Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

سقراط والتاريخ

5b4f54a868eb0-780x405

سقراط

مشكلة سقراط

إنّ شخص سقراط يطرح على الفيلسوف مشكلة غريبة جدًا ولكنّها مفعمة بالمعاني: كل تاريخ الفلسفة اليونانية يتمحور حول إسم سقراط، وفي الوقت نفسه لا ندري مَن كان سقراط حقًّا.

صحيح ألّا تاريخ للفكر اليوناني من دون سقراط، ولكن هذا التاريخ نفسه لا يسمح لنا بأن نجعل من سقراط شخصية تاريخية. وصحيح أيضًا أن ثمة «لحظة تاريخية لسقراط» كما يقول باستيد، ولكن يجب أن نضيف للحال أن ليس ثمة تاريخ لسقراط. وبعبارة أخرى: إنّ سقراط يَقبض على التاريخ بقدر ما أنّ التاريخ يَهرب منه.

وممّا يدفعنا إلى الجزم بأنّ كل تاريخ الفلسفة الغربية مسيطَر عليه من قِبل سقراط، هو بعض أفكار المؤرخين المسلَّم بها حول تصنيف مختلف المدارس الفلسفية. فنقول «السقراطيون الصغار» في إشارة إلى الميغاركيين والسيرنايكيين والسينيكيين. ونقول «السقراطيون الكبار» في إشارة إلى أكاديمية أفلاطون ومدرسة أرسطو المشّائية. وبناءً عليه نلحظ الأهمية التي تكتسبها فلسفة سقراط في تاريخ الأفكار، حيث إنه بسبب أفكاره الملهِمة استطاعت الحضارة الغربية أن تصمد حتى مجيء المسيحية وما بعدها.

وماذا سنقول أيضًا بصدد ذلك المصطلح الشهير: «القبسقراطيون»، والذي يُستخدم في الإشارة إلى فلاسفة القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، والذي لا يثير أية أهمية لولا أنه يعني في العمق أنّ هؤلاء الفلاسفة إنما كانوا في الواقع يُمهّدون لمجيء الفكر السقراطي؟

والحال أنه سواء أكان حضور سقراط في التاريخ حضورًا يستدعي الهجاء كما عند نيتشه، أو حضورًا يستدعي المديح كما عند آخرين، فإنه مما لا شك فيه أنّ شيئًا ما قد تغيّر مع سقراط. وبهذا المعنى فإنّ فكر سقراط هو أحد المنعطفات الكبرى في التاريخ، إذ معه تنتهي حقبة وتبدأ أخرى.

إنّ سقراط لم يكتب أبدًا. وكل ما نعرفه عنه هو مما وصلَنا عبر شهادات لبعض معاصريه. وتقول هذه الشهادات القليل والكثير عن سقراط. والمفارقة أنها قد كُتبت على أيدي شخصيات إما بالِغة القوة أو بالغة الوهن، بحيث أننا لا نستطيع أن نسلّم بشهاداتها على نحو مطلق.

شهادة أفلاطون

لم يكن أفلاطون قد بلغ من العمر سوى عشرين عامًا يوم التقى بسقراط سنة ٤٠٧ ق.م.، حيث استمرّ بعدئذٍ بمتابعة دروس مُعلّمه لمدّة ثماني سنوات إلى حين وفاة سقراط سنة ٣٩٩. تلك الوفاة التي لم يشهد أفلاطون واقعتها شخصيًّا.

صحيح أنّ أفلاطون قد تعرّف إلى مصادر فلسفية عدّة كالمدرسة الإيلية والمدرسة الهيراقليطية فضلًا عن المدرسة الفيتاغورية، غير أنه ممّا لا شكّ فيه أنّ تعاليم سقراط دون سواها هي التي ساهمت إلى حدّ كبير في تكوينه الفكري.

ربما لا تخلو محاورة واحدة لأفلاطون من حضور سقراط، حيث أنه غالبًا ما يكون هو سيّد النقاش، ونراه يُلْحق بمُحاوريه هزيمة فكرية ساحقة من خلال حُججه وأسلوبه التهكّمي.

إنّ مؤلَّفات مثل «محاكمة سقراط»، و«محاورة كريتون»، و«محاورة فيدون»، هي بمثابة قرائن ثمينة تساعدنا على اكتشاف السيرة الحقيقية لسقراط.

ولكن يجب أّلا نغْفل أنّ شخصية أفلاطون كانت بالِغة القوة والتميُّز بحيث أنّا لا نستطيع أن نُنسِب إلى سقراط كل الأحاديث التي وضعها تلميذه على لسانه في الحوارات.

فكيف إذن نستطيع أن نميّز في مؤلفات أفلاطون، بين ما يعود فعلًا إلى سقراط وما يعود إلى تلميذه؟ إنّنا نعتقد أنّ الاقتراح الذي تقدّم به ناشرو مؤلفات أفلاطون في القرن الماضي والذي يوصي بالكشف عن التسلسل الزمني لمحاورات أفلاطون، يتقدّم بنا خطوة إلى الأمام في حلّ هذه الإشكالية.

وقد خَلُص بعض الشرّاح الأفلاطونيين، تحت تأثير دراسة شاملة حول فكر أفلاطون وأسلوبه، إلى تقسيم ثلاثي لمؤلفات أفلاطون. القسم الأول يضمّ المحاورات السقراطية التي كانت قد أُلِّفت قبل وفاة سقراط، ممّا يحملنا على الاعتقاد بأنّها تضمّ الشواهد الأكثر صدقية عن تعاليم سقراط. أما القسم الثاني فيضمّ المحاورات التي أُلِّفت خلال مرحلة الكهولة حيث رأت النور في هذه المرحلة نظريته الشهيرة عن عالم المُثل. أما القسم الثالث فهو الذي يضمّ مؤلفات مرحلة الشيخوخة مثل «محاورة بارمنيدس»، و«محاورة السفسطائي»، و«محاورة السياسي»، و«محاورة القوانين» التي تُعَدّ آخر ما كتب أفلاطون.

والحال أنّ مؤرّخَين بارزَين هما (بورنيه) و(تايلور) اعتبرا أنّ حضور سقراط في مؤلفات أفلاطون هو حضور مفتعَل.

وعلى طرفَيْ نقيض من بورنيه وتايلور يقف كلّ من ليون روبين وماغالايس فيلينا. وقد قال هذا الأخير بالحرف:

«إنّ أفلاطون قدّم صورة تمثيلية ممتازة عن سقراط وعصره ومكانته. وبهذا المعنى، فإنّه مِن بين جميع تلامذة سقراط، وحده أفلاطون هو من أورثَ للأجيال اللاحقة صورة ناجزة وناجحة عن تعاليم سقراط المُلهِمة. وتلك هي واحدة من أعظم الخدمات التي أسداها أفلاطون للتاريخ».

ترجمة: مايكل عطالله
مراجعة: مايكل ماهر

تحرير: سامح منصور

المصدر:

Jean Brun, Socrate, Presses universitaires de France, paris, 1969. P. 5-6-9-10-11.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي