تأجير الأرحام.. عندما يصبح الطرف الثالث حلًا جذريًا

تأجير-الأرحام

||

«إذا كان لديك حظٌ وفير في إنجاب أطفال، فيجب أن تشارك خصوبتك مع من حُرِمُوا منها»

هكذا بدأت السيدة (كيم كوتون-Kim Cotton) حديثها مع صحيفة الإندبندنت البريطانية عن قضية تأجير الأرحام، فهي أول امرأة تُقدم على تأجير رحمها بالمملكة المتحدة مقابل مبلغٍ من المال، وذلك عام 1984م. وقد لاقت الفكرة رفضًا في البداية ثم بدأت في الانتشار مع بداية تسعينيات القرن الماضي حتى امتدت للعديد من الدول، وأصبحت من أهم تقنيات الحمل المساعد فيما يعرف علميًا ب(تقنيات التلقيح المساعدة-Assisted Reproductive Technology) [1]

1- ماذا يعني تأجير الأرحام؟

تأجير الرحم هو استعانة زوجين غير قادرين على الإنجاب بسبب بعض المشاكل الصحية سيتم ذكرها فيما بعد، بامرأة أخرى تكون بمثابة رحم بديل يستقر فيه الطفل في مراحل تكوينه الجنيني وحتى الولادة وتسمى تلك المرأة المتطوعة ب(الأم البديلة). تتم هذ العملية بمقابل مادي في كثير من الأحيان، وأحيانًا أخرى تقدَّم كهبة للمرأة الغير قادرة على  الإنجاب من امرأة تربطها بها صلة قرابة دون أي مقابل. [2]

-هناك طريقتان لتأجير الأرحام:

الأولى: أن يتم تخصيب بويضة الأم البديلة بحيوان منوي من الأب سواء عن طريق إقامة علاقة جنسية أو عبر التلقيح الصناعي (Artificial insemination) الذي يتم غالبًا عبر حقن السائل المنوي للأب البيولوجي داخل الجهاز التناسلي للأم البديلة، أو عن طريق استخدام السائل المنوي لمتبرع آخر -لكن- في كل الحالات سيحمل هنا الجنين صفات جينية مكتسبة من الأم البيولوجية البديلة نظرًا لكونها متبرعة بالبويضة وبالرحم في هذه الحالة. وتُعرف هذه الطريقة باسم (تـأجير الرحم التقليدي-Traditional Surrogacy) وتعد هذه الطريقة هي الأكثر قبولًا ونجاحًا. [2]

شكل رقم (1) يوضح عملية التلقيح الصناعي

الطريقة الثانية: أن تتم عملية الإخصاب معمليًا خارج الجسم، وذلك عن طريق تلقيح بويضة الزوجة بالحيوانات المنوية الخاصة بزوجها؛ فينتج عن ذلك بويضة مخصبة جاهزة للحقن في رحم الأم البديلة. يحمل الجنين هنا صفات جينية مكتسبة من الأم والأب البيولوجيين -ليس من الأم البديلة- وتعرف هذه الطريقة ب(Gestational Surrogacy)، لكن تلك الطريقة يلاحقها الوصم لأنَّها تجعل من الأم البديلة مجرد وعاء لحمل الجنين، بالإضافة لكونها أكثر تكلفةً وتعقيدًا. [2]

2- متى يعتبر تأجير الأرحام طوق النجاة الوحيد؟ [3]

إذا كان هناك سببًا قويًا يقف حائلًا أمام حلم الإنجاب مثل:

  • غياب الرحم لعيوب خلقية (متلازمة ماير روكيتانسكي كوستر هاوزر-Müllerian agenesis).
  • استئصال الرحم والذي يعتبر أحد الحلول الطبية في بعض الأحوال مثل حالات النزيف الشديد وحالة تمزق وانفجار الرحم.
  • تشوهات الرحم والتي تؤدي إلي الإجهاض المتكرر.
  • الأمراض الخطيرة التي تتسبب في فقدان الرحم لوظيفته أو إزالته تمامًا مثل: سرطان عنق الرحم.
  • الأمراض المزمنة عند بعض الزوجات والتي قد تؤدي للوفاة مع وجود الحمل.

3- كيف يتم اختيار الأم البديلة؟ [3]

هناك بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في الأم البديلة مثل:

  • أن يتراوح عمرها بين 21 و45 سنة.
  • أن يكون قد سبق لها الإنجاب لمرة واحدة على الأقل.
  • أن تكون قد أتممت حملها السابق بصورة سليمة، وكان الحمل كامل وخالي من أي مضاعفات.
  • لم يسبق لها الحمل لأكثر من 5 مرات.
  • أن تكون معافاة من جميع الأمراض الجسدية والنفسية وخاصة الأمراض المُعدية.

4- ما المشاكل الخاصة بذلك النوع من الحمل؟

  • مشاكل خاصة بالجنين [4]:

تشير بعض الدراسات إلي إمكانية تكوٌن أجسام مضادة في جسد الأم الحاضنة تهاجم الجنين، حيث يُعتبر الجنين جسمًا غريبًا يتعرف عليه الجهاز المناعي للأم ويهاجمه نظرًا لاختلاف الأمر عن الحمل الطبيعي وخاصة بال(Gestational Surrogacy).

  • مشاكل خاصة بالأم البديلة [5,6] :

تشير بعض الدراسات إلى تعرض السيدات اللاتي تم استئجار أرحامهن إلى نوبات اكتئاب، ويرجع ذلك إلى ما يسببه الحمل من تغيرات نفسية وسلوكية. يمكن الحد من هذا الخطر عن طريق تقديم الرعاية الصحية الكافية للأم البديلة، علاوة على الدعم النفسي والاجتماعي المقدم من الأبوين البيولوجيين.

  • بالنسبة للآباء:

تشير بعض الدراسات إلى تعرضهما إلى ضغوط نفسية أثناء عملية البحث عن المرأة التي تصلح لأن تكون أمًا بديلة والتفاوض معها وإنهاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالأبوة.

  • للقضية جوانب أخرى: [3]

على الرغم من أنَّها قضية طبية في المقام الأول إلا أن الأبعاد التي تحملها جعلت منها مرتعًا لتدخل القانونيين. ويختلف الموقف القانوني باختلاف طبيعة المكان ومعتقدات سكانه بين الإباحة التامة والرفض القاطع
 ويمكن تقسيم الدول من الناحية القانونية إلى أربع مجموعات:

  • دول تبيح تأجير الأرحام بمقابل مادي:

حيث يتم إبرام عقد إتفاق بين الأبوين البيولوجيين والأم البديلة ويتضمن العقد حق الانتفاع برحم الأم البديلة طوال فترة الحمل على أن تتنازل عن الطفل فور ولادته مقابل مبلغ من المال ليصبح منتسبًا بشكل رسمي لأبويه البيولوجيين ويسمى هذا النوع (تأجير الأرحام التجاري-Commercial surrogacy) مما يدفع البعض إلى تأجير أرحامهن كمهنة لاكتساب العيش عند بعض النساء.

من بين هذه الدول: (الهند وإسرائيل وبعض الولايات الأمريكية).

  • دول تبيح التبرع بالرحم فترة دون مقابل:

وفي تلك الدول تستطيع المرأة التبرع برحمها لصديقتها أو ابنتها أو شقيقتها طوال فترة الحمل لكن دون مقابل مادي ودون عقود مبرمة ويسمى هذا النوع (Altruistic surrogacy).
ومن بين هذه الدول: (بلجيكا واليونان وأستراليا والمملكة البريطانية)

  • دول تبيح التبرع بالرحم ولكن بشروط:

لا يوجد قانون يبيح تأجير الأرحام أو يجرمها في هذه الدول، لكن كي ينتسب الطفل لأبويه البيولوجيين عليهما القيام بإجراءات قانونية معقدة مثل (إعلان الأبوة).

  • دول تمنع استئجار الأرحام أو التبرع بها:

تعتبر هنا الاستعانة بأم بديلة جريمة في تلك الدول فيلجأ الآباء للسفر إلي الهند أو روسيا للبحث عن أم بديلة، لكن هذا يعرضهم للمساءلة القانونية أو مشكلات متعلقة بالإقامة أو جنسية الطفل المولود.

5- رؤية شاملة للموقف القانوني والاجتماعي والصحة النفسية للأطراف الثلاثة:

  • بالنسبة للطفل:

قد يتعرض الطفل للنبذ من أبويه البيولوجيين أو التنمر من مجتمعه، ويكون الطفل هنا أكثر عرضةً لاكتئاب ما بعد الصدمة حين يكتشف أنه لم يخرج من رحم المرأة التي عنيت بتربيته طيلة حياته، ونادرًا ما يدخل طرفًا في نزاعات قضائية بين أمه البديلة وأبويه البيولوجيين.

  • بالنسبة للأم البديلة:

     قد تتعرض الأم البديلة للاستغلال في حالة تأجير الأرحام التجاري، خاصةً إذا لم يكن هناك عقود تحفظ حقوقها كاملة. كما يمكن أن تتعرض للوصم أو الإتهام بالإتجار بأطفالها.

  • بالنسبة للأبوين البيولوجيين:

يمكن أن يتعرضا للنبذ من العائلة، أو لنزاعات قضائية خاصةً بالمواريث مما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية.

لذلك يظل السؤال المطروح.. هل يستجيب القانون ويرضخ المجتمع للتغيير الذي فرضه العلم، أم سيضطر العلم للبحث عن حلول أخرى؟!

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعداد:  أمنية أحمد سويدان

مراجعة علمية: Mahmoud Ahmed

تدقيق: أمنية أحمد عبد العليم

#الباحثون_المصريون #طب #صحة_إنجابية #قضية #تأجير_الأرحام #جنين
المصادر:

  1. Gander, K. (2017). Why the UK’s first surrogate mother says the law must be changed. [online] The Independent. Available at: https://www.independent.co.uk/life-style/health-and-families/uk-first-surrogate-mother-kim-cotton-carry-someone-else-baby-law-change-a7645831.html [Accessed 13 Apr. 2018].
  2. van den Akker, O.B., 2017. Introduction to Surrogacy: Historical and Present Day Context. In Surrogate Motherhood Families (pp. 5-37). Palgrave Macmillan, Cham.
  3. Söderström-Anttila, V., Wennerholm, U.B., Loft, A., Pinborg, A., Aittomäki, K., Romundstad, L.B. and Bergh, C., 2016. Surrogacy: outcomes for surrogate mothers, children and the resulting families—a systematic review. Human reproduction update, 22(2), pp.260-276.
  4. Van der Hoorn, M.L.P., Lashley, E.E.L.O., Bianchi, D.W., Claas, F.H.J., Schonkeren, C.M.C. and Scherjon, S.A., 2010. Clinical and immunologic aspects of egg donation pregnancies: a systematic review. Human reproduction update, 16(6), pp.704-712.
  5. Ruiz-Robledillo, N. and Moya-Albiol, L., 2016. Gestational surrogacy: Psychosocial aspects. Psychosocial Intervention, 25(3), pp.187-193.
  6. Van den Akker, O.B., 2006. Psychosocial aspects of surrogate motherhood. Human reproduction update, 13(1), pp.53-62.
شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي