غاز الضحك N2O .. نتائج واعدة في علاج الاكتئاب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
في مفارقةٍ غريبة، يزداد حاليًّا التَّطلُّع إلى المواد المؤثَّرة على الحالة النَّفسيَّة -التي عادةً تؤخَذ بطرق غير شرعيَّة- كعلاج للأمراض الذِّهنيَّة.

على سبيل المثال، يتمُّ التقصِّي الآن عن مادة ميثيلين ديوكسي ميثامفيتامين (MDMA) كعلاج لاضطِّراب ما بعد الصِّدمة (PTSD)، وكذلك عن مادة الكيتامين (Ketamine) لدورها في تقليل الأفكار الانتحاريَّة.

وينضم إليهما غاز أوكسيد النيتروس (N2O) المعروف باسم «غاز الضحك».

تركيب غاز أوكسيد النيتروس N2O المسمى بـ غاز الضحك

تركيب غاز أوكسيد النيتروس N2O

 

أقيمت تجربة على 24 مشاركًا في الولايات المتَّحدة باستخدام هذا الغاز؛ وجد فيها الباحثون أنَّ جرعات صغيرة منه يمكنها أن تخفِّف من حدَّة أعراض الاكتئاب المقاوم للعقاقير الحاليَّة.[1]

وما يزيده تميُّزًا هو استمرار تأثيره لعدَّة أسابيع، وقلَّة أعراضه الجانبيَّة. كما أكَّد الدكتور بيتر ناجيل (Peter Nagele)  -أخصَّائي التخدير من جامعة شيكاغو- بهذا الصَّدد قائلًا:

إنَّ قلَّة الأعراض الجانبيَّة لم تكن مُتوقَّعة، وتُعتبَر مفاجِئة، ولكن ما يثير حماسنا هو أنَّ تأثيرُ جرعة واحدة بقي لأسبوعين كاملَين.

 

اكتشاف غاز الضحك

عندما اكتُشِف غاز الضحك لأوَّل مرَّة في أواخر القرن الثامن عشر، أقام الكيميائيُّون في إنجلترا حفلات غاز الضحك للطَّبقة الأرستقراطية، وقد استُخدِمت تلك الحفلات كتجارب حينئذٍ للكشف عن كيفيَّة عمل هذا المركَّب.

حفلات غاز الضحك في إنجلترا في القرن الثامن عشر

حفلات غاز الضحك في إنجلترا في القرن الثامن عشر

وقد أقرَّ مُرتادي تلك الحفلات بشعور بالبهجة واختفاء للآلام؛ ولهذا السَّبب تم اعتماد استخدام الغاز في طبِّ الأسنان والجراحة. وبعد مئات السِّنين، يعرفه الكثير منَّا الآن كمخدِّر أو مُهدِّئ.

 

تجارب غاز أوكسيد النيتروس

لكن في السَّنوات القليلة الماضية، أعاد العلماء النَّظر في استخدامات هذا الغاز في العيادات السَّريريَّة.[1]

في عام 2015، أثبتت دراسة أُجرِيت المبدأ القائل بأنَّ عمليَّة استنشاق غاز محمَّل بـنسبة 50% من أوكسيد النيتروس، ولمدَّة ساعة، يمكنها أن تعمل كمضاد سريع للاكتئاب؛ إذ انخفضت أعراض الاكتئاب انخفاضًا حادًّا في اليوم التَّالي للعلاج لأغلب المشاركين، ولكن لم يستمر تأثير تلك الجلسة عليهم بعد سبعة أيام. وبالرُّغم من عدم وجود أعراض سلبيَّة خطرة، إلَّا أنَّ الكثير من المشاركين شعروا بالغثيان، ودوار الرأس، أو البارانويا.[1]

ولكن هناك دراسة جديدة تُظهِر نتائج مختلفة عمَّا سبق. ففي تجربة سريريَّة من الطَّور الثَّاني، تمَّ توزيع 24 متطوِّعًا من مرضى الاكتئاب المقاوم للعقاقير إلى ثلاث مجموعات، كلٌّ منها تمَّ علاجها بثلاثة علاجات، ولكن بترتيب مختلف عن المجموعتين الباقيتين، وبفاصل زمنيٍّ بمقدار شهرٍ بين كلِّ جلسة علاجيَّة.[2]

تضمَّن علاج المجموعة الأولى ساعةً كاملةً من التعرُّض لجرعة عالية من أوكسيد النيتروس (50%)، والثانية ساعة كاملة من التعرُّض لجرعة منخفضة من ذات الغاز (25%)، أمَّا المجموعة الثالثة فكان علاجها هو التعرُّض لعلاجٍ وهميٍّ.

 

نتائج واعدة لغاز الضحك

على الرَّغم من اختلاف ردود أفعال المرضى لكلِّ علاج، وظهور تأثير قوي للعلاج الوهمي على البعض؛ إلَّا أنَّ معظم المشاركين قد ظهر عليهم أعراض التحسُّن على مدار الأشهر العلاجيَّة الثلاثة.[2]

وقد أكَّد الباحثون أنَّ هذا التحسُّن يفوق العلاجات التقليديَّة للاكتئاب؛ حيث أنَّه يميل إلى الاستمراريَّة أكثر ممَّا كان في اعتقادهم، كما وجدوا -بعد مرور أسبوعين من الجلسة العلاجيَّة- أنَّ للغاز تأثيرًا يفوق تأثير العلاج الوهمي؛ ممَّا يؤكِّد فاعليَّة الأوَّل. ولكن من الجدير بالذِّكر أنَّ ظهور الأعراض الجانبيَّة قد ارتبط بشكلٍ متكرِّرٍ، وبمعدَّل أربعة أضعاف أكثر، بعد التعرُّض للجرعة العالية؛ أمَّا الجرعة المنخفضة، فقد كانت تتسبَّب في حدوث النُّعاس على الأكثر.[1]

وقد استطرد دكتور ناجيل حديثه قائلًا:

لقد كانت ملاحظات الأبحاث التي استخدمت الكيتامين كعلاج للاكتئاب دافعًا لهذه الدِّراسة. وبشكل مماثل لأوكسيد النيتروس، فإنَّ الكيتامين مادَّة مُخدِّرة، وقد أظهرت نتائج واعدة -باستخدام جرعات أقلّ من الجرعات المُخدِّرة- لعلاج الاكتئاب. لهذا السَّبب؛ تساءلنا عن كون جرعة الـ 50٪ لغاز أوكسيد النيتروس عالية للغاية، فربَّما من الممكن استخدام جرعة أقلّ لإيجاد التَّركيز المثالي الذي يعطي أفضل النَّتائج السَّريرية، وأقلّ الأعراض الجانبيَّة.

وعلى الجانب الآخر، فهناك من السَّلبيَّات ما يجب ذكره؛ كصغر حجم العيِّنة المُستخدَمة في هذه الدِّراسة -أي عدد المتطوِّعين-، وأنَّ الباحثين قد تابعوا الحالات لمدَّة أسبوعين فقط؛ فهذا أيضًا غير حاسم بشأن استمراريَّة تأثير الجرعة الأولى من الغاز حتى موعد الجرعة الثانية.[1]

ولهذا السَّبب؛ من الممكن أن نفترض بأنَّ استخدام جرعات متعدِّدة قد يكون له تأثير نافع طويل الأمد.

في النِّهاية، نؤكد أنَّ لا بُدَّ من القيام بالمزيد من الأبحاث؛ بشأن تسخير منفعة هذا العلاج سريريًّا ضدَّ الاكتئاب بشكلٍ آمنٍ وفعَّال، فهنالك احتياجٌ متزايدٌ للعلاجات البديلة؛ لكثرة المرضى المعرَّضين لفشل العلاجات التقليديَّة.

واختتم ناجيل حديثه مؤكِّدًا:

هذه ما هي إلَّا دراسات افتتاحيَّة فقط. نحتاج موافقات من مجتمعات طبِّيَّة أكبر؛ لاستخدام هذا كعلاج حقيقي للمرضى في حياتهم. معظم أطبَّاء النَّفْس لا يألفون غاز النيتروس، أو طريقة استخدامه من الأساس؛ لهذا السَّبب يجب أن نُظهِر للمجتمع كيف يمكنه استخدام هذا العلاج بشكلٍ آمنٍ وفعَّال[1]