سيدة مشروع وارسو المجهولة

سيدة مشروع وارسو المجهولة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

«لقد كان الأمر مفاجئًا تمامًا؛ حين كنا نبحث بالأساس عن مسببات الوفاة والأمراض القديمة.»

إزموند (أحد القائمين على مشروع وارسو).[1]

أعلن مؤخرًا القائمون على مشروع وارسو للمومياوات عن اكتشافهم لجنين في رحم مومياء مصرية في واقعة هي الأولى من نوعها! وكانت مومياؤنا المعنية هي إحدى تلك المومياوات التي عمل عليها أعضاء الفريق، فبمساعدة التكنولوجيا الحديثة من أشعة سينيّة وأشعة مقطعيّة استطاعوا الكشف عن وجود جنين في رحم تلك المومياء مما أثار دهشتهم، فوجود هيكل عظمي لجنين داخل هيكل عظمي لامرأة أمرٌ وارد لكن داخل الأنسجة الرخوة لمومياء ذلك ما لم يسبق اكتشافه قبل اللحظة.

رحلة المومياء

في عام 1826م، قام بولنديٌ يدعى (Wężyk-Rudzki) بمنح تابوت يحتوي على مومياء لجامعة وارسو ببولندا، مُدعيًا أن التابوت تم العثور عليه في إحدى المقابر الملكيّة بطيبة، إلا أن التابوت لم يلبث مليًا بالجامعة بل تم إعارته للمتحف القوميّ عام 1917م ليتم عرضه هو والمومياء. وفي عشرينيّات القرن الماضي ذُهِل العلماء بعد أن استطاعوا فك شيفرة النقوش الموجودة على التابوت وترجمتها. فالمومياء التي اعتقدوها لسيدة اتضح أنها لكاهن مصري يُدعى (Hor-Djehuty)، تذكر النقوش أيضا عدة مناصب للكاهن؛ فهو «كاتب، وكاهن للإله حورس، والحاكم الملكي لمدينة (Petmiten)». ظل التابوت والمومياء حبيسا الصناديق الزجاجية في المتحف القوميّ حتى انطلاق مشروع وارسو للمومياوات! [1,2,3.4,5]

مشروع وارسو للمومياوات

في عام 2015م قام مجموعة من علماء الآثار بجامعة وارسو ببولندا ببدء مشروع وارسو للمومياوات الذي يهدف لفحص مومياوات لبشر وحيوانات من مصر القديمة حيث يؤمن الفريق بأن المومياوات المصريّة تعتبر مصدرًا كبيرًا للمعلومات عندما يتعلق الأمر بفهمنا لأسرار حضارة الفراعنة. لا نحصل منهم فقط على لمحة عن حياتهم وتاريخهم، ولكنهم يسلطون الضوء أيضًا على شكل الحياة في مصر القديمة وثقافتهم ومعتقداتهم في الدفن وأكثر من ذلك بكثير. بمساعدة التكنولوجيا المتقدمة، يمكننا حتى الكشف عن إجابات لأسئلة أكثر تحديدًا تتعلق بالعمر وسبب الوفاة والأمراض التي عانوا منها ومستوى المعيشة وحتى مستوى الضغط العصبي لهم.

أعضاء الفريق هم:

  • (MARZENA OŻAREK-SZILKE): عالمة آثار تعمل بشكل رئيسي في مصر، وعالمة آثار بيولوجية ومتخصصة في علم الأمراض القديمة، وعضوة في الجمعية الأنثروبولوجية البولنديّة.
  • (KAMILA BRAULIŃSKA) : عالمة آثار ومصورة أثرية ومتخصصة في السياحة.
  • (WOJCIECH EJSMOND) : عالم آثار.[6][1]

مومياء امرأة في تابوت كاهن!

كما سبق أن ذكرنا، بعد ترجمة النقوش على التابوت ساد الاعتقاد بأن المومياء لكاهن مصريّ، إلا أن الفحوصات التي أجراها الفريق على المومياء أكدت غير ذلك. كان الهيكل العظميّ الرقيق للمومياء هو طرف الخيط الذي أثار انتباههم، ثم توالت الدلائل فالأشعة المقطعية أشارت لافتقار المومياء للأعضاء التناسليّة الذكوريّة، كما أن التصور ثلاثيّ الأبعاد الذي أعده الفريق للمومياء أظهر شعر طويل يتجاوز الأكتاف وأثداء! أصبح جليًا أن المومياء هي لامرأة في العشرينيات من عمرها، ويُعتقد أن المومياء تم وضعها في هذا التابوت بواسطة مهربي الآثار بغرض رفع قيمتها، حيثُ يعتقد العلماء أن 10% من المومياوات تم العثور عليها في توابيت لا تخصها، يرجع ذلك للصوص المقابر والآثار. كما تظهر علامات على محاولة تمزيق أربطة المومياء لسرقة ما دفن معها من تمائم.[4]

لكن الاكتشافات لم تتوقف عند ذلك، صرّحت (مارزينا) -أحد أعضاء الفريق- «كنا بالفعل في مرحلة إنهاء المشروع وإرسال المنشور للطباعة، أنا وزوجي، ألقينا نظرة أخيرة على الصور ولاحظنا صورة مألوفة -لآباء للثلاثة أطفال- في بطن المرأة المتوفاة، صورة لقدم صغيرة!» حجم الجنين أوضح أنه في شهره السابع أو الثامن، ولكن لم يستطيعوا تحديد نوع الجنين.

مومياء مشروع وارسو.
مومياء مشروع وارسو.

أظهرت الأشعة -أيضًا- وجود أربعة أجسام مُحنطة -يُعتقد أنها: القلب والرئتان والكبد والمعدة- تم إخراجها وتحنيطها ثم إعادتها لتجويف البطن مرة أخرى، في حين لم يتم إخراج الجنين مما جعلهم يتساءلون عن سبب ذلك. افترض بعض الباحثين أن المحنطين اعتبروا الجنين جزء من جسد الأم طالما لم تلده ولم يتم تسميته بعد؛ حيث أن التسمية كانت تشغل مكانةً هامة في الاعتقاد المصري القديم؛ فلا يُعد الانسان فردًا مستقلًا ما لم يتم تسميته. في حين افترض آخرون أنه استعصى عليهم إخراج الجنين وهو في شهره الثامن. [1,2]

آفاق جديدة

يسعى الفريق لمعرفة سبب الوفاة عن طريق تحليل العينات الضئيلة من الدم المحفوظ في الأنسجة اللينة للمومياء حيث تشير بعض السموم التي يمكن أن تتواجد في عينات الدم إلى أمراض معينة يمكن تشخيصها، كما يعتقد الباحثون أن الحمل له دور كبير في الوفاة فمعدل الوفيات بالنسبة للحوامل كان مرتفعًا في ذلك العصر. الجودة الفائقة للتحنيط -غير أنها تشير إلى المهارة العالية للمصريين القدماء وإلى أن المومياء يرجع تاريخها لقبل القرن الأول الميلادي[7]– فهي أيضًا تمكننا من فتح آفاق جديدة والغوص بشكل أعمق في تاريخ الأمراض والحالة الصحية للمصريين القدماء، كما يمكن مقارنتها بالحالات المعاصرة لمعرفة طرق الطب القديم. [1,2]