Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

المدرسة الذرية.. ليوكيبوس وديموقريطس

كانت النظرية الذرية هي آخر النظريات الإغريقية وأبرزها في أعقاب بارمنيدس، ويبدو أنّ مخترعها هو لوكيبوس الذي لا يعرف عنه شيئًا، ثم طورها ديموقريطس (حوالي460-370ق.م)، ويصف المؤرخ ديوجين ليرتيوس ديموقريطس، كما لو كان مزيجًا من شيرلوك هولمز والعراف الدلفي. وقد ظلّ ديموقريطس معروفًا بين الناس باسم «الفيلسوف الضاحك»، وذلك لأنّه غالبًا ما كان يضحك ويهزأ من الحماقة البشرية، بَيْدَ أنّ ما تبقى من كتاباته لا تصف أنّه كان شخصًا مرحًا يسخر من الحياة، فجدية كتاباته تجعل من المستحيل علينا تصور تلك الصورة عنه. وإنْ كان لا مناص لنا من تفسير سبب تسمية الناس له باسم الفيلسوف الضاحك، لنظرنا إلى الأمر من منظور آخر، فنُحمِل اللقب تفسيرًا أقرب لواقع العالم الحديث منه للعالم للقديم، فهو «ضاحكًا» لأنّه كانت له الضحكة الأخيرة، فعلى مرور 2400عام تقريبًا تفصلنا عنه، قبعت مبادئ ديموقريطس تحت وطأة رفض أفلاطون وأرسطو والكنيسة لها، ثم ابتسم له الحظ مع الثورة العلمية في القرن السابع عشر، وظل مبتسمًا له منذ ذلك الحين، في حين ضُرب بالنظريات الفيزيائية لأفلاطون وأرسطو عرض الحائط، فالتصور الحديث للعالم يشبه أفكار ديموقريطس وأتباعه أكثر من أفكار أي من غيره من الإغريق، بل إنّ بعض الأفكار المنسوبة لجاليليو والتي بدت ثورية حينئذ، ماهي إلا ترديد أو إعادة صياغة لما قاله ديموقريطس، بل وما يزيدنا انبهارًا أنّ سلسلة التأثير تمتد من الذريين القدامى حتى انتصار النظرية الذرية الحديثة للمادة في القرن التاسع عشر، ولا ريب أنّ جاليليو والذريين المعاصرين سعوا جاهدين إلى اختبار استنتاجاتهم وإثباتها، بينما كان ديموقريطس ببساطة يؤلفها. وعلى كلٍ تبقى النظرية الذرية القديمة هي الإنجاز الذي توج الفلسفة الإغريقية قبل عصر أفلاطون. وأغرب ما في أمر هذه النظرية التي تبدو علمية في ظاهرها، أنّها قد نشأت مباشرة من أفكار وآراء بارمنيدس المظلمة وغير المعقولة، فبتعديل بسيط لأفكار بارمنيدس تحولت الكينونة الواحدة الثابتة والساكنة لديه، إلى الذرات الغزيرة والحيوية لدى ديموقريطس. على الرغم من نجاح النظرية الذرية في بلوغ القرن السابع عشر وما يليه، إلا أنّها قد عانت الأمرين لتصل إليه، فقد كرس أرسطو جهدًا عظيمًا ليثبت أنّ النظرية الذرية ليست إلا هراء في معظمها. أما أفلاطون، فنفر من هذه النظرية حتى بدا أنّه لم يتقبل ذكر اسم ديموقريطس في محاوراته فضلاً عن تفنيد آراءه، ويقول ديوجونس ليرتيوس، أنّه كان يكرهه أشد الكراهية حتى أنّه تمنى أنْ تحرق كتبه، ولسوء الحظ كان لأفلاطون ما أراد، فمعظم كتابات ديموقريطس ضاعت إثر الإهمال ولم يتبق إلا القليل. وقد انتهز المفكرون المسيحيون الأوائل كل فرصة لإدانة النظرية الذرية، وإثناء الناس عن دراستها، وكان ذلك لسببين، الأول: أنّها حاولت تفسير كل شيء في إطار ميكانيكي دون الإشارة إلى قدرة الرب، والثاني: أنّها زعمت أنّه لا حياة بعد الموت. كما عانت النظرية الذرية أيضًا من الدعاية السيئة وذلك بتبني أبيقور مثلاً لها، وهو ما اشتهر بتقديس المُتع الحسية والشره مما أساء إلى سمعتها بين أولي الألباب. بل والأسوء من ذلك هو أنّ أفضل نسخة للنظرية الذرية وأشدها تأثيرًا هي النسخة المطروحة في قصيدة «لوكريتيوس» «عن طبيعة الأشياء» التي تهاجم الدين صراحة. كان أول من وضع الخطوط العريضة لهذه النظرية هو لوكيبوس، وهذا طبقًا لما قاله أرسطو، ودرس ديموقريطس مع لوكيبوس وحمل الفكرة التي خلدت ذكره وهي: أنّ عددًا لا نهائيًا من الذرات الصغيرة يندفع حول مساحة خالية تسمى «الفراغ» حتى تصطدم الذرات ويلتصق بعضها ببعض فتشكل كل الأشياء التي نعرفها في العالم سواء الحية أو غير الحية. ويقول أحد المعلقين اللاحقين على ذلك: «هذه الذرات تتحرك في الفضاء اللانهائي منفصلة عن بعضها ومختلفة في الشكل والحجم والمكان والترتيب، ثم تسبق إحداهما الأخرى فتصطدم، ويساق بعضها إلى أي اتجاه عشوائي، بينما يلتحق بعضها الآخر وفقًا للاتفاق في الشكل والحجم والمكان والترتيب وتبقى كذلك، ومن ثّم تتشكل في صورة من أجسام مركبة..». لقد اشتقت كلمة «ذرة-atom –άτομα » من «atomos» بمعنى «لا يمكن قطعه»، فقد قال ليوكيبوس وديموقريطس أنّ الذرات صلبة جدًا ولا يمكن تقسيمها أو تدميرها، بينما تموت الأشياء العادية أو تتفكك عندما تتناثر الذرات المكونة لها، ولذلك فإنّ النظرية الذرية التي نجدها عند أنبادقليس وأناكساجوراس تحاول تفسير التغيير والدمار الذين اعتبرهما بارمنيدس ضربًا من المحال، وذلك عن طريق حل وسط، فتقول الحلول الثلاثة إنّ الأشياء العادية المتغيرة تتكون من مكونات لا تتغير في حد ذاتها، ولكن قد يتغير تركيبها عندما تجتمع أو تفترق، وهذه الأشياء التي أعيد تركيبها هي التي تنتج لنا هذا العالم المتغير الذي نراه. أما القوة التي تجمع الذرات معًا فهي المبدأ الإغريقي القديم القائل إنّ المتماثلات تنجذب لبعضها. ولقد أخذ ديموقريطس كل الأفكار التقليدية التي تناسبه وعدّل فيها بالقدر اللازم ليتسنى له إدخال الذرات في الصورة، لذلك أقوى ما تتميز به هذه النظرية هي فكرة الذرات في حد ذاتها وإصرارهم على تفسير الطبيعة بأسرها، ولكن من أين أتت فكرة الذرات ؟ ليس هناك ما يدل على أنّه قام بتجارب على أفكاره هذه، وربما استرعت فكرة الجزيئات الدقيقة انتباه ديموقريطس أثناء تأمله للغبار الطائر الذي يرى في الهواء في أشعة الشمس. لكن هناك من يقول أنّ السبب الرئيسي الذي قاد ليوكيبوس وديموقريطس للذرة لم يكن دليلاً أو برهانًا، بل هي مفارقات زينون في الأساس، فقد توصلا إلى استنتاج أنّ المشكلة في مفارقات زينون أو في بعضها على الأقل هي أنّه افترض أنّ الأشياء المادية يمكن تقسيمها إلى مالا نهاية، وقد افترض زينون بالفعل أنّه إذا كانت المواد المعتادة موجودة يمكن تقسمها إلى ما لا نهاية، وأدت هذه الفكرة في النهاية إلى نتائج عبثية. أما ليوكيبوس وديموقريطس فقد اعتبرا أنّ إمكانية تقسيم الأشياء إلى ما لا نهاية قد تكون نقطة الضعف في المفارقات، فزينون لم يقدم أي دليل عليها، بل افترضها فرضًا. وإذا افترضنا بدلاً من ذلك أنّ المادة لا يمكن تقسيمها إلى ما لا نهاية، أي أنّ هناك ما يمثل أصغر مقياس للمادة والذي يستحيل تقسميه أو تجزئته، عندها ستوقف مسار فكر زينون، أو على الأقل هذا ما اعتقده ليوكيبوس وديموقريطس، وبناءً على ذلك طرحا أنّ الذرة هي أصغر مقياس للمادة. هكذا، وبعد أنْ فنّد الذريون نظرية زينون، جاء الدور على بارمنيدس، وكان أحد اعتراضات بارمنيدس فكرة الحركة، وهي أنّها تحتاج إلى مساحة خالية، وإلا فلن يكون هناك متسع يتحرك فيه أي شيء، وبما أنّ المساحة الخالية عبارة عن «لا شيء»، فيرى بارمنيدس أنّها مستحيلة الوجود، وإذا كانت المساحة الخالية مستحيلة، فالحركة بطبيعة الحال مستحيلة. وقد اختلف الذريون مع بارمنيدس في الرأي وقالوا أنّه يمكن أنْ يوجد ما يسمى «الفراغ» وحال إيجاد ذلك الفراغ تُهرع إليه الذرات المتحركة. كانت هذه حججهم إجمالاً، وإذا ما قبلنا بوجود الخلاء فلا بد أنْ نقبل بوجود أشياء كثيرة وليس الكينونة الواحدة كما قال بارمنيدس. وكان ديموقريطس يرى أنّ ألوان الأشياء العادية ونكهاتها ليست صفات موضوعية يتصف بها العالم الخارجي، وإنّما يبدو أنّها حالات لجسم الإنسان تنتج عن تدفق الذرات إليه، وهذا يعني أنّ السمات الأساسية للذرات لا تتضمن أيًا من السمات التي تصاحب حواس الإنسان كاللون أو الرائحة أو الطعم. فكان ديموقريطس يقول: «جرى العرف بأنْ يعد الشيء حلوًا أو مرًا أو ساخنًا أو باردًا أو بلون معين، ولكن الحقيقة أنّ هذا الشيء ليس إلا ذرات وفضاء». ويمكننا أنْ نقول بعبارة أخرى، إنّ ما تخبرنا به حواسنا عن الحرارة أو الطعم أو اللون أو غير ذلك، ما هي إلا مسائل ذاتية بحتة، وقد جرى العرف على أننا ننسب هذه الصفت إلى الأشياء المادية نفسها. وفيما يخص هذا السياق، آن الأوان لهذه الفكرة أنْ تخرج لترى النور في القرن السابع عشر إذ قام «روبرت بويل» وهو أحد علماء الفيزياء والكيمياء الإيرلنديين الذين تبنوا فكر الفلسفة الذرية بعد تنقيح وتعديل، بوصف «المادة» من خلال ما سماه بالصفات «الأساسية» و الصفات «الثانوية» للأشياء. أما الصفات الأساسية فهي: الحجم والشكل والترتيب والقوام والصلابة وحركة الجزيئات، فهذه هي الصفات التي يحتاجها العالِم لتفسير أيّة ظاهرة من ظواهر الطبيعة. ثم جاء بعده الفيلسوف «جون لوك» وطوّر على هذا الأساس نظرية مفصلة بعيدة الأثر بين فيها خمس صفات أساسية وهي: الحجم والشكل والعدد والصلابة والحالة من حيث الحركة والسكون، وقال أنّ الصفات الثانوية الحسية مثل اللون والرائحة ليست بصفات في الأشياء ذاتها، وإنّما قوى تخلق فينا أحاسيس متنوعة من خلال الصفات الأساسية. أما عن نظرة الذريون للكون ككل ومكانة الإنسان فيه، فقد طرحوا تصورًا لكون لا نهائي يقبل العقل أنْ يتصور قيام كل أنواع العوالم الممكنة لاتساعه فقالوا: «هناك عوالم بلا شمس ولا قمر، وهناك عوالم يكبر الشمس والقمر فيها عن الشمس والقمر في عالمنا، وهناك من العوالم فيه العديد من الشموس والأقمار. وتختلف الفترات الزمنية بين كل عالم وآخر، حتى أنّ هناك أجزاء تحفل بالعديد من العوالم، وأجزاء لا تضم إلا القليل، وبعض العوالم لا تزال تنمو، وبعضها أخذ في الصغر. وتُدَمر تلك العوالم عند اصطدام بعضها ببعض. وهناك من العوالم ما لا كائن حي فيه ولا نبات ولا رطوبة..». وبناء على ذلك، ما عالمنا إلا واحد من عدة احتمالات أتت به الظروف المناسبة لقيام الحياة، وكلمة «عالم» هنا تعني كوكبًا أو مجموعة كواكب. كان ديموقريطس ماديًا صرفًا، فعنده تتركب النفس من ذرات والتفكير عملية فيزيقية، وليس للكون غاية ينشدها، إذ ليس هناك إلا ذرات تسير بمقتضى قوانين آلية، ولم يؤمن بالديانة الشعبية، وفنّد العقل الذي قال به أنكساجوراس، وفي الأخلاق رسخ للفضيلة في أذهان الناس ونفوسهم، ولقد تسببت فكرة اتباع أخلاقيات من صنع الإنسان في إثارة بعض الأسئلة المقلقة بين المفكرين في عصره وهو ما أدى إلى نشوء حركة فكرية عرفت بالسفسطائية، وكره كل ما يتصف بالعنف وحدة العاطفة. صورة المدرسة الذرية في العالم الإسلامي: أخذ الأشاعرة والمعتزلة بمذهب ذري، لكن على أي صورة عرف المسلمون المذهب الذري اليوناني ورجالاته؟ عرف المسلمون «لوكيبوس» فليسوف المذهب الأول وأستاذ ديموقريطس واضع المذهب في صورته الكاملة. أما عن ديموقريطس، فإننا نرى مفكرًا كالشهرستاني لا يصل إلى معرفة حقيقية عن مذهبه، بل ينسب إليه مذهب أنبادقليس، فديموقريطس عند الشهرستاني يقول بأنّ المبدع الأول هو الأخلاط الأربعة وهي الأسطقسات أوائل الموجودات كلها. لكن أين المذهب الديموقريطسي؟ إنّ هذا الفيلسوف- الأشعري- الشهرستاني وهو من القائلين بمذهب الجزء الذي لا يتجزأ، لا يتكلم عنه منسوبًا إلى ديموقريطس، اللهم إلا عرضًا حين يعرض لمذهب أبيقور، ويبدو أنّ ديموقريطس وسم في العالم الاسلامي بالدهرية، فهل كان هو السبب في إهمال مفكري الأشاعرة لمذهبه؟؟ لقد صور لنا اليعقوبي مذهب ديموقريطس بأنّه: «ينكر الألوهية والأديان والرسل والمعاد والوعد والوعيد» و«لا ابتداء لشيء ولا انقضاء له ولا حدوث ولا عطب، وإنّما حدوث ما سمي حدثًا تركيبه بعد الافتراق، وعطبا تفريقه بعد الاجتماع، وجميع الوجهين في الحقيقة حضور غائب، ومغيب حاضر..». كما أنّ الغزالي في «تهافت الفلاسفة» يصفه وأتباعه بأنّهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم، وزعموا أنّ العالم لم يزل موجدًا نفسه أي قديم. لكن هنا سؤال، هل وصل المذهب في صورته الحقيقية إلى العالم الإسلامي وهل أثر هذا المذهب في مفكري الإسلام؟ أما عن معرفته، فأصول المذهب الصحيحة في كثير من مترجمات اليونان. لقد ترجم كتاب «الميتافيزيقا» لأرسطو وعرفه المسلمون معرفة طيبة، وفي هذا الكتاب عرض كامل للمذهب الذري، ولقد دعا الأستاذ «مونك» في كتابه «أمشاج من الفلسفة العربية واليهودية» متابعًا الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون إلى القول بأنّ مذهب المتكلمين في الجزء الذي لا يتجزأ يعود إلى مذهب ديموقريطس. ثم هناك مصدرًا آخر للمذهب في كتاب «الآراء الطبيعية» لفلوطرخس، كما أنّ أرسطو قدم في كتاب «النفس» والذي تُرجم إلى العربية أيضًا آراءه في النفس.

كانت النظرية الذرية هي آخر النظريات الإغريقية وأبرزها في أعقاب بارمنيدس، ويبدو أنّ مخترعها هو لوكيبوس الذي لا يُعرف عنه شيئًا، ثم طورها ديموقريطس (حوالي460-370ق.م).ويصف المؤرخ ديوجين ليرتيوس ديموقريطس، كما لو كان مزيجًا من شيرلوك هولمز والعراف الدلفي.

وقد ظلّ ديموقريطس معروفًا بين الناس باسم «الفيلسوف الضاحك»، وذلك لأنّه غالبًا ما كان يضحك ويهزأ من الحماقة البشرية، بَيْدَ أنّ ما تبقى من كتاباته لا تصف أنّه كان شخصًا مرحًا يسخر من الحياة، فجدية كتاباته تجعل من المستحيل علينا تصور تلك الصورة عنه. وإنْ كان لا مناص لنا من تفسير سبب تسمية الناس له باسم الفيلسوف الضاحك، لنظرنا إلى الأمر من منظور آخر، فنُحمِل اللقب تفسيرًا أقرب لواقع العالم الحديث منه للعالم للقديم، فهو «ضاحكًا» لأنّه كانت له الضحكة الأخيرة، فعلى مرور 2400عام تقريبًا تفصلنا عنه، قبعت مبادئ ديموقريطس تحت وطأة رفض أفلاطون وأرسطو والكنيسة لها، ثم ابتسم له الحظ مع الثورة العلمية في القرن السابع عشر، وظل مبتسمًا له منذ ذلك الحين، في حين ضُرب بالنظريات الفيزيائية لأفلاطون وأرسطو عرض الحائط، فالتصور الحديث للعالم يشبه أفكار ديموقريطس وأتباعه أكثر من أفكار أي من غيره من الإغريق، بل إنّ بعض الأفكار المنسوبة لجاليليو والتي بدت ثورية حينئذ، ماهي إلا ترديد أو إعادة صياغة لما قاله ديموقريطس، بل وما يزيدنا انبهارًا أنّ سلسلة التأثير تمتد من الذريين القدامى حتى انتصار النظرية الذرية الحديثة للمادة في القرن التاسع عشر، ولا ريب أنّ جاليليو والذريين المعاصرين سعوا جاهدين إلى اختبار استنتاجاتهم وإثباتها، بينما كان ديموقريطس ببساطة يؤلفها.

وعلى كلٍّ، تبقى النظرية الذرية القديمة هي الإنجاز الذي توج الفلسفة الإغريقية قبل عصر أفلاطون. وأغرب ما في أمر هذه النظرية التي تبدو علمية في ظاهرها، أنّها قد نشأت مباشرة من أفكار وآراء بارمنيدس المظلمة وغير المعقولة، فبتعديل بسيط لأفكار بارمنيدس تحولت الكينونة الواحدة الثابتة والساكنة لديه، إلى الذرات الغزيرة والحيوية لدى ديموقريطس.

على الرغم من نجاح النظرية الذرية في بلوغ القرن السابع عشر وما يليه، إلا أنّها قد عانت الأمرين لتصل إليه، فقد كرس أرسطو جهدًا عظيمًا ليثبت أنّ النظرية الذرية ليست إلا هراء في معظمها. أما أفلاطون، فنفر من هذه النظرية حتى بدا أنّه لم يتقبل ذكر اسم ديموقريطس في محاوراته فضلاً عن تفنيد آراءه، ويقول ديوجونس ليرتيوس، أنّه كان يكرهه أشد الكراهية حتى أنّه تمنى أنْ تحرق كتبه، ولسوء الحظ كان لأفلاطون ما أراد، فمعظم كتابات ديموقريطس ضاعت إثر الإهمال ولم يتبق إلا القليل. وقد انتهز المفكرون المسيحيون الأوائل كل فرصة لإدانة النظرية الذرية، وإثناء الناس عن دراستها، وكان ذلك لسببين، الأول: أنّها حاولت تفسير كل شيء في إطار ميكانيكي دون الإشارة إلى قدرة الرب، والثاني: أنّها زعمت أنّه لا حياة بعد الموت. كما عانت النظرية الذرية أيضًا من الدعاية السيئة وذلك بتبني أبيقور مثلاً لها، وهو ما اشتهر بتقديس المُتع الحسية والشره مما أساء إلى سمعتها بين أولي الألباب. بل والأسوأ من ذلك هو أنّ أفضل نسخة للنظرية الذرية وأشدها تأثيرًا هي النسخة المطروحة في قصيدة «لوكريتيوس» «عن طبيعة الأشياء» التي تهاجم الدين صراحة.

كان أول من وضع الخطوط العريضة لهذه النظرية هو لوكيبوس، وهذا طبقًا لما قاله أرسطو، ودرس ديموقريطس مع لوكيبوس وحمل الفكرة التي خلدت ذكره وهي: أنّ عددًا لا نهائيًا من الذرات الصغيرة يندفع حول مساحة خالية تسمى «الفراغ» حتى تصطدم الذرات ويلتصق بعضها ببعض فتشكل كل الأشياء التي نعرفها في العالم سواء الحية أو غير الحية. ويقول أحد المعلقين اللاحقين على ذلك:

«هذه الذرات تتحرك في الفضاء اللانهائي منفصلة عن بعضها ومختلفة في الشكل والحجم والمكان والترتيب، ثم تسبق إحداهما الأخرى فتصطدم، ويساق بعضها إلى أي اتجاه عشوائي، بينما يلتحق بعضها الآخر وفقًا للاتفاق في الشكل والحجم والمكان والترتيب وتبقى كذلك، ومن ثّم تتشكل في صورة من أجسام مركبة».

لقد اشتقت كلمة «ذرة-atom –άτομα » من «atomos» بمعنى «لا يمكن قطعه»، فقد قال ليوكيبوس وديموقريطس أنّ الذرات صلبة جدًا ولا يمكن تقسيمها أو تدميرها، بينما تموت الأشياء العادية أو تتفكك عندما تتناثر الذرات المكونة لها، ولذلك فإنّ النظرية الذرية التي نجدها عند أنبادقليس وأناكساجوراس تحاول تفسير التغيير والدمار الذين اعتبرهما بارمنيدس ضربًا من المحال، وذلك عن طريق حل وسط، فتقول الحلول الثلاثة إنّ الأشياء العادية المتغيرة تتكون من مكونات لا تتغير في حد ذاتها، ولكن قد يتغير تركيبها عندما تجتمع أو تفترق، وهذه الأشياء التي أعيد تركيبها هي التي تنتج لنا هذا العالم المتغير الذي نراه. أما القوة التي تجمع الذرات معًا فهي المبدأ الإغريقي القديم القائل إنّ المتماثلات تنجذب لبعضها.

ولقد أخذ ديموقريطس كل الأفكار التقليدية التي تناسبه وعدّل فيها بالقدر اللازم ليتسنى له إدخال الذرات في الصورة، لذلك أقوى ما تتميز به هذه النظرية هي فكرة الذرات في حد ذاتها وإصرارهم على تفسير الطبيعة بأسرها، ولكن من أين أتت فكرة الذرات ؟ ليس هناك ما يدل على أنّه قام بتجارب على أفكاره هذه، وربما استرعت فكرة الجزيئات الدقيقة انتباه ديموقريطس أثناء تأمله للغبار الطائر الذي يرى في الهواء في أشعة الشمس. لكن هناك من يقول أنّ السبب الرئيسي الذي قاد ليوكيبوس وديموقريطس للذرة لم يكن دليلاً أو برهانًا، بل هي مفارقات زينون في الأساس، فقد توصلا إلى استنتاج أنّ المشكلة في مفارقات زينون أو في بعضها على الأقل هي أنّه افترض أنّ الأشياء المادية يمكن تقسيمها إلى مالا نهاية، وقد افترض زينون بالفعل أنّه إذا كانت المواد المعتادة موجودة يمكن تقسمها إلى ما لا نهاية، وأدت هذه الفكرة في النهاية إلى نتائج عبثية.

أما ليوكيبوس وديموقريطس فقد اعتبرا أنّ إمكانية تقسيم الأشياء إلى ما لا نهاية قد تكون نقطة الضعف في المفارقات، فزينون لم يقدم أي دليل عليها، بل افترضها فرضًا. وإذا افترضنا بدلاً من ذلك أنّ المادة لا يمكن تقسيمها إلى ما لا نهاية، أي أنّ هناك ما يمثل أصغر مقياس للمادة والذي يستحيل تقسميه أو تجزئته، عندها ستوقف مسار فكر زينون، أو على الأقل هذا ما اعتقده ليوكيبوس وديموقريطس، وبناءً على ذلك طرحا أنّ الذرة هي أصغر مقياس للمادة.

هكذا، وبعد أنْ فنّد الذريون نظرية زينون، جاء الدور على بارمنيدس، وكان أحد اعتراضات بارمنيدس فكرة الحركة، وهي أنّها تحتاج إلى مساحة خالية، وإلا فلن يكون هناك متسع يتحرك فيه أي شيء، وبما أنّ المساحة الخالية عبارة عن «لا شيء»، فيرى بارمنيدس أنّها مستحيلة الوجود، وإذا كانت المساحة الخالية مستحيلة، فالحركة بطبيعة الحال مستحيلة. وقد اختلف الذريون مع بارمنيدس في الرأي وقالوا أنّه يمكن أنْ يوجد ما يسمى «الفراغ» وحال إيجاد ذلك الفراغ تُهرع إليه الذرات المتحركة. كانت هذه حججهم إجمالاً، وإذا ما قبلنا بوجود الخلاء فلا بد أنْ نقبل بوجود أشياء كثيرة وليس الكينونة الواحدة كما قال بارمنيدس.

وكان ديموقريطس يرى أنّ ألوان الأشياء العادية ونكهاتها ليست صفات موضوعية يتصف بها العالم الخارجي، وإنّما يبدو أنّها حالات لجسم الإنسان تنتج عن تدفق الذرات إليه، وهذا يعني أنّ السمات الأساسية للذرات لا تتضمن أيًا من السمات التي تصاحب حواس الإنسان كاللون أو الرائحة أو الطعم. فكان ديموقريطس يقول: «جرى العرف بأنْ يعد الشيء حلوًا أو مرًا أو ساخنًا أو باردًا أو بلون معين، ولكن الحقيقة أنّ هذا الشيء ليس إلا ذرات وفضاء». ويمكننا أنْ نقول بعبارة أخرى، إنّ ما تخبرنا به حواسنا عن الحرارة أو الطعم أو اللون أو غير ذلك، ما هي إلا مسائل ذاتية بحتة، وقد جرى العرف على أننا ننسب هذه الصفت إلى الأشياء المادية نفسها.

وفيما يخص هذا السياق، آن الأوان لهذه الفكرة أنْ تخرج لترى النور في القرن السابع عشر إذ قام «روبرت بويل» وهو أحد علماء الفيزياء والكيمياء الإيرلنديين الذين تبنوا فكر الفلسفة الذرية بعد تنقيح وتعديل، بوصف «المادة» من خلال ما سماه بالصفات «الأساسية» و الصفات «الثانوية» للأشياء. أما الصفات الأساسية فهي: الحجم والشكل والترتيب والقوام والصلابة وحركة الجزيئات، فهذه هي الصفات التي يحتاجها العالِم لتفسير أيّة ظاهرة من ظواهر الطبيعة. ثم جاء بعده الفيلسوف «جون لوك» وطوّر على هذا الأساس نظرية مفصلة بعيدة الأثر بين فيها خمس صفات أساسية وهي: الحجم والشكل والعدد والصلابة والحالة من حيث الحركة والسكون، وقال أنّ الصفات الثانوية الحسية مثل اللون والرائحة ليست بصفات في الأشياء ذاتها، وإنّما قوى تخلق فينا أحاسيس متنوعة من خلال الصفات الأساسية.

أما عن نظرة الذريون للكون ككل ومكانة الإنسان فيه، فقد طرحوا تصورًا لكون لا نهائي يقبل العقل أنْ يتصور قيام كل أنواع العوالم الممكنة لاتساعه فقالوا:

«هناك عوالم بلا شمس ولا قمر، وهناك عوالم يكبر الشمس والقمر فيها عن الشمس والقمر في عالمنا، وهناك من العوالم فيه العديد من الشموس والأقمار. وتختلف الفترات الزمنية بين كل عالم وآخر، حتى أنّ هناك أجزاء تحفل بالعديد من العوالم، وأجزاء لا تضم إلا القليل، وبعض العوالم لا تزال تنمو، وبعضها أخذ في الصغر. وتُدَمر تلك العوالم عند اصطدام بعضها ببعض. وهناك من العوالم ما لا كائن حي فيه ولا نبات ولا رطوبة».

وبناء على ذلك، ما عالمنا إلا واحد من عدة احتمالات أتت به الظروف المناسبة لقيام الحياة، وكلمة «عالم» هنا تعني كوكبًا أو مجموعة كواكب.

كان ديموقريطس ماديًا صرفًا، فعنده تتركب النفس من ذرات والتفكير عملية فيزيقية، وليس للكون غاية ينشدها، إذ ليس هناك إلا ذرات تسير بمقتضى قوانين آلية، ولم يؤمن بالديانة الشعبية، وفنّد العقل الذي قال به أنكساجوراس، وفي الأخلاق رسخ للفضيلة في أذهان الناس ونفوسهم، ولقد تسببت فكرة اتباع أخلاقيات من صنع الإنسان في إثارة بعض الأسئلة المقلقة بين المفكرين في عصره وهو ما أدى إلى نشوء حركة فكرية عرفت بالسفسطائية، وكره كل ما يتصف بالعنف وحدة العاطفة.

صورة المدرسة الذرية في العالم الإسلامي

أخذ الأشاعرة والمعتزلة بمذهب ذري، لكن على أي صورة عرف المسلمون المذهب الذري اليوناني ورجالاته؟

عرف المسلمون «لوكيبوس» فليسوف المذهب الأول وأستاذ ديموقريطس واضع المذهب في صورته الكاملة. أما عن ديموقريطس، فإننا نرى مفكرًا كالشهرستاني لا يصل إلى معرفة حقيقية عن مذهبه، بل ينسب إليه مذهب أنبادقليس، فديموقريطس عند الشهرستاني يقول بأنّ المبدع الأول هو الأخلاط الأربعة وهي الأسطقسات أوائل الموجودات كلها.

لكن أين المذهب الديموقريطسي؟ إنّ هذا الفيلسوف -الأشعري- الشهرستاني وهو من القائلين بمذهب الجزء الذي لا يتجزأ، لا يتكلم عنه منسوبًا إلى ديموقريطس، اللهم إلا عرضًا حين يعرض لمذهب أبيقور، ويبدو أنّ ديموقريطس وسم في العالم الاسلامي بالدهرية، فهل كان هو السبب في إهمال مفكري الأشاعرة لمذهبه؟؟ لقد صور لنا اليعقوبي مذهب ديموقريطس بأنّه: «ينكر الألوهية والأديان والرسل والمعاد والوعد والوعيد» و«لا ابتداء لشيء ولا انقضاء له ولا حدوث ولا عطب، وإنّما حدوث ما سمي حدثًا تركيبه بعد الافتراق، وعطبا تفريقه بعد الاجتماع، وجميع الوجهين في الحقيقة حضور غائب، ومغيب حاضر».

كما أنّ الغزالي في «تهافت الفلاسفة» يصفه وأتباعه بأنّهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم، وزعموا أنّ العالم لم يزل موجدًا نفسه أي قديم.

لكن هنا سؤال، هل وصل المذهب في صورته الحقيقية إلى العالم الإسلامي وهل أثر هذا المذهب في مفكري الإسلام؟

أما عن معرفته، فأصول المذهب الصحيحة في كثير من مترجمات اليونان. لقد ترجم كتاب «الميتافيزيقا» لأرسطو وعرفه المسلمون معرفة طيبة، وفي هذا الكتاب عرض كامل للمذهب الذري، ولقد دعا الأستاذ «مونك» في كتابه «أمشاج من الفلسفة العربية واليهودية» متابعًا الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون إلى القول بأنّ مذهب المتكلمين في الجزء الذي لا يتجزأ يعود إلى مذهب ديموقريطس.

ثم هناك مصدرًا آخر للمذهب في كتاب «الآراء الطبيعية» لفلوطرخس، كما أنّ أرسطو قدم في كتاب «النفس» والذي تُرجم إلى العربية أيضًا آراءه في النفس.

شارك المقال:
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي