زوجات الأدباء، طه حسين وزوجته سوزان.

زوجات الأدباء.. كشف الجوانب الخفية من حياة الكُتَّاب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
يقول الكاتب (أنيس منصور) ساخرًا:

«من حُسن حظِّ الرِّجال عمومًا أنَّهم يموتون قبل زوجاتهم؛ وبذلك تقع أعباء الحياة والنَّدم والعيال فوق رؤوس الزَّوجات. ومن سوء حظِّ الأدباء -خصوصًا- أنَّ زوجاتهنَّ يعِشْن بعدهم، ومن الغريب أنَّ زوجات الأدباء أطول عمرًا من كلِّ الزَّوجات الأخريات؛ فقد عاشت زوجة (تولستوي) بعده لسنوات وكتبت عنه مئات الصَّفحات، وعاشت زوجة الأديب الإنجليزي (ديفيد هـ. لورانس) بعده 20 عامًا لتكتب أتفه ما في حياته، وقبل أن يموت (بيكاسو) انفصلت عنه زوجته الرَّابعة لتكتب تاريخ حياته معها وحياتها معه».

وكان هذا من سوء حظِّ الكاتب أو الفنَّان؛ لأنَّ الكاتب شأنه شأن ربَّات البيوت، يكره أن يُدخِل ضيوفه المطبخ ليروا الخضار قبل تقشيره وغسله، واللحم مكوَّمًا غير مُقطَّعٍ، وليسمعوا نشيش الشِّواء، كأنَّه يقول لهم: مالكم ولهذا كلَّه، يكفيكم أنَّني قدّمت لكم وجبة شهيَّة، لعلَّ بدخولكم المطبخ وكشفكم السِّرَّ يضيع عليكم شيءٌ من لذَّة الطَّعام.
وعلى الرَّغم من ذلك، فقد وصلتنا الكثير من الجوانب الخفيَّة من حياة الكُتَّاب عن غير عمدٍ منهم، ليس فقط فيما يتعلَّق بأعمالهم الأدبيَّة؛ ولكن أيضًا فيما يتعلَّق بتعاملهم مع عائلاتهم وبشكلٍ خاصٍّ أزواجهم، وهناك أمثلة عديدة.

أديب وإنسان عظيم لكن ليس بالضَّرورة زوج جيِّد

تتجلَّى حياة الأديب الرُّوسي (ليو تولستوي) من وجهة نظر زوجته (صوفيا) في يوميَّاتها التي نشرتها بعد وفاته، وقد تتفاجئ ممَّا كتبَته زوجته عنه؛ إذ أنَّنا كقُرَّاء نتوقَّع من هذا الأديب الفذّ الذي سبر أغوار النَّفس البشريَّة أن يكون زوجًا جيدًا.

«ليسامح النَّاس تلك المرأة الضَّعيفة، التي ربَّما كانت عاجزة منذ الشَّباب عن أن تحمل على كتفيها الضَّعيفتين تلك المهمَّة الرَّفيعة، أن تكون زوجة رجلٍ عبقريٍّ وإنسانٍ عظيم».

هذا ما كتبته (صوفيا أندرييفا) في عام 1913 عقب وفاة زوجها الأديب الرُّوسي الكبير ليو تولستوي، بعد أن عاشت حوالي نصف قرن إلى جانبه، وشاطرته صعوبات الحياة.
وكان نشرها لليوميَّات بمثابة روايةٍ للأحداث اليوميَّة التي تجسّد خِصال الكاتب، وموقف زوجته من سلوكه معها ومع الأخرين، وأفكاره في ذلك الزمان، ومعاناتها بسبب هذا كلَّه.

تزوَّج ليو تولستوي زوجته صوفيا في عام 1862، وأصبحت تحمل لقب كونتيسة حين كان عمرها 18 عام، بعد أن نشأت مُترفة في كَنَفْ أبيها طبيب الأسرة القيصريَّة، حيث اكتسبت صوفيا الكثير من العادات الأرستقراطيّة وحصلت على تعليم جيِّد، فأجادت ثلاث لغات أجنبيَّة، وتعلَّمت العزف على البيانو، ناهيك عن الإطِّلاع على الآداب العالميَّة. وكان ليو تولستوي قد أصبح آنذاك كاتبًا معروفًا و تُرجِمَت أعماله إلى اللُّغات الأجنبيَّة.

زوجات الأدباء، ليو تولستوي وزوجته.
ليو تولستوي وزوجته صوفيا.

لقد أحبَّت صوفيا زوجها بصدق، وكان عليها أن تبذل قصارى جهدها لإنجاح علاقتهما، خاصَّة بعد ما لاقته من عيوب في شخصه، منها ما علِمَته حين أطلعها على يوميَّاته التي كتبها أثناء خدمته في الجيش، بما فيها من مساوئ حياة الضُّبَّاط آنذاك من سُكْرٍ، وعربدة، ولعب القمار، ومعاشرة الغجر، وبنات الهوى.

فزعت صوفيا لفظاعة الأمور الواردة فيها وقد ترك هذا  لاحقًا أثره على علاقتهما. وأيضًا التَّقلُّبات المزاجيَّة الحادَّة في شخصيَّة تولستوي، والتي كلَّفتها أيَّامًا حزينة مليئة بالغضب والوحدة بلا سبب إلَّا طبيعة زوجها المتباينة.

وكانت تجربة الزَّوجين فريدة؛ لأنَّهما امتلكا نافذة تعبيرٍ غير مباشرةٍ، فكانا حريصَين على كتابة يوميَّاتهما بشكل منتظم.

بين الحبِّ والشَّقاء

كتبت صوفيا في يوميَّاتها في يناير عام 1863 إِثْر خلافٍ وقع بينهما:

«لم أشعر في حياتي بما أشعر به الآن من البؤس والنَّدم، لقد اختنقت من الدُّموع طوال اليوم، أشعر بالإكتئاب الشَّديد أخشى التَّحدُّث إليه أو النَّظر إليه».

وكتب تولستوي عنها في تلك الفترة:

«الشِّجار الأخير ترك بعض الآثار الصَّغيرة، كلُّ شجارٍ على هذا الشَّكل، مهما كان تافهًا هو ندبة على جدار الحبِّ، لو كان إنزعاجًا بسيطًا سيمرُّ، لكن النَّدبة مهما كانت صغيرة ستبقى للأبد، أنا أعرف هذا وسأعمل لأحافظ على سعادتنا».

وكانت صوفيا عونًا لزوجها فآمنت بموهبته، وأفنت حياتها لخدمته، وسعدت بذلك. ويُروى عنها أنَّها نسخت رواية الحرب والسَّلام بيدها أكثر من ثمان مرَّاتٍ.
وقامت صوفيا بكافَّة الأعمال بُغية التَّخفيف عن زوجها، ولكي يتفرَّغ للتَّأليف والمطالعة، ودفعت صوفيا لهذا ثمنًا غاليًا من المعاناة النَّفسية والمرض كما يتبيَّن ذلك من سطورها، كلُّ ذلك بجانب مشقَّة إنجاب وتربية أبنائهم الثَّلاثة عشر.

فقالت:

«وهبْتُ كلَّ قواي إلى العائلة، لم أتعلَّم كما يجب، ولم أتقن أيَّ مهنة، ولم أعرف النَّاس بقدْرٍ كافٍ، لكن فات الأوان»… و«لكلِّ إنسانٍ قدَره، وقدري أن أكون عنصر خدمةٍ لزوجي الكاتب وحسنًا فعلْتُ؛ فقد خدمْتُ على أقلِّ تقدير إنسانًا جديرًا بالتَّضحية من أجله».

ولكن تظلُّ الزَّوجةُ زوجةً، وانزعجت صوفيا ممَّا قد تنزعج منه الزَّوجات، ولم تشاطره الرَّأي في الكثير من المواقف والأفكار.

تقول صوفيا:

«قبل 20 عام، بدأتُ أنا الفتاة السَّعيدة الشابَّة بكتابة هذه اليوميَّات، ولا يوجد في تاريخي مع ليو سوى الحبِّ. والآن بعد مُضيِّ 20 عام، أجلس وحيدةً طوال الليل، لقد هرب ليو منِّي لأوَّل مرَّةٍ في حياتي ليبيت في غرفة المكتب، فقد تشاجرنا بسبب أمورٍ تافهة، وأنا عنَّفتُه بسبب عدم رعايته للأطفال، فهو لا يساعدني في رعاية ابننا المريض وخياطة السُّترة له، لكنَّ المسألة لا تكمن في السُّتراتِ؛ بل في برودته حيالي وحيال الأطفال. وصرخ اليوم بصوتٍ عالٍ بأنَّ أقوى فكرةٍ تراوده هي ترْكُ العائلة. سأموت ولن أنسى صياحه هذا أبدًا، وبدا كما لو أنَّه اقتطع جزءًا من قلبي…»

وتكرَّرت شكواها في يوميَّاتها من لامبالاته تجاهها وتجاه الأطفال، ولكن يبدو أنَّ صوفيا وضعت يدها على المشكلة وتفهَّمتها، فتقول في عبارةٍ جميلةٍ:

«الإنسان الموهوب يُودِع كلَّ الفَهمِ والرَّهافة الرُّوحيَّة في مؤلَّفاته؛ بينما ينظُر إلى الحياة بفتورٍ ولامبالاةٍ، ويوم أمس تأمَّلْتُ في موسيقى (سيرجي إيفانوفيتش) -ملحِّن روسي- ولديَّ الكثير منها، إنَّها تطابق المزاج في كلِّ كلمةٍ تقريبًا، وما أشدَّ وقْعَها في بعض المقاطع، وفي الوقت نفسه، يبقى فيها طبعه وأسلوبه وتستطيع أن تميِّزه في كلِّ مكان؛ أمَّا في الحياة العادية، فهو هادئ وغير ميَّال للمخالطة، ولا يُعبِّر عن أيّة مشاعر ويبدو دائمًا بهيئة اللامبالاة إزاء الجميع.
أمَّا زوجي فهو أكثر موهبةً بما لا يُقاس! وما أعجب الإدراك في أعماله للحياة السَّيكولوجيَّة للبشر؛ بينما يُبدي اللامبالاة حيال أقرب النَّاس إليه! فهو لا يعرف ولا يفهم حياتي وحياة الأبناء والأصدقاء»

لماذا قد تتأثَّر حياة الأديب الإجتماعيَّة؟

ويجيب أنيس منصور عن ذلك، فيقول أنَّ سوء الحظِّ هذا ليس سببه الأدباء أنفسهم؛ وإنَّما سببه صناعة الأدب نفسها، أو عمليَّة الخَلْق الأدبيِّ أو الفَنِّيِّ.
والأديب، والفنَّان، والمفكِّر، أسماء مختلفة لكائنٍ واحدٍ مسكين، هو مسكين لأنَّه حسَّاس، وهو حسَّاس لأنَّه مضطَّرٌّ إلى تشغيل كلِّ عواطفه وغرائزه، والإستجابة إليها، ثمَّ إطلاقها على الورق.

وعلى الرَّغم من أنَّ الأديب يقضي معظم وقته وحده؛ إلَّا أنَّه يعيش في زحامٍ من أفكاره وهمومه، وهو لذلك مشغول عن أقرب النَّاس إليه، وقد يكون أقرب النَّاس إليه هو زوجته، وهنا تكمن مشكلة الأديب..
هذه الصُّورة المعقَّدة التي يعيش فيها الأديب هي التي لا تشعر بها الزَّوجة، فهي تجد نفسها أمام إنسانٍ مشغول عنها كأنَّه مخطوف، وهذه الحالة التي يكون عليها الأديب تصبح المعطيات التَّاريخيَّة للزَّوجة لتكتب عن زوجها.

وتكرَّرت شكوى زوجات الأدباء الكبار من ذلك؛ فإلى جانب زوجة ليو تولستوي، تجد أيضًا زوجة الأديب الإنجليزي (ديفيد. هـ. لورانس) مشغولةً بأن تكون زوجة، وتريد أن يكون زوجها زوجًا فقط، ولكنَّه مشغول عن وظيفته الزوجيَّة بوظيفة أكثر حيويَّة وجوهريَّة بالنِّسبة له، وهي أنَّه أديب وفنَّان طوال الوقت، وزوج في أوقات الفراغ.

وإنًّ صفحات كتاب أرملة (ديفيد هـ. لورانس) تضمُّ موضوعاتٍ وملاحظاتٍ عن أسخف وأتفه ما في حياة زوجها، وهذا الذي قد يبدو تافهًا تراه الزَّوجة جوهريًا، ويستحقُّ أن يُودَع في 300 صفحة.

أُخريات

وهناك من زوجات الأدباء مَن لا يسِعُنا إغفال أثرهم، ومنهم (سوزان) زوجة الأديب الرَّاحل (طه حسين) والتي نشرت كتابها (معك) بعد وفاة زوجها، والذي تروي فيه حياتهما معًا والتي تجاوزت الخمسة عقود.
تروي سوزان في كتابها حياتهما منذ اللحظة التي أخبرت فيها أهلها برغبتها في الزَّواج من ذاك الشَّاب، والذي كان أجنبيًّا عنها، وأعمى، وفوق كلِّ ذلك مسلمًا، وأعتبر أهلها ذلك ضربًا من الجنون كما تُعبِّر في كتابها.
إلى اللَّحظة التي توفِّي فيها حين قالت:

«بقيْتُ مع جثمانه وحدي نصف ساعة كاملة، وهمستُ ألَمْ نبدأ حياتنا وحيدين، وها نحن الآن ننهيها وحيدين».

وكان لها أثرًا كبيرًا على طه حسين، حتى أنَّه كتب لها:

«بدونك أشعر أنَّني أعمى حقًّا؛ أمَّا وأنا معكِ فإنِّي أتوصَّل إلى الشُّعور بكلِّ الأشياء التي تحيط بي»

وحين كان في فرنسا، كانت سوزان تقرأ له يوميًّا من الأدب الفرنسي، فقال عنها بعد حين في كتابه (الأيَّام):

«أنا مَدِينٌ لها أن تعلَّمْتُ الفرنسيَّة، وأن تعمَّقَت معرفتي بالأدب الفرنسي، وأنا مَدِينٌ لها أن تعلَّمْتُ اللاتينيَّة ونجحت في نَيل إجازة الآداب»

وهناك أيضًا زوجةُ أمير الشُّعراء (أحمد شوقي)، والتي يقول النُّقَّاد أنَّها كانت الأقرب له، وكان كثيرًا ما يعترف لها بأنَّ لها دورًا مؤثرًا في حياته.
وأختمُ بما قاله (يحيى حقِّي) عنها:

«كان ممَّا أعانه -يقصد شوقي- على الإنطلاق في الحياة أنَّ الله سبحانه وتعالى أكرمه بزوجةٍ صالحةٍ، ساندته بمالها ولم توجِّه له يومًا أخفَّ لَومٍ، رغم أنَّه كانَ جديرًا في أحيانٍ عدَّةٍ بلومٍ كثير، ولو كنْتُ من النَّاشرين لهممْتُ بكتابة اسمها إلى جانب اسمه على ديوانه، فلو كان مكان هذه الزَّوجة زوجةً عبوسًا غضوبًا؛ لتلجلجَ لسان شوقي وعجز عن إبداع كلِّ هذا الشِّعر الجميل».

3.3 4 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments