سيمون دي بوفوار - المرأة والفيلسوفة

سيمون دي بوفوار – المرأة والفيلسوفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
يَصعُب التكَلُّم  عن النسويّة المُعاصرة ولا نتكلّم عن سيمون دي بوفوار، المفكرة الوجوديّة، التي تمكنت من إضافة بُعد جديد للمسألة الحقوقيّة، ورغم أنها لم  تقل في البداية عن نفسها أنها نسويّة، إلا أنها لا تزال إلى اليوم المُرَشِّح الأول لكل من يريد أن يعرف أكثر عن الفكر النسويّ وتطوّره.

في هذا المقال ساتناول السيرة الذاتيّة لهذه المفكرة، وألقي الضوء على بعض أفكارها، وعلى الجدل الدائر حولها، كمدخل لمن لا يعرفها ولا يعرف أفكارها.

نشأة سيمون دي بوفوار وطفولتها المبكرة

وُلِدت سيمون في اليوم التاسع من شهر يناير عام 1908م. وكانت ابنة بكر لعائلة باريسيّة برجوازيّة. كان والدها محاميًا، ليس لديه أي معتقد دينيّ، بينما كانت والدتها امرأة كاثوليكيّة متدينة، وقد تعلمت سيمون في مدرسة للبنات ذات طابع كاثوليكيّ متشدد حتى سن السابعة عشر، وكانت الظروف المادّيّة لعائلتها جيدة حتي الحرب العالميّة الأولى، ثُم  تعرضت بعدها لأزمات ماليّة اضطرتها  للانتقال إلى بيت أصغر، مما حال دون أن يكون لسيمون مهرها العائليّ.

كان والد سيمون مُحِبًّا للمسرح والأدب، وكان يطمح أن يكون ممثلًا في مرحلة من حياته، مما أثّر على شخصيته، امتد إلى ابنته سيمون، التي كانت مُحِبّةً للأدب منذ صغر سنها، ولتقمص دور المعلمة حتى مع أختها هيلين الأصغر منها بعامين، وكان والدها يتباهى بكونها «تفكر كالرجال».

في المقابل، كان تأثير أمها واضحًا في إيمانها الشديد الذي وصل إلى درجة الرغبة في الرهبنة في سن صغيرة، ولكن ذلك لم يستمر، حيث تعرضت لأزمة دينيّة عند سن الرابعة عشر، وهو السن الذي أصبحت فيه لادينيّة، واستمرت كذلك حتى توفيت، وكانت تلك الأزمة هي نفسها الدافع الذي حركها لدراسة وتعلم الفلسفة، وكذلك لتعليمها في ما بعد. [1]

 البداية الأكاديميّة

في سن السابعة عشر كانت سيمون قد حصلت على شهادة البكالوريا في الرياضيات والفلسفة، ولم تمض سنة، حتى حصلت علي شهادة الدراسات العليا في الأدب الفرنسيّ واللاتينيّ، لتبدأ بعد ذلك دراستها الأكاديميّة للفلسفة في السوربون، وتحصل في ذلك العام علي شهادات في تاريخ الفلسفة، والفلسفة العامة، والفلسفة اليونانيّة، والمنطق، لتُكمل في العام التالي دراستها وتحصل على شهادات في علم النفس وعلم الإجتماع وعلم الأخلاق.

كانت دبلومة التخرج الخاصة بها عن الفيلسوف الألمانيّ العقلانيّ غوتفريد لايبنتس، وبعدها أنهت تدريبها كمُدَرّسة في مدرسة جانسون دي سيللي (بالفرنسيّة: Lycée Janson-de-Sailly).

تقابلت سيمون في تلك الفترة مع جان بول سارتر (بالفرنسيّة: Jean-Paul Sartre)، في امتحان فلسفيّ، حيث احتل هو المركز الأول -في محاولته الثّانية- بينما احتلت هي المركز الثّاني، وكانت هي أصغر من اجتاز ذلك الامتحان في سنها الواحد والعشرين، وبذلك أصبحت أصغر مُدَرّسة فلسفة في فرنسا. [1]

الطرح النسويّ

كانت علاقة سيمون بسارتر مميزة، خاصةً في تلك اللحظة، فقد كانت علاقة مفتوحة ارتبطًا  أثناءها بآخرين، ولكنهما ظلّا حتي آخر لحظة في حياتهما أحبّة. ولكن بالرغم من ذلك، فقد مرّت علاقتهما بعثرات وإشكاليات جعلت سيمون تطرح الكثير من التساؤلات بخصوص مفهوم العلاقة، والحب، والرجل، والأنثى وغيرها. فنجد أول رواية لها: جاءت لتبقى (بالإنجليزيَّة: She Came to Stay) عبارة عن دراسة لتأثير الحب، والغيرة، وتعبير عن علاقتها بالفيلسوف الوُجُوديّ جان بول سارتر.

ولكن لم يكن ذلك هو الجانب الوحيد الذي دفع سيمون للاهتمام بمسألة النسويّة وحقوق المرأة. فمنذ البداية تحدّت سيمون السائد في مجتمعها الذي ينظر للمرأة باعتبارها «الآخر» الذي يتم التعامل معه. وكانت تلك هي الفكرة الأساسيّة التي تبلور حولها أهم كتبها: الجنس الآخر. [2]

الجدل حول سيمون دي بوفوار

لم يكن الجدل حول سيمون ينبع فقط من شكل علاقتها بسارتر، بل أيضًا من علاقاتها المتعَدِّدة عمومًا، والتي امتدت إلى طلابها من الذكور والإناث. وهو السبب الذي دفع إلى إقالتها في المرة الثانية وبشكل نهائي من التدريس عام 1943م، حين اشتكاها أحد الآباء، بينما أُقيلت في المرة الأولى من قِبَل النظام النازي عام 1941.

كانت سيمون جزءًا من المقاومة، وجعلها اهتمامها بالسياسة واحدة من مؤسّسي جريدة العصر الحديث (بالفرنسيّة: Les Temps Modernes) مع سارتر وغيرهم، والتي نشرت من خلالها أكثر من مقالة، مثل: المثالية الأخلاقيّة والواقعيّة السياسيّة (بالإنجليزيَّة: Moral Idealism and Political Realism)، والوجوديّة والحكمة الشعبيّة (بالإنجليزيَّة: Existentialism and Popular Wisdom).

فضلًا عن ذلك، كانت سيمون تتحرك في مظاهرات للدفاع عن الحقوق النسويّة، وساعدت على توجيه حركة تحرير المرأة تجاه إمضاء مانيفستو لأجل حق الإجهاض، وخَصصت جُزءًا من جريدة العصر الحديث للحقوق النسويّة.

ولربما من الأمور التي يمكن ملاحظتها في حياة سيمون دي بوفوار، هي طريقة تطوّر أفكارها تجاه الأخلاق والفلسفة، ومسألة النسويّة لديها، والحلول السياسيّة التي تقترحها، وغيرها. كما يلاحظ استمرار مراجعاتها واتساقها دائمًا مع طرحها، حتى في ما قد يراه الآخرون غير أخلاقي.

نبذة عن كتابات سيمون دي بوفوار

في النهاية لا توجد وسيلة حقيقيّة لمعرفة فِكر وشخصيّة كاتبة مثل سيمون أفضل من الكلام عن بعض كتاباتها وهو ما أحب أن أنهي به.

بيروس وسينياس

هذا العمل ليس بكتاب ولكنه يظل من أعمالها الأولى والمهمة. يتحدث فيه بيريوس ملك إبيروس -منطقة في جنوب شروق أوروبا- مع كبير مستشاريه سينياس، فكلما قرَّر بيروس أي أرض سيفتحها يسأله سينياس عما سيفعله بعد ذلك، فيتكلم بيرياس عن راحته بعد تنفيذ خططه وأحلامه، وهنا يسأله سينياس: ولما لا تستريح الآن!
يُعتبر هذا العمل بحثًا في دوافع الإنسان للإتيان بفعل، والقلق الوجوديّ بشأن ما إذا كان علينا جميعًا أن نفعل الشيء من عدمه، و نقاشًا لفكرة الهدف النهائيّ وطبيعة الرحلة وأهميتها، ومسؤوليّة الإنسان ومدى امتدادها لغيره.

يظهر في هذا العمل مواضيع متأثرة بكثير من الفلاسفة منهم سارتر وهيجل ونيتشه وسبينوزا وغيرهم، ولكنها تتعامل معهم بنقد لبعض أفكارهم. [3]

أخلاق الغموض

يُعتبر هذا العمل استكمالًا لموضوع «بيروس وسينياس»، وخوضًا في الموضوع بعمق أكبر، حيث تتساءل فيه سيمون عن ماهيّة الإنسان ومفهوم القيمة، وتتعمق أكثر في تساؤلات الحُرّيّة والاضطهاد وطبيعة المسؤوليّة.

كما يعتبر هذا العمل دفاعًا ضد الاتهامات الموجهة للمدرسة الوجوديّة لعدم تمكنها من إرساء بناء أخلاقي.

وربما المميز في المسألة هو تحليل سيمون للطفولة، وجدلها حول أن الإرادة الحرة تظهر مع الوقت، وبهذا لا يعتبر الطفل أخلاقيًّا لأن لا ارتباط له بالماضي أو بالمستقبل. [3]

الجنس الآخر

يُعَدّ هذا الكتاب  الأشهر والأهم من بين كتبها، و يعتبره البعض «إنجيل النسويّة». فبالرغم من أن الكتاب تعرَّض لانتقاد شديد، وتم تجاوز بعض  طروحاته، إلا أن منهجيته، والمسائل التي ناقشها بخصوص المرأة والمجتمع، مازالت ذات صدى حتى يومنا هذا.

وأكثر من ذلك، وبسبب صداه الجدلّيِّ الكبير صنفته الفاتيكان ضمن الكتب الممنوعة.

تدور فكرة الكتاب الأساسيّة حول أن المرأة تضطهد من قِبَل الرجل حين تُفَوَّض باعتبارها ذلك «الآخر» المختلف، فتتكلم عن أن الذات تحتاج الآخر لتعرف نفسها باعتبارها الموضوع وتناقش توابع ذلك.

ومن النقاط المهمة والشهيرة في هذا العمل، هي مناقشتها للحقائق والخرافات حول المرأة من زوايا عِدّة، حتى البيولوجيّة، وطبعًا -والأهم- ما يترتب عنها. فسيمون تُفَرِّق بين الجنس والنوع، وترى أن المرآة كنوع لا تولد امرأة بل تصبح كذلك. وفي الكتاب تناقش فكرة الأنوثة ذاتها، والهيكل الاجتماعيّ الذي تتأثر به. [3]

كتابات أخرى

كتبت سيمون روايات ومسرحيات، وكتبت عن تجاربها في السفر وملاحظاتها. وأنجزت دراسات مختلفة، لعل من أشهرها دراسة عن البلوغ، وهي التي تلت كتاب الجنس الآخر. ومن الأكيد أنك، سواء اختلفت أو اتفقت معها في نقاط بعينها، ستتفق على قوة تأثيرها المستمر حتى اليوم، وعلى أحقيّة طروحاتها لأن تُطرح وتنُاقش، فسيمون دي بوفوار، في زمنها وحتى الآن ما يزال البعض ينظر إليها على أنها خليلة سارتر أكثر من النظر إليها باعتبارها المفكرة التي تكونها، وهي التي تستحق تجربتُها أن تُقرأ وتُدَرَّس. [3]