفض المقاومة جدًا يسمح بسريان التيار الكهربائيّ الهائل الناتج عن ضربات الصواعق خلالها، ومنها إلى الأرض حيث يتمّ تفريغه بأمان دون إلحاق أضرار بالمبنى. [7]

ثانيًا: قواعد السلامة التي يجب مراعاتها حال حدوث البرق. 

1) ابتعد عن المساحات المفتوحة، ولكن لا تبقى تحت شجرة، أفضل مكان هو داخل المبنى.
2) إذا كنت تسبح وحدثت عاصفة رعديّة ينبغي أن تخرج من الماء على الفور، وقد تبدو العاصفة بعيدة إلّا أنّ البرق يمكنه أن يقطع مسافة 20 ميل بعيدًا عنها.
3) أثناء العواصف الرعديّة؛ أطفئ جميع الوحدات الكهربائيّة، ولا تستخدم الهاتف.
4) أثناء العواصف الرعديّة؛ لا تسير في الشارع حاملًا أيّة أقطاب أو قطع معدنيّة، لا تحمل حتّى المظلّة.

كيف يمكنك إذن معرفة إذا ما كانت هناك صاعقة تضرب الأرض في مكان بالقرب منك؟

إن سافرت إلى مكان معروف بالأجواء العاصفة وضربات البرق المتكرّرة، ثم شعرت بوقوف شعر الرأس والجسم فحاول أن تبتعد عن المكان بسرعة، والتزم بقواعد الأمان السابقة، وإذا لم يكن هناك مكان آمن بالقرب منك فاقترب من الأرض قدر الإمكان. [8]

المصادر:

  1. Electric field strength | physics | Britannica.com [Internet].
    Available from: https://www.britannica.com/science/electric-field-strength How Lightning Works | HowStuffWorks [Internet]. [cited 2019 Jun 30]. Available
  2. from:https://science.howstuffworks.com/nature/natural-disasters/lightning.htm Fahrenheit to Celsius conversion (°F to °C) [Internet]. [cited 2019 Jul 12]. Available
  3. from: https://www.rapidtables.com/convert/temperature/fahrenheit-to-celsius.html
  4. Severe Weather 101: Lightning Basics [Internet]. [cited 2019 Jul 12]. Available from: https://www.nssl.noaa.gov/education/svrwx101/lightning/
  5. Severe Weather 101: Lightning FAQ [Internet]. [cited 2019 Jul 12]. Available from: https://www.nssl.noaa.gov/education/svrwx101/lightning/faq/
  6. Available from: https://www.nationalgeographic.com/environment/natural-disasters/lightning/
  7. How Lightning Works [Internet]. HowStuffWorks. 2000 [cited 2019 Jul 13]. Available from: https://science.howstuffworks.com/nature/natural-disasters/lightning.htm
  8. Collins:MSFC D. NASA – How Is Lightning Made? [Internet]. [cited 2019 Jul 6]. Available from: https://www.nasa.gov/audience/forstudents/k-4/home/F_What_Causes_Lightning_Flash.html

إعداد: يارا فاروق
مراجعة علمية : مصطفى عطالله
تدقيق لغوي: رنا السعدني
تحرير: هاجر عبد العزيز