لقاحات الحمض الريبوزي الواعدة

لقاحات الحمض الريبوزي المرسال الواعدة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
ظهر هذا النوع من اللقاحات إلى العالم خلال الجائحة، ولم يكن معروفًا في السابق؛ فقد أُثيرت من حولها الكثير من الشكوك والمخاوف. ولكن في نظرة إلى بدايات اكتشاف هذه التقنية وآلية عملها سنجد أنها ثورة في عالم العلاجات الطبية وبادرة أمل في علاج العديد من الأمراض المستعصية.

آلية عمل لقاح الحمض الريبوزي المرسال

هي آليه مستوحاه من حياة الخلية، والتي تنتج في كل ثانية المئات من هذا الحمض الريبوزي المرسال بتعليمات صادرة عن النواة، وفي حالة اللقاح فهو سيوفر الشيفرة الجينية لصناعة البروتين الفيروسي، وعلى الرايبوسومات في السيتوبلازم أن تقرأ هذه الرسالة وتنفذ الوصفة المطلوبة، وكأنه أمر خارجيّ لتنفيذ وصفة طارئة باستخدام خبرة الخلية في ذلك ومصانع البروتين فيها دون المساس بأي مادة جينية في الخلية. ومن الجدير بالذكر أن اختراع مثل هذه التقنية ذكي جدًا، بحيث يحول خلايا الهدف إلى مصانع بروتينية دون الحاجة إلى وجود الفيروس المُمرض.

تاريخ هذة اللقاحات منذ ثلاثة عقود

علي الرغم من فعالية هذه التقنية ونتائجها المبهرة، إلا أن الكثيرين شككوا في أن الدراسات على هذا النوع الجديد لم تأخذ وقتها الكافي، بينما الأنواع الأخرى مثل مدرسة الفيروسات المُضعَفة هي معروفة للناس وآمنة منذ القرن التاسع عشر، ولكن مالا يعرفه الكثيرون أن هذه التقنية مُكتشفة ومُطبَّقة على حيوانات المُختبر منذ 1990 في محاولة لمكافحة السرطان في أعمال خلال الباحث (إينغمار هور – Ingmar Hoerr) في جامعة تيوبينغن بألمانيا، ومؤسس شركة (كيورفاك – Curevac)[1].

وفي عام 2017 نشرت الشركة تجارب المرحلة السريرية الأولي للقاحها ضد فيروس الكلب والذي أُعتبر إنجازًا تاريخيًا[2]، وفي عام 2018 نشرت شركة (موديرنا – Moderna) تجارب المرحلة السريرية الأولى للقاحها ضد فيروسات الإنفلوانزا وزيكا باستخدام التقنية نفسها[3]. وحقيقة استخدم الكثير من العلماء التقنية نفسها، فمثلًا استخدمت الباحثة (كاتالين كاريكو – Katalin Karikó) من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية التقنية ذاتها في محاولات لتحفيز إنتاج بروتين علاجي لمكافحة الخلايا السرطانية، وهي الآن التي تقود أبحاث هذه اللقاحات في شركة بيونتيك الألمانية.

تاريخ العلاج بالحمض النووي الريبوزي المرسال

  • 1990: تطوير هذة التقنية وتطبيقها على حيوانات المختبر كعلاج للسرطان بجامعة تيوبينغن الألمانية.
  • 2017: نشرت شركة (كيورفاك – Curevac) تجارب المرحلة السريرية الأولى لاستخدام هذة التقنية لتطوير لقاحها ضد فيروس داء الكلب، والذي أعتبر إنجازًا تاريخيًا.
  • 2018: نشرت شركة (موديرنا – Moderna) تجارب المرحلة السريرية الأولى لاستخدام هذة التقنية لتطوير لقاحها ضد فيروسات الإنفلونزا وزيكا.
  • 2020: شركة موديرنا وشركة فايزر تحصلان على ترخيص لاستخدام لقاح (كوفيد 19 – COVID-19) المطور باستخدام هذة التقنية في حالات الطوارئ في المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وعدد من الدول الأخرى.

التصميم الذكيّ للقاحات الحمض الريبوزي المرسال

لا بد من الإشارة إلى التحديات الكثيرة التي تواجه استخدام علاجات (الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA) في البشر، وخصوصًا أنها مادة جينية، ناهيك عن تحديات عملية نقلها إلى خلايا الهدف بأمان، ودون أن تتعرض سلسلة الحمض (mRNA) للتحلل بسبب حساسيتها العالية، وعمرها القصير نسبيًا، وكذلك طبيعة الشحنة الكهربائية التي تحملها؛ مما لا يسمح له بدخول الخلية من خلال الغشاء البلازميّ الدهنيّ المزدوج بكل سهولة، لذلك لا بد من وسيلة نقل مناسبة وآمنة.

وبما أن القصة بدأت بمحاكاة الخلية في الجسم، فكذلك عملية النقل لا بد أن تكون شبيهة بعمليات النظام الخلوي، وهذا هو ما يحدث في نظام النقل بين الخلايا المختلفة عبر حويصلات تعرف بالحويصلات (خارج خلوية – Extracellular Vesicles). وعبر هذه الحويصلات تنقل جزيئات وسلاسل أحماض نووية لتدخل إلي خلايا مجاورة، وتقوم بوظيفتها المحددة، ومنها حصل العلماء على فكرة الحويصلات الدهنية الاصطناعية وصمموا (الجسيمات الدهنية النانوية – Lipid Nano-particles) باستخدام تقنية النانو لإدخال الأدوية إلى خلايا الإنسان بشكل موجه وآمن.

وهذا ما استُخدِم في لقاحات الحمض mRNA، إذ تعمل الحويصلات الدهنيّة النانويّة كأداة للنقل بحقنها في الجسم، وتمت هندستها بدقة لتجد طريقها وكأنها تحمل جهاز GPS، ولترتبط بعدها بالخلايا المناعية المُستهدفة مثل (الخلايا المتغصنة – Dendritic cells)، و(الخلايا التائية – T cells) المُساعدة ذات الشحنة السالبة، حتى يُسمح لها المرور بسلام عبر الغشاء البلازميّ. كما أُضيف مكون أساسي آخر للحويصلة الدهنية مما يجعلها مستقرة عند دخولها إلى الجسم، وهو ما يسمى (غلايكول البولي إيثيلين – Polyethylene glycol)، ومتى ما دخل اللقاح الجسم، فهناك في سيتوبلازم الخلية سيصنع البروتين الشوكي للفيروس، ومن ثم سينتقل البروتين السطحي إلى سطح الخلية فيُحفز الجهاز المناعي لصناعة الأجسام المضادة المتخصصة.

ومن المؤكد قبل أن تُستعمل هذة التقنية في لقاحات الاستخدام الطارئ المطورة للاستخدام في البشر، ولأهمية الأمان والسلامة لأي مادة تدخل جسم الإنسان، يجب اختبارها أولًا في الخلايا المزروعة في أطباق المختبر، ومن ثم على حيوانات المختبر. فيراقب المختصون تفاعلها داخل الحيوان المستخدم كالفأر مثلًا، وتتم مراقبة جميع وظائف الأعضاء مثل الكبد والكلية والقلب، للتأكد من سلامة الجرعة وعدم سُميتها ومن بعدها يتم التقدم إلى تصريح استخدام هذة التقنية في التجارب السريرية.

وفي الواقع، فإن هذا ليس أول استخدام لهذا النوع من النواقل في الإنسان، بل سبق أن وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 2018 على علاجات تستخدم الحمض الريبوزي النووي الصغير siRNA، لعلاج حالات (الداء النشواني الوراثي – Amyloidos)، فقد صرحت باستخدام العلاج بالحمض النووي الصغير (باتيسيران – Patisiran)[4]. وهذا يفسر لنا سرعة إنتاج هذا النوع من اللقاحات، إذ استخدمت تقنية نقل متاحة ومصرح بها من قبل منظمة دوائية، واعتمادها لتكون الناقل للحمض mRNA الذي يحمل وصفة البروتين الفيروسي.

سُئل مؤسس شركة بيونتيك البروفيسور (أويغور شاهين – Uğur Şahin) في إحدى المقابلات عن سر السرعة الكبيرة في إنجاز اللقاح، فذكر: أنه كان لديهم بالفعل العديد من التجارب السريرية طور الدراسة، والتي يستخدمون فيها هذة التقنية، وبمجرد حصولهم على جينوم فيروس كورونا المستجد في يناير 2020 كان بإمكانهم استخدام أحد البروتينات الشوكية كهدف للقاح، واستخدام قوالب سابقة من المواد وتصميم الحمض الريبوزي المرسال الذي يرمز للبروتين RBD، ومن ثم إجراء التجارب لمعرفة ما إذا كان فعلًا سيُحفز إنتاج أجسام مضادة[5].

هنا قد نتخيل الباحث الذي بحوزته كل الإمكانيات لصناعة ما ينقذ البشرية: لديه آلية نقل جاهزة، ولديه التسلسلات الجينية لبروتينات الفيروس، وباستخدام البرامج الحاسوبية الذكية بإمكانه معرفة أماكن ارتباط الأجسام المضادة، ومن ثم سلسلة المادة الجينية المُستهدفة، لكن قبل أن يضع السلسلة في الحويصلة الدهنية لا بد من تصميمها بشكل ذكي حتى تقوم بمهمتها بالشكل النموذجي.

فمن المؤكد أن الحويصلة الدهنية ستحمل الحمض الريبوزي بسلام إلى الخلية الهدف، لكن السلسلة ستكون حرة في السيتوبلازم فلا بد من حمايتها من الإنزيمات المُحلِّلة، وكذلك ضمان عدم ارتباطها بأي من المؤشرات الجينية داخل الخلية، إذ أن الخلية في الوضع الطبيعي فيها مئات التفاعلات الحيوية، ولا بد من محفز لترجمة الوصفة في الرايبوسومات بشكل لا يُخل بعمل الخلية الطبيعي.

لذلك، كان لا بد من الاهتمام بهذه السلسلة والتي تتكون من عدة أجزاء:

  • القبعة 5’Cap.
  • الرسالة المرمّزة.
  • الذيل.

تضمن القبعة الحماية من الإنزيمات الهاضمة وعدم ارتباط الحمض mRNA بأي مؤشر آخر غير المُخطَّط له، وهكذا يضمن هذا التصميم أول إجراءات الأمان المهمة لعدم ارتباطه بأي مكون وراثيّ داخل الخلية. كما يضمن أيضًا استقراره، فلا تهضمه الخلية قبل تنفيذ وصفة إنتاج بروتين الفيروس باستخدام الرايبوسومات، أما الذيل فهو يوفر بدوره الاستقرار ويحفز على ترجمة الرسالة إلى البروتين.

أخيرًا، هل ستبقي هذه الخلايا تنتج البروتينات الفيروسية إلى الأبد؟

طبيعة الحمض mRNA البيولوجية غير مستقرة، فعمره قصير يتراوح من دقائق إلى عدة ساعات، ومن ثم فإن إنتهاء تنفيذ التعليمات من قبل الرايبوسومات القارئة تُنهي حياة هذة السلسة، فتُحلّلها إنزيمات الخلايا الهاضمة.

تحديات أخرى

لعل التحدي الأكبر هو الفعالية على المدى الطويل، وهذا لا يظهر إلا بعد سنوات من الاستخدام من قبل مجموعة كبيرة من الأفراد، وكذلك نحن بحاجة إلى معرفة ما إذا كان لهذه اللقاحات أيّ أثار صحية على المدى الطويل. ولكن، مع هذا الإنجاز التاريخي في ظل هذه الجائحة؛ فإنه يعد قفزة مذهلة في عامل العلاجات، ونتطلع بأمل إلى استخدام هذه التقنية في علاجات العديد من الأمراض المزمنة مثل السرطان.

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments