آخر يوم في حياتها

آخر_يوم_في_حياتها

عندما علمت “ساندي بم- Sandy Bem ” بإصابتها بمرض آلزهايمر، كان الحل بالنسبة لها أن تنهي حياتها قبل أن يسرق المرض عقلها، لكن متى؟
كان هذا هو السؤال.

ــــ
خجلة من يوم ميلادها الخامس والستين، جلست “ساندي بم “(Sandy Bem) -أستاذة علم النفس في جامعة كورنيل (Cornell)- وحدها في غرفتها تشاهد فيلمًا وثائقيًا عن مرض آلزهايمر (The Alzheimer’s Project).
خلال السنتين الماضيتين عانت ساندي مما أسمته ” تغير في البنى المعرفية” (cognitive oddities)، كأن تنسى أسماء الأشياء أو تخلط بين الكلمات المتشابهة النطق. مثلًا، في أحد الأيام جلست تشتكي قائلة: ” هناك عاصفة ثلجية في قدمي” بينما كانت تقصد:” هناك بثرة في قدمي”، لكنها خلطت بين كلمتي (blizzard= عاصفة ثلجية) و (blister= بثرة)، لتشابهمها في النطق.
في مرة أخرى، عادت إلى المنزل بكيس خوخ اشترته من السوق، وبعد عودتها أخرجت حبة من الكيس ونظرت إلى صديقتها في حيرة، وسألتها هل هذا خوخ ؟
لا أستطيع التأكد من ذلك.
ــ
كانت ساندي امرأة صغيرة الحجم، طولها يقارب ال150 سم، ووزنها 42 كجم. بشعرٍ قصير ونظارات ومظهر يصعب تحديد جنسها من خلاله. ترتدي ملابسها بأسلوب تسعيناتي موحّد، بناطيل جينز وتيشيرتات مريحة.
وبينما كانت تشاهد الفيلم تصاعدت دقات قلبها حتى أحست به ينبض في أذنها. على الشاشة صورة لامرأة تخضع لاختبار ذاكرة بسيط وقررت ساندي أن تشارك بالاختبار. نطقت بصوت عالٍ الثلاث كلمات المطلوب منها تذكرها (apple= تفاحة، table= طاولة، penny= قرش).
ثم كتابة جملة قصيرة – كأسلوب تشويش- اختارت أن تكون الجملة: (I was born in Pittsburgh =  ولدتُ في بيتسبرغ). ثم البدء في تذّكر الكلمات.
قالت بصوتٍ عالٍ: (apple= تفاحة، penny= قرش)، ثم توقفت …
لقد فشلت في أبسط اختبارات الذاكرة !
ــــ

بعد مرور شهر قام داريل (Daryl) -زوج ساندي والذي مرّ على انفصالهما عاطفيًا خمسة عشر عامًا- بأخذها من(Ithaca- إيثاكا) – البلدة التي تعيش فيها- إلى المركز الطبي التابع لجامعة روشستر (University of Rochester). من أجل الخضوع للإختبارات المعرفية التي يضعها طبيب نفسي يدعى: (مارك مابستون- Mark Mapstone). قام الطبيب بعرض خط مرسوم على ساندي وطلب منها نسخه، ثم رسمه مرة أخرى من ذاكرتها بعد عشرة دقائق وقرأ عليها قائمة كلمات على أن تعيد الكلمات التي تذكرتها حسب استطاعتها، ثم أعطاها بطاقات لحرفين ورقمين لترتبهم بترتيب معين حسب أوامره (انزلي الحرف، ارفعي الحرف، انزلي الرقم، ارفعي الرقم).
كانت ممتنة جدًا أن هذا التمرين لا يتطلب وقتًا معينًا وركزّت كل تفكيرها على حل هذا التمرين.
عندما قال الطبيب: ” هذا صحيح، أحسنت”، شعرت ساندي وكأنها طفلةً حصلت على نجمة ذهبية من معلمتها.
بعد ثلاث ساعات أعطى الطبيب تشخيصًا مبدئيًا: ” ضعف الذاكرة والإدراك المعتدل – Amnestic mild  cognitive impairment”، في البداية ارتاحت ساندي، لقد قال معتدل وهذا شيء جيد.
لكنّها أدركت تغير ملامحه وهو يقول بلطف: ليس جيدًا، معظم حالات الإصابة بضعف الذاكرة والإدراك المعتدل (Amnestic M.C.I)، يصابون بآلزهايمر في خلال عشرة سنوات.
ـ
عندما عادت إلى غرفة الانتظار لتقابل(داريل) بكت دون أي مقاومة، بين تنهيدة وأخرى شرحت له التشخيص، والتأخر الذي يلوح في الأفق ولا مفّر منه. كان الرعب يحيط بها، كيف يمكن أن تصبح إنسانة فارغة بلا ذكريات!
بلا دماغ! أو إحساس بالهوية!
ذلك الرعب تحّول لغضب في نفس الوقت، غضب من كونها منزوعة القوة في مواجهة هذا المرض، لا تملك أي مقاومة سوى التحمّل!
ذلك اليوم في مكتب الطبيب، تعهدت لنفسها بأنها ستجد طريقة مناسبة لأخذ حياتها بنفسها قبل أن يأخذها المرض.
ـ
فيما بعد في نفس الشهر، جلست ساندي في مكتبها الذي صبغته باللون النبيتي القاتم، لتضفي على المكان بعض الدفئ. نظرت إلى شاشة سطح المكتب المفتوحة أمامها، كانت قد خططت لكتابة مذّكرات لمتابعة تدهور حالتها، فتحت مستندًا جديدًا اسمته (يوميات) ثم بدأت بالكتابة.
حاولت شرح جنون التقّلب الذي يحدث لها: ” العقل الذي يكون في دقيقة حيًا بالأفكار والمشاعر التي تتطور نحو الخطوة الثانية، ثم فجأة يمسح أحدهم السبورة، كل شيء قد اختفى! ولا أستطيع حتى تذّكر الموضوع، لقد اختفى ببساطة، ثم أجلس وسط هذا السواد والفراغ”

الفكرة التي آلمت ساندي بشدة كانت احتمالية اضمحلال عقلها، امرأة مثلها تتمثل فكرتها عن نفسها بالثقة والثبات واثقة في قدرتها على التفكير بعمق وتفّرد، واثقة في انجازاتها، كانت رائدة في مجال دراسات النوع/ الجنس، اخترعت ” قواعد بم الستة للتصنيف – the Bem Sex Role Inventory ) سنة 1974، والذي يحدد على أساسه ميول الشخص من خلال الطيف الجنسي – سلم الميول الجنسية والذي يكون طرفيه 100% أنثى- 100% ذكر وبينهما الميول الجنسية المختلفة – قادت برنامج الدراسات النسائية الحديثة في جامعة كورنيل من 1978 إلى 1985، ألفت الكتاب المتميز ( نظرة متعمقة في النوع/ الجنس – The Lenses of Gender) سنة 1993، نشرت أيضًا مذكّرات ( عائلة مختلفة- An Unconventional Family) سنة 1998. حصلت على رخصتها كمعالجة نفسية سنة 2000، ثم عادت في الفصل الثاني كمديرة للدراسات النسوية وبرنامج دراسات النوع والجنس في كورنيل سنة 2001. أصدقائها وزملائها عرفوها كشخص ذو فكرٍ ثابت ومكثف، تصفها أعز صديقاتها ( كارين جلوفيش- Karen Gilovich): بأن أحد الجمل المفضلة لساندي حين تبدأ حديثها في موضوعٍ ما ” لقد كنت أفكر في …. “، لن تعرف أبدًا ما قد يتبع جملتها هذه. مثلًا، في أحد الأيام فكّرت بصوتٍ عالٍ أين يكون الخط الفاصل بين السلوك المتقبل وغير المتقبل في علاقة الآباء والأبناء؟ هل سيكون من الخطأ لعاملة في مطعم تعود لمنزلها منهكة ومتعبة بأن تطلب من ولدها الصغير أن يفرك قدميها أو يدلك ظهرها أو يحتضنها؟
تقول كارين عن ساندي: ” لقد كانت تفكر بوضوح أكثر من أي شخص رأيته في حياتي، مع قدرتها على اكتشاف أساس أي مشكلة مشوشة”.
ـ
في 22 يونيو، عيد ميلاد ساندي الخامس والستين، عادت إلى المركز الطبي مجددًا من أجل فحص 3 ساعات مرة أخرى. هذه المرة مع طبيب أعصاب أكثر خبرة ( تشارلز دفي- Charles Duffy)، ليقيّم حالتها الحالية، ليس فقط من ناحية قدراتها الإدراكية، وإنما أيضًا مزاجها و الحالة الوظيفية للدماغ.
باختصار أخبرت ساندي الطبيب بأنها لا تنوي أن تعيش مجنونة، قالت: ” أريد أن أعيش المدة التي سأكون فيها نفسي فقط”. لكنها فوجئت بطبيبها يحادثها عن ذكرياته الخاصة. أخبرها أن والدته أصيبت بآلزهايمر، وعن الوقت الذي قضاه في رعايتها أثناء التدهور، وكيف أثر فيه ذلك الوقت كمعالج و كباحث وكرجل.
أخبرها أنها باعتبارها قضت مهنتها وحياتها في الدراسة والبحث بشفافية، يمكنها المساهمة بتجربتها في إيضاح المرض وإعطاء الآخرين لمحات عن كيف يشعر مريض آلزهايمر. تأثرت ساندي بتعاطف الطبيب واستعداده لمشاركتها تفاصيل عن حياته الخاصة. الآخرين لديهم قصص مثل هذه، عن مشاهدتهم لمن يحبون تتدهور حالاتهم، أو من عانوا من التدهور بنفسهم، وكيف فوجئوا بوجود نوع من النعمة فيه. كأنه إعادة وجود لهم أو بأنهم قد تخلصوا من الضغوط وأصبحوا قادرين على الاستمتاع بالمتع البسيطة. لكن ساندي تعرف أن هذا ليس صحيحًا بالنسبة لها، حديث الطبيب واقتراحه لم يؤثرا فيها ولو للحظة.
ـ
بعد عدة أسابيع، أخبرت ساندي المقربين لها عن قرارها وخطتها لإنهاء حياتها قبل أن تصبح عاجزة عن ذلك. أخبرت أولادها الراشدين ” إيملي- Emily” و” جيرمي- Jeremy”-وهما في الثلاثينات من عمرهما- وعدة أشخاص آخرين لا يتعدون أصابع اليد ” كارين – أعز أصدقائها- و روبين بم – أخت زوجها- و بيف -أختها التي تعيش في ولاية أوريغون- “. لا أحد من هذه الدائرة المقربة حاول أن يناقشها في فكرة الانتحار، كانوا يعرفون كيف تغضبها فكرة أن يتدمر دماغها. كل ما طلبوه منها أن تختار طريقة مريحة وغير مقلقة كاستخدام سلاح أو القفز من الجسر. كانت قد فكّرت في هذين الاقتراحين لكنها هي أيضًا لم ترد الموت بهذه الطريقة.
ـ
كتبت في يومياتها بخط عريض ومميز ” ماذا أريد؟”، ” أن أموت وأنا بكامل قواي العقلية، وبطريقة غير عنيفة” .
لكن متى يكون ذلك؟
ساندي كانت تعرف أن مرض آلزهايمر يسير في خط متوقع، ابتداءًا بالخفيف: ( الخلط بين الأشياء، إعادة الأسئلة)، ثم المعتدل: ( عدم القدرة على تعلم شيء جديد، التوهة، الفشل في التعرف على الناس المقربين)،
ثم الحاد: ( فقدان القدرة على التحدث، فقدان القدرة على التحكم في النفس: الحاجة للمساعدة في كل شيء خلال يومها)، لكن المشكلة كانت أنه مع اصابتها بضعف الإدراك المعتدل لا يمكنها التنبوء بمدة كل مرحلة من المراحل الثلاث! أرادت أن تستخدم كل ما تبقى من ذكائها ومشاعرها قدر المستطاع قبل أن تموت، لكنها لم ترد أن تنتظر طويًلا أيضًا لأنها بحاجة للبقاء متصلة بحياتها حتى تستطيع إنهائها.
ـ
في بدايات يوليو، أخذها داريل مجددًا للمركز الطبي لترى الطبيب تشارلز دفي، والذي اقترح عليها أن تبدأ بأخذ الـ (نامندا- Namenda) – أحد الأدوية المرخصة من منظمة الغذاء والدواء (FDA) لمعالجة آلزهايمر- وهو يعمل على زيادة مستوى مادة Glutamate)) في الدماغ فيتعارض مع موت الخلايا. حسب الأبحاث فإنه بإصابة الإنسان بضعف الذاكرة والإدراك المعتدل فإن الدماغ قد تعرض للتحلل لسنوات، والأدوية حتى وإن استطاعت تأخير الانحدار، فإن الوقت قد فات على هذا التأخير. لكن الأطباء والمرضى يأملون بأن البدء في الدواء مبكرًا بعد التشخيص من الممكن أن يصنع فروق ملموسة وإن كانت طفيفة، تبطيء فقدان الذاكرة كافٍ لتأخير الاعتماد الكلي على من حولها على الأقل. وافقت ساندي بسرعة على أخذ الدواء، وهو ما فاجئ داريل- زوجها- لأنها عادةً ضد الأدوية. باستثناء جرعة مخففة من (البروزاك- Prozac) التي كانت تأخذها لسنوات لمعالجة الاكتئاب.
ـ
خلال ذلك الصيف، قام داريل بإيصالها إلى معظم مواعيد الأطباء. رغم قدرتها على القيادة بنفسها لكنه كان من الجميل أن يقوم داريل بإيصالها، حيث يمكنه حكي تفاصيل كل موعد في طريق عودتهم إلى المنزل، بينما هي تسجل بعض الملاحظات بدقة. إلى جانب ذلك فقد كانت تستمتع بصحبة داريل. شيء ما في حالتها وقراراها بإنهاء حياتها، جعله في مزاج عاطفي.
في ذلك الشهر كتبت في مذّكراتها: ” من هذا الداريل المختلف؟ “- بعد توصيلة كان داريل يتحدث معها بتعاطف فاجئها عن طفولتها ومعانتها مع أم قاسية ومتقلبة- أحبت ساندي الزوج المعطاء المهتم، تلك الصفات التي تبدو وكأنها ظهرت من بين أنقاض تشخيصها بالمرض.
كتبت:  ” لو كان شيطان ما قايضني هذه الشخصية المهتمة من داريل، مقابل انهيار صحتي العقلية، كنت سأرفض دون تفكير بالطبع، لكن بما أن هذا جاء مجانيًا بالتزامن مع هذا الانهيار فأنا ممتنة لهذه النعمة”.
كان الوضع مشابهًا لبدايات علاقتهم في 1965 عندما تقابلا في معهد كارنيجي للتكنلوجيا في بيتسبرغ (Carnegie Tech in Pittsburgh). كانت هي في السنة الأخيرة من تخصص علم النفس. وكان هو مدرس مساعد جديد في علم النفس. فقط بعد شهور من مقابلتهم عن طريق زميلة ساندي في الغرفة.. تزوجا.
تعهدوا في ذلك الوقت أن يتشاركوا كل شيء بالنصف، أعمال المنزل وتربية الأطفال والتنازلات المهنية التي لا مفر منها، ولفترة لا بأس بها كان الاتفاق جيدًا، لدرجة أنه في عام 1972 كتب عنهم مقال في العدد الافتتاحي من مجلة (Ms. Magazine) بعنوان: “الزواج المتكافئ- A Marriage of Equals”
كانوا أساتذة علم نفس في جامعة استنفورد في البداية ثم في كرونيل، وسافروا في جولات عديدة للتحدث عن الصور النمطية لقوانين الجنس التي يخلقها المجتمع. صنعوا من سياستهم أسلوب معيشة في تربية ابنتهم إيملي وابنهم جيرمي الذي يصغرها بسنتين بطريقة أسموها: (طريقة محايدة بين الجنسين)، في مذكرًاتها ( عائلة مختلفة) كتبت ساندي: ” الكثير من الأزواج -بفكر نسوي- جربوا تربية الأطفال بطريقة متساوية بين الجنسين، لكن القليل من هذه العائلات شاركوا تفاصيلهم اليومية بدقة مثلي أنا وداريل”. تحدثت ساندي عن كل شيء سواءً في الكتب أو في المحاضرات، كتركها جيرمي يلبس ملابس وردية في المدرسة، المرور مع ابنتها يوميًا عند مكان عمل لوجود امرأة في طاقم العمال، تعليق جدول الأعمال في المطبخ ليعلم الأطفال توزيعة الأعمال بينها وبين زوجها أسبوعيًا.
لكن بالرغم من حسن نواياهم إلى أن زواجهم نمى مرهقًا، بينما كان أولادهم يكبرون. اشتكت ساندي من شعورها بأنها ترعى الأطفال بمفردها بسبب عدم تفرغ داريل الكامل لاحتياجات العائلة. الإثنين لاحظوا المفارقة في كون زواجهم قائم على المساواة الجنسية، ومع ذلك كانت مشاكلهم وتخبطهم ناتج عن الصور النمطية للجنس.
ثم في 1994 عندما كان عمر أطفالهم 19 و17 سنة.. انفصلوا.
بعد الانفصال، اتجه داريل لميوله المثلية -جزء من حياته الجنسية التي لم يخفيه عن ساندي-  بل استخدمها كمزحة في أول موعد لهما: ” هناك 3 أشياء يجب أن تعرفيها عني، أنا أقدم ألعاب خفة على المسرح، أنا من كلورادو، أنا مثلي بشكل أولي- مثلي لكن ينجذب للإناث-“، وكان ردها أنها لم تقابل من قبل أحد من كلورادو.

بعد انفصالهم بسنة، دخل داريل في علاقة طويلة مع أستاذ التواصل في (كلية أثاكا- Ithaca Colleg).
و بما أنه وساندي لم يتطلقا، فقد كانت زياراته متكررة لمنزلهما في (مرتفعات كورنل- Cornell Heights) حيث ربيا طفليهما. يتناول العشاء عدة مرات في الأسبوع ويظل مرتبطًا بحياة إيميلي وجيرمي بطريقة أكثر ارتباطًا من الوقت الذي كان يعيش فيه معهما، كما أنه بقي صديقًا مقربًا لساندي- التي حظيت بعلاقة قصيرة مع امرأة بعد انفصالها عن داريل، ثم بقيت عازبة منذ ذلك الوقت- .
ــ

في صباح يوم جمعة هادئ في نوفمبر 2010، جلست ساندي بيدها كوب شاي بالعسل والزنجبيل لتقرأ كتابين أعطاها داريل. في هذا الوقت كان قد مر سنة ونصف على تشخيصها بضعف الإدراك المعتدل،  وكانت قد تجهزت لما قاله طبيبها بأنها في طريقها لمرض آلزهايمر واستقالت من الجامعة، لكنها كانت جيدة، بإمكانها السفر وحدها في أماكن مألوفة بالنسبة لها- كزيارة ابنتها التي تعيش في ولاية أوستن، بينما ترك جيرمي منزله مؤقتًا ليكون معها-  يمكنها قراءة الروايات حتى الصعب منها، تلعب التنس، تعتني بالحديقة، تتمشى مع أصدقاء أغلبهم من زملائها في الجامعة. شاهدت عدد قليل من المرضى، واحد منهم يقول: ” لم يكن مرضها عائقًا في الجلسة حتى مع نسيانها لبعض الكلمات، في الجلسات النفسية نتحدث أكثر عن المشاعر وفي هذا الموضوع لم تكن تنسى ولا حتى جزء بسيط” .
كتابها الأول في ذلك الصباح كان ( الخروج الأخير- Final Exit)، كانت قد قرأته من قبل في التسعينات في بداية نشره، حتى وقتها كانت مفتونة بحجة الكاتب ( ديريك هامفري-(Derek Humphry، من وجهة نظر الذين يؤمنون بـ ” موت الكرامة- death with dignity”  للناس المصابين بأمراض مستعصية.

الكتاب الثاني، كتاب جديد للكاتب الإسترالي – من المدافعين عن حق الموت- ( فيليب نتيشكه- Philip Nitschke)، بعنوان: ( دليل حبة الموت الهادئ- The Peaceful Pill Handbook.)، الحبة التي يتحدث عنها الكتاب هي حبوب الـ( نيمبتول- Nembutal) وهو اسم الشركة لدواء الـ (pentobarbital)، الذي -يستخدمه البيطرين في القتل البطيء للحيوانات- وهو الدواء المرخّص للانتحار بمساعدة الطبيب.
بعد الانتهاء من القراءة، شعرت ساندي أن الـ pentobarbital هو الذي تبحث عنه، موثوق به وسريع المفعول والأهم من كل هذا طريقة رحيمة للموت، يعمل بسرعة فقدان وعي ثم تباطئ تدريجي للقلب.
قد تتعرض لمضاعفات بالتأكيد، مثل التقيؤ -من التحذيرات المتبوعة بهذا النوع من الدواء أنه يفضل أخذ دواء ضد الغثيان قبل ساعات من أخذ الجرعة لمقاومة أعراض الغثيان والتقيؤ-.
هناك أيضًا تحذير من أن الدواء يظل في الجثة بعد الموت، لكن هذا لم يكن يؤثر في ساندي كانت تود أن يعرف الناس أنها اختارت موتها بنفسها.
في أحد الصباحات أثناء مكالمتها المعتادة لأختها- بيف- ، أخبرتها عن قرارها باستعمال الـ pentobarbital.
كانت علاقة ساندي بأختها مقربة جدًا، حيث عاشت معها بيف بعد زواجها بداريل مدة طويلة، وقبل سنة من تشخيص ساندي، عرفت بيف أنها في المرحلة الرابعة من سرطان المبيض. واكتشفا معًا أن قانون ولاية أوريغن – حيث تعيش أختها- يسمح بالموت الرحيم للأصحاب الأمراض المستعصية.
لكن حتى وإن عاشت ساندي في ولاية أوريغين، فإن مرض آلزهايمر لا يمكّنها من الاستفادة من القانون،
حيث يشترط أن يقرر طبيبان أن المريض تبقى له 6 أشهر فقط للعيش. وهو ما لايحدث مع مرضى آلزهايمر حيث يمكنهم العيش لسنوات بصحبة المرض. بالإضافة إلى اشتراط الصحة العقلية، الشرط الذي يعتبر عقبة لشخص يعاني من التدهور العقلي.  أخبرتها ساندي في المكالمة أن الدواء من الأدوية الخاضعة للرقابة في الولايات المتحدة، عليها أن تراسل أحد الموردين الأجانب الموجودين في قائمة الكتاب متمنية أن تتمكن من الوصول له.
اقترحت أختها أن تطلب من طبيبيها في ولاية أوريغان أن يصف لها الدواء – بصفتها مريضة سرطان تستطيع الاستفادة من القانون- ثم تعطيه لها. هي شخصيًا لم تكن تريد أن تستفيد من الموت الرحيم، سرطانها كان ساكنًا وكل ما يهمها أن تموت دون ألم. بيف كأي شخص في دائرة ساندي المقربة لم تكن تريد لأختها أن تموت، لكنها تحكمت في شعورها الشخصي كي تساعد أختها لتموت بالطريقة التي أختارتها لنفسها.
ــ
في التاسع من ديسمبر- 2012.
ايميلي – ابنة ساندي- وشريكها ( يوليس فيكسن- Julius Viksne)، أنجبا ولدًا سموه ( فيلكس- Felix).
ذهبت ساندي لولاية أوستن لزيارتهم – مازال بإمكانها الذهاب للأماكن المألوفة-  خلال السنتين الماضيتين حياتها أصبحت محدودة لكنها استمرت في الاستمتاع بها سواءً بزراعة حديقتها أو الكتابة في مذاكراتها وقراءة الكتب على جهازها الآي باد ليست كتب معقدة مثل السابق، لكنها مازالت تقرأ. نظمت حياتها يومًا بيوم، كانت شخص روتيني تأكل نفس الوجبات كل يوم: كعك على الإفطار، شطيرة على الغداء، قطعة سالمون على العشاء. أكواب وأكواب من الشاي خلال اليوم. ثلاجتها مليئة ب10 كيلو من اللوز، حيث يمكنها تحميص جزء منه ونثره على آيسكريم الشكولاتة المجمد كمتعة ليلية.
خلال ذلك الوقت كانت تتناول دواء ثاني مرخص (Aricept) – الذي يمنع المواد الكيميائية التي تكسر (الإستيل- acetylcholine) – ناقل عصبي متصل بالذاكرة القصيرة- الأشخاص المصابين بآالزهايمر غالبًا يتعرضون لنقص تركيز الإستيل في الدماغ. لم يكن يعرف داريل ما إذا كانت الأدوية تؤثر أو لأ، لا يمكنك التأكد كيف كانت ستكون حالتها إذا لم تأخذ هذه الأدوية.

أن تكون جدة لم يكن من اهتمامات ساندي، لكن عندما ولد فيلكس كانت سعيدة جدًا. عندما ذهبت إلى أوستن لرؤيته كان في العناية المركزة للأطفال- الحضّانة- لاكتشاف الأطباء عدوى بكتيرية في بوله وحاجته لأخذ المضادات الحيوية. كانت ساندي تجلس على كرسي هزاز بجانب سريره، ناولتها إيملي الطفل لتحمله لا يرتدي إلا حفاظته، والمنفذ الوريدي( الكانيولا) معلق بيده مغلق بانتظار الجرعة الثانية. تأملت حفيدها كيف يبدو كاملًا وهو ينام في سلام، ظلت لأسابيع وأسابيع تتحدث عن أول نظرة لحفيدها. أو كما قالت: ” لم أكن أعرف ماذا أقول أو أفعل؟ لكنه فقط نظر إلى عيني”.
فوجئت إيميلي بتغير العادات التقليدية لوالدتها كجدة لفيلكس. كأم في السبعينات كانت ساندي تحّول أي تفاعل مع أطفالها لتحقيق سياساتها، مثلُا: أثناء وقت القصة كانت تمسك بمصحح أبيض و قلم أسود، تغير أسماء الأبطال من أسماء أولاد إلى أسماء فتيات، تمحوا بعض الأحداث، تضيف شعر طويل/ صدر، للرسومات.
وقت القصة مع فيلكس كان مختلفًا، تحتضنه وتهدهده بينما تقلب الصفحات فقط، إذا لم تتمكن من تذكر كلمة مثل: حمار وحشي، أسد، تقول: ( ممم أنه حيوان)، وتكمل القراءة.
أخبرت ابنتها مرة أن دماغها الجديد يجعلها جدة أفضل من دماغها القديم شديد التركيز والتحليل، كانت قد وجدت في مداعبتها لحفيدها سعادة ما، بأن تغني الأغاني السخيفة وتصنع أصوات لا معنى لها لساعات، إيملي أحبت والدتها بهذا الشكل أيضًا، كان من الصعب فيما قبل أن تكون ابنة ساندي. عندما كانت طفلة كانت تود أن تبقي شعرها طويلًا وأن تنضم لدروس الباليه. لكن ساندي -التي كانت متحفزة دائمًا نحو الصور النمطية للجنس- جعلتها تقص شعرها وتلعب كرة القدم. لكن الآن هذه الأشياء لم تعد تهم ساندي، إيملي شعرت أن أمها أصبحت تستمتع بالحياة بطريقة لم تكن يتوقع من نفسها القديمة الاستمتاع بها، وأصبحت تتمنى أن تستمر السعادة التي تشعر بها أمها مع حفيدها بحيث تغير رأيها في مسألة إنهاء حياتها. المقربين من ساندي لاحظوا أيضًا علاقتها بحفيدها وتسألوا كيف سيؤثر هذا على خطتها الأصلية؟ ساندي القديمة- التي كانت تقّدر عقلانتيها وقوتها- كان من الواضح أنها لن ترغب في أن تعيش حياة منزوعة من الأفكار الواضحة العقلانية. لكن ساندي الجديدة لا تبدو مستائة بعيش الحياة بهذه البساطة. لكن في النهاية من الذي سيتخذ القرار؟ ساندي الجديدة أم ساندي القديمة؟


(رونلد دوركين- Ronald Dworkin)، الباحث القانوني ومؤلف كتاب:” ملكية الحياة: الجدل حول الإجهاض، و القتل الرحيم وحرية الأفراد- Life’s Dominion: An Argument About Abortion, Euthanasia and Individual Freedom). كتب عن قائمة الإحتياجات لمن هم في حالة ساندي، الذين يرغبون في أن تحترم رغباتهم حتى وإن غيّر المرض جوهرهم وأثر على هذه الرغبات. ولكي يشرح هذه النقطة فرّق الكاتب بين الإهتمامات الرئيسية للإنسان – الأهداف والرغبات التي تجعل الحياة تستحق أن تعاش- وما بين الإهتمامات المؤقتة- الناتجة عن اللحظة – كالإستمتاع بالاستماع للموسيقى أو بأكل كوب من آيسكريم الشكولاتة!
وفي حالة ساندي، يمكننا القول أنها تستمتع بهذه الاهتمامات المؤقتة التي تشغل وعيها الحالي، كاللعب مع حفيدها والعمل في حديقتها. لكن بالنظر لإهتماماتها الرئيسية فإن الوضع يزداد تعقيدًا وبعدًا عن التحقيق! وحسب رأي الكاتب، فإن الرغبات الناتجة عن هذه الاهتمامات الرئيسية لها الأولوية في التنفيذ في حالة اختيار إنهاء الحياة نيابة عن شخص لم يعد قادرًا على اتخاذ القرار بنفسه، لأن هذه الاهتمامات هي التي تؤثر على هوية وحقيقة الإنسان.
إذًا بالرغم من كون ساندي الجديدة تستمتع بوضعها الجديد وبكونها جدة، من المهم الأخذ في الاعتبار رغبة ساندي القديمة وقرارها. لكن قرار منح الأولوية للإهتمامات الرئيسية قد يكون صعبًا، حتى في مجتمع يسمح بذلك.
في هولندا مثلًا، تبعًا لقانون -المساعدة على الإنتحار- يسمح للطبيب بإنهاء حياة الشخص إن كان غير قادر عقليًا على فعلها بنفسه، طالما عبّر عن نيته هذه بينما هو في حالة عقلية سليمة. فبناء على قانون 2002، إذا كان شخص مصاب بآلزهايمر تقدّم بطلب صّرح فيه برغبته في الموت عندما تتدهور حالته العقلية إلى وضع لا يطاق كالاحتياج لمن يطعمه أو الاضطرار للبس الحفاظات. فإن الاعتماد على هذا الطلب المقدّم كافٍ بالنسبة للطبيب للسماح بالقتل الرحيم. بالرغم من ذلك، فإن الحالات التي نفّذ فيها الأطباء في هولندا القتل الرحيم بناءً على المرض العقلي نادرة. في الحقيقة، بناء على استبيان حديث طبق على 110 طبيب هولندي يعالجون مرضى عقليين تقدموا بطلب للموت الرحيم، لا أحد منهم نفذ الطلب. ومن ضمن 4829 شخص توفوا في 2013 باستخدام القانون الهولندي للقتل الرحيم، 97 منهم فقط أي ما يعادل 2% هم من أصحاب الأمراض العقلية.
ــــ

” أنت تعرف أني أخطط لقتل نفسي”.
ظلت ساندي تكرر هذه الجملة خلال عام 2013، في أي وقت تمر الفكرة بخاطرها، كان يبدو وكأنها تقولها من أجل الآخرين كي يعتادوا على الفكرة ويمكنهم من تحمل الألم والحزن حين يتم الأمر، ومن أجلها أيضًا كي تجعل الفكرة ثابتة في عقلها الذي يتدهور. في ذلك الوقت كانت إيملي وفيلكس- ابنتها وحفيدها- يعيشون مع ساندي، حيث تستطيع ساندي المساعدة في تربية الطفل، بينما يدرس زوج إيميلي. أما بالنسبة لجيرمي – ابنها- فقد عاد لمنزله لظروف صعبة في حياته، منعته من التواصل مع عائلته باستمرار، لكن يمكن القول أنه كان مؤيدًا لقرار والدته على عكس إيملي التي كانت تنزعج من الأمر بشدة، وتود لو تصرخ في والدتها بأن تتوقف عن قول ذلك، في كل مرة تذكرها ساندي بأنها تفكّر بالانتحار.

في أحد ليالي أغسطس 2013، كانت ساندي وحدها في المنزل، أحضرت نوتة وجلست على طاولة المطبخ، كانت قد سمعت عن أدوية تجريبية جديدة للآلزهايمر وأملت أنه ربما إن أضافت الأدوية الجديدة للأدوية التي تأخذها حاليًا ((Namenda and Aricept ربما سيساعدها هذا على البقاء بصحة جيدة حتى تستطيع العناية بحفيدها على الأقل حتى أغسطس 2014 حين ينهي زوج ابنتها فترة دراسته ويعود للمنزل.
لكن هذه الأدوية كانت مرتفعة الثمن جدًا وعليها أن تدفع ثمنها من حسابها الخاص لأن تأمينها الصحي لا يغطي هذه التكلفة، أمسكت القلم وبدأت تحسب التكلفة المطلوبة. كان العلاج عبارة عن دمج دواء (IVIG) – دواء مصرح به لبعض الأمراض العصبية- مع جرعة مكررة من (TMS) – دواء يوصف عادة للإكتئاب- وهو ما سيكلفها 6 آلاف دولار كل أسبوعين. ماذا لو أقنعتهم بتخفيض التكلفة، لأنها صغيرة الحجم وجسمها سيستهلك عدد أقل من الأدوية؟ أو ماذا لو أخذت الجرعة على 3 أسابيع بدلًا من أسبوعين؟
لكن مازال الأمر مكلفًا حتى في هذه الحالة، لكنها لم تستخدم أيًا من مدخراتها بعد، وبما أنها قد بلغت التاسعة والستين ومن الواضح نظرًا للوضع الحالي أنها لن تعيش طويلًا لتحتاج مدخراتها، فمن الجيد صرفها على العلاج.
مدخراتها تسمح لها بصرف أربعة آلاف دولار كل 3 أسابيع خلال هذه السنة حتى يتخرج يوليوس- زوج ابنتها-
في نهاية الورقة التي ملأتها بالأرقام والحسابات كتبت تذكير لنفسها أن لا تتضايق من المبلغ الكبير الذي ستنفقه، العلاج غالٍ لكن بوجود ابنتها معها فإن المال لا يمثل لها مشكلة.
خلال الأشهر التي تبعت ذلك، كل عدة أسابيع كانت رحلة ساندي وداريل-زوجها- الصباحية إلى منهاتن للحصول على الأدوية. في أحد المرات قالت ساندي لزوجها: “أشعر بأني مع كل ذلك مازلت أنا، هل توافقني الرأي؟”
كان هذا رأي داريل أيضًا، لقد فاجئه كيف ظلت ساندي نفسها إلى الآن حتى مع إنخفاض شخصيتها المفكّرة التي عرفها دومًا، لكن الذي فاجئه أكثر أن التغير لم يكن يعنيه كثيرًا، اكتشف حقيقة أن ذكائها لم يكن مؤثرًا في مشاعره نحوها، وأنه يحبها لذاتها التي مازالت موجودة.
داريل أثبت نفسه بتواجده وثباته مع ساندي، وبالنظر أن أصدقائها العاديين لم يكونوا متواجدين- سواء لأن ساندي أبعدتهم أو أنهم لم يرغبوا أن يشهدوا تدهورها- أصبح داريل مؤثرًا أكثر في حياتها. هو وكارين- صديقتها- كانوا المتواجدين حولها أغلب الوقت، وهم أيضًا الذين حرصت أن تتحقق كل فترة من أنهم متأكدين أن قرارها في الانتحار لم يتغير.

في أكتوبر، أرسلت ساندي طلبيتها من الدواء على عنوان في المكسيك كان مكتوبًا في الموقع الإلكتروني لكتاب
(دليل حبة الموت الهادئ- The Peaceful Pill Handbook)، مرّت أسابيع وبدأت ساندي بالقلق من أن تكون الطلبية صودرت على الحدود، لكنها وصلت في النهاية. علبة كرتونية صغيرة الحجم مغلفة بورق بني، أمسكت المقص بحماسة لقص التغليف، علبتان 100 ملم من دواء(pentobarbital)، كانت قد طلبت علبة إضافية للطوارئ، حتى مع إيمانها أن علبة واحدة كافية للشخص في حجمها. أخذت العلبتين للقبو لأنه يلزم إبقاءها في مكان بارد. في الوقت الحالي يمكنها ترك الدواء على الرف بارتياح لفكرة أنه موجود.
والآن، مسألة ” كيف؟”  تم الإعتناء بها. وأصبح السؤال الذي يشغل عائلة ساندي هو ” متى؟”، يمكنهم الاتفاق على أن ساندي ستعيش حتى نهاية 2014. لكن حتى مع خطة العلاج التي تتابعها في مانهاتن، الضعف المعرفي لديها أصبح أكثر وضوحًا. عندما أتت بيف- أختها- لزيارتها لم تستطع ساندي الفهم كيف يمكن أن تكون أختها من نفس الأب والأم، لم تستطع أن تميز اسم روبين في المحادثة، وعندما حاولت ابنتها إيملي أن توضّح لها بأن قالت: روبن هي أخت والدي. سألتها ساندي: ومن هو أبوكِ بالظبط؟
لاحظ داريل- زوج ساندي- شيئًا آخر محبط. كان يتابع تقدم ساندي في دروس البيانو من جديد. كان لديهم بيانو دائمًا في منزلهم، غالبًا من أجل داريل الذي كان يعزف عليه بصحبة غناء إيملي، الذي أهّلها صوتها الغنائي الواضح والرنّان للدخول في الإنتاج الغنائي أثناء دراستها، ومن ثم كعمل مهني في مسرح غنائي.
ساندي كانت مستمرة في التدريب ببطء وثبات، منتقلة من أبسط الألحان مثل: ” Twinkle, Twinkle” متنقلة في التدريبات إلى الألحان الأكثر تعقيدًا. في أواخر 2013 ، بدأ داريل برؤية ساندي تستطيع تعليم نفسها أجزاء معينة من النوتة، وفي المرة الثانية حين تجلس أمام البيانو تقلب في الصفحات ثم تبدأ مجددًا من الأجزاء التي تدربت عليها، بعد عدة أشهر أصبحت تستطيع عمل جزء واحد فقط من الأجزاء التي تدربت عليها المرة الفائتة. ثم بعد عدة أشهر بعد ذلك، أصبحت تجلس أمام البيانو وتقلب في الصفحات وتبقى عاجزة وتقف عند لحن Twinkle, Twinkle ولا تتعداه.
حتى وإن كان هذا لا بأس به، فقد كان يراها مستمتعة أيًا كان الذي تعزفه. لكن في يوم من الأيام فقدت حتى هذا. لم تعد تستطيع العزف نهائيًا. أسهل القطع أصبحت صعبة جدًا بالنسبة لها، وفي نفس الوقت تقريبًا فقدت قدرتها على قراءة الروايات على جهازها أيضًا، ولا متابعة حبكات الأفلام المعقدة.
في النهاية أصبح لديها فيلمان فقط تستمتع بمشاهدتهما ” ماري ببوبينز- Mary Poppins ” و فيلم ” فتاة مرحة- Funny Girl”. * الفيلمان من الأفلام الموسيقية البسيطة دون حبكات معقدة.
قرب الكريسماس، ترك يوليوس دراسته وعاد للإنضمام إلى عائلته. لم تعد ساندي ترى أي داعي لإنفاق آلاف الدولارات على أمل تمديد قدراتها العقلية قليلًا من أجل فيلكس. أخبرت داريل أنها تريد إيقاف العلاج.
بعد ذلك بمدة قليلة، بعد العشاء في المطبخ أخبرته شيئًا آخر،أرادت أن تتحدث عن متى سيكون الموعد المناسب للموت؟ وافقها داريل محاولًا أن لا يتحدث كثيَرا وأن يركز على ما يفعله متجنبًا أن يفكر ماذا يعني فعلًا أن يخسرها! ماذا عن يونيو؟ – كان يريد أن تظل حتى ينتهي الشتاء في مدينتهم وترى حديقتها مزهرة متنميًا أن يكون هذا سببًا لأن تقضي شهورًا من السعادة قبل أن ترحل. قالت: يونيو يبدوا جيدًا.
في ذلك الوقت، إيملي التي كانت تقسم وقتها بين منزل والدتها ومنزلها عادت إلى مدينتها. كانت تخطط هي وزوجها يوليوس لشراء منزل بالقرب من حدود أثاكا – مدينة والدها ووالدتها- وكانت تتحضر للانتقال.
في أحد أيام إبريل عادت إيملي لمدينة والدتها، وكانت تقود سيارة ساندي للمنزل عائدة من البنك بصحبة والدها الذي كان يساعدها على الحصول على رهن عقاري.  سألها داريل: هل علينا أن نبدأ بتسجيل السيارة باسمك؟ بدأت تتحدث عن رغبتها في الانتظار حتى انتهاء الصيف، حين تكون في منزلها الجديد حتى تسجل عنوانها الجديد، ربما في يونيو يمكنها أن تطلب من ساندي أن تسجل السيارة باسمها.
قال داريل: ” ستكون قد ماتت في يونيو” ، فوجئت إيميلي محاولة التحكم في قيادتها: ” ماذا قلت؟ ”
نظر إليها داريل متفاجئًا من مفاجئتها لقد ظن أن ساندي قد تحدثت معها، لكن يبدو أنها لم تفعل. وإيملي تظن أن يونيو قريب جدًا، كانت تتطلع لقضاء الصيف مع والدتها وابنها.
تتخيل ابنها يلعب في ساحة المنزل آخر النهار، بينما تعمل ساندي في الحديقة. تحفر حفرة هنا، تنقل شتلة زهور إلى هناك، تسحب الحشائش التي تنمو حول الزنابق. كانت غاضبة من والدها لتحدثه بشكل عملي عن موت والدتها. وغاضبة من والدتها أيضًا لاختيارها موعد قريب جدًا، ومن المقربين من والدتها للسماح بكل هذا أن يحدث.
تلك الليلة، جلست مع والديها ومع روبين- عمتها- للنقاش في هذا الوضع، إيميلي وجدت نفسها تدافع عن حياة والدتها ضد الجميع الذين أرادوا أن تنهيها.  موجهة كلامها لوالدها: “أنت تتحدث وكأنك تحسب معادلة رياضية!
تحسب معدل انخفاض المعامل ” س”  وبأنه في الوقت ” ص” سيكون الحال هكذا، لكنّ هذه ليست معادلة رياضية ! لا يمكنك أن تحسبها بهذه الطريقة ! ” قال داريل: ” حسنًا، ربما ليس في يونيو -محاولًا تجنب الجدال- لقد اخترنا يونيو بناءً على أن والدتك ستكمل عامها السبعين في 22 من شهر يونيو. وأنه ربما سيكون وقتًا مناسبًا”
قالت إيملي: ” هذا جنون، كيف يمكنك اختيار شهر بناءً على ذلك”
قالت ساندي: ” مالشهر الذي اخترناه؟ ”
قال داريل: ” يونيو”
قالت إيملي: ” لماذا لا يمكنك القول بأن يكون أغسطس، سيكون من الأسهل أن يكون أغسطس بدلًا من يونيو”.
قالت ساندي مجددًا: ” ماالشهر الذي اخترناه؟”
قال داريل: ” يونيو”
قالت إيميلي: ” أغطسطس- يونيو، لا يمكنك أن تقوم بالمعادلة”
سألت ساندي مجددًا: أي شهر اخترناه؟
قالت إيميلي موجهة حديثها لوالدتها: ” لقد عانيتي خلال الشتاء، لكن يوليو هنا سيكون رائًعا” ، كانت تريد من ساندي أن تتحمل لصيف آخر، أرادتها أن تريد أن تتحمل لصيف آخر.
وافقت ساندي قائلة : ” متأكدة أنه سيكون لطيفًا”، لكن صوتها كان خاليًا من أي تعبير. احتمالية قضاء صيف آخر، حتى وإن كان من أجل إيملي أو من أجل حفيدها أو من أجل حديقتها، لم يعد يبدو كافيًا.

في أحد ليالي إبريل، عندما كان داريل هناك على العشاء، قالت ساندي فجأة وبدون مقدمات: ” داريل، أنت ذكي”. سألها داريل بابتسامة -مغامرًا بأن تكون ساندي مازالت محتفظة بخفة دمها وتقبلها للمزاح- : ” حقًا؟ أم لأن ذكائك يتناقص أصبحت ترين ذكائي يزداد؟”
ضحكت وقالت: ” أعتقد ذلك”.
لكنها أخبرته أنها تشعر بأنها تنهار وأن يوم وفاتها ينبغي أن يكون قريبًا. انزل داريل تقويم 2014 المعّلق على حائط المطبخ، واختار يومًا، ” ما رأيك بالثلاثاء؟ 20 مايو؟ ”
وافقته ساندي فدّون ذلك على التقويم، ثم أخبروا دائرتهم المقربة كارين –صديقتها- وبيف- أختها- وروبين- أخت زوجها- عن هذا القرار.
خططت لإخبار إيميلي، لكن أرادت أن يكون وجهَا لوجه حين تعود إيملي من بلدتها. وحين وصلت إيملي وابنها فيلكس في 13 مايو أخبروها أن ساندي ستموت الثلاثاء القادم.
فزعت إيملي: ” أسبوع فقط!”  كانت واثقة أنه موعد قريب جدًا وأنهم استعجلوا في تحديده.
ذلك المساء، جلست مع والديها على الكنبة التي شهدت أغلب المحادثات العائلية الجادة خلال سنوات.
بيف وكارين وروبن كانوا هناك أيضًا، قالت إيميلي بغضب أنها ليست معترضة على فكرة إنهاء حياة ساندي بشكل عام، لكن الآن؟ الآن؟
حاولت كارين وروبين أن يشرحوا لها التغير الذي حصل لساندي. وأنها نادرًا ما تضحك أو تستمتع بأي شيء.
إيملي كانت تظن أن الجميع يفكر بطريقة محدودة وأنهم يرون حزن والدتها تابع لمرضها، أما هي فترى أنه اكتئاب، بناءً على فكرة أن الطبيب أوقف مضاد الاكتئاب الذي كانت تأخذه ساندي وأبدله بدواء مضاد للذهان من أجل مرضها. ربما تحتاج تعديل لجرعتها أو أن يصف لها الطبيب دواء مختلف. إيملي كانت ترى أنهم يحتاجون بعض الوقت لمعرفة ما أسباب تغير مزاج ساندي.
في عطلة نهاية الإسبوع، كان هناك نقاش آخر على الكنبة. كارين وروبين كانتا تحاولان أن تفهم إيميلي كم الانحدار الذي واجه ساندي خلال الشهر الذي غابت فيه إيملي. أخبرتها روبين: أنت لم تري ذلك يا إيمي.
عندما كانت أمك تقف في المطبخ وتقول لي: ” أنا جائعة، ماذا يفترض أن أفعل حين أجوع؟”

في اليوم الثاني أتت روبن حين كانت إيميلي تحادث والدتها في المطبخ، وبعد أن خرجت إيملي.
التفتت ساندي إلى بيف وسألتها: ابنة من هذه؟
قالت بيف محاولة منع دموعها: ” ابنتك”.
قالت ساندي: ” أعتقدت ذلك، أعتقدت أنها ربما تكون ابنتي”، في تلك اللحظة استوعبت إيملي التدهور السريع الذي تواجهه والدتها.

كارين نظمت اجتماع من أجل ساندي في 18 مايو، للاحتفال بحياة ساندي. كان احتفال حميم للمقربين فقط
ساندي وداريل وإيملي وكارين وبيف وروبين. ( لم يحضر جيرمي بعد انتقاله من المنزل كان اتصاله بالعائلة شبه منعدم، لكن ساندي وداريل أرسلوا إليه إيميل صوتي لإعلامه بموعد وفاة ساندي).
خلال الاحتفال تحدث داريل عن دعوة قضائية قديمة في 1972 خسرت فيها أحد الشركات بسبب تمييزها العنصري بين الموظفين، وكيف اشترك هو وساندي كشهود في هذه القضية.

سألته ساندي مسرورة: ” هل فعلت ذلك حقًا؟ ”
فأخبرها عن شهادتها كمختصة في محاكمة أخرى أقامتها لجنة حقوق المرأة ضد أحد الشركات، وكان من نتائجها تجريم التوظيف حسب الجنس.

سألته ساندي مجددًا: ” هل فعلت ذلك حقَا؟”

أخبرتها كارين عن قرارها للعودة للدراسة، والحصول على درجة الدكتوراة في علم النفس، بينما كانت مازالت تعمل كأستاذ مساعد في جامعتها. وعن عام 2000 في عمر 56، حين حصلت على رخصة المعالجة النفسية وبدأت العمل، محولة جزء من منزلها لعيادة مريحة بوسادة كبيرة لجلوس المرضى. أخبرتها إيميلي أنها دائمًا ماكانت صاحبة قرارات جريئة، وأنها ربتها هي وأخوها على التفكير لأنفسهم.

في اليوم التالي، كان الجو دافئًا ومشمسًا، فقرروا الذهاب إلى الحديقة المطلة ع شاطئ البحيرة. لكي تكون نزهتهم الأخيرة معًا. يوليوس كان يدفع عربة فيلكس وبجانبه بيف وزوجها، إيملي تمشي ممسكة بيد والدتها -الشيء الذي لم تفعله منذ طفولتها-.
عندما وقفوا جميعًا في ساحة اللعب ليتركوا لفيلكس حرية الركض، جلست إيملي على مقعد خشبي مع والدتها.
أخبرتها إيملي أنها تتفهم قرارها بإنهاء حياتها الآن، تحدثت بإعجاب عن اختيار ساندي للحظة المناسبة، ليس مبكرًا جدًا ولا متأخرًا جدًا. كانت ساندي صامتة بينما تتحدث إيملي، فقط تنظر إلى عينيها. لم ترد إلى بجملة واحدة : ” أنا سعيدة لذلك” ثم احتضنتها.

في يومها الأخير، بعد خمس سنوات من تشخيصها. جلست ساندي لكتابة وصيتها للتأكد أن لا أحد غيرها سيتحمل مسؤولية وفاتها. طبعت إيميل بعنوان ( النهاية) كانت قد أرسلته إلى داريل قبل 9 أشهر.
تعلن من خلاله لماذا رغبت في الموت وأن لا أحد عرض عليها المساعدة أو النصيحة، لا طبيبها ولا محاميها لا أحد إطلاقًا. في الإيميل كتبت أنها ستكتب التاريخ وبعض الملاحظات حين يحين الوقت، كانت طريقتها لإثبات أن موتها كان قرارها وحدها. حين أتى الوقت، لم يكن هناك أي أفكار أخرى. كل الأفكار التي أرادت ساندي أن تكتبها كانت قد تجاوزتها في الوقت الحالي.
جلست ساندي وأمامها ورقة مطبوعة للإيميل بعنوان (النهاية)، ثم كتبت في خانة الموعد 20 مايو- 2014
التاريخ الذي ظلت تكرره لنفسها منذ كتبه داريل على التقويم، كتبت ملاحظة صغيرة: ” لقد حان الوقت، أحبك داريل”.  ثم وقعت الورقة بتوقيعها الرسمي. فيما بعد ذهبت للتمشية مع داريل، في منتزه هادئ وبعيد عن ازدحام المدينة. حين عادا من التمشية، جلسا لمشاهدة فيلم ( ماري بوبينز- Mary Poppins).
أما إيملي وبيف وزوجيهما تجمعوا في بيت كارين، أرادت كارين أن تشعر ساندي بأنها محاطة بكل من تحب وهي تتحضر للموت، لكن فكرت بأن يكون حب من بعيد، لأن ساندي أرادت أن يبقى معها داريل فقط في الغرفة.

حوالي الساعة الخامسة مساءٍ أخذت ساندي دواء مضاد الغثيان – من أجل الأعراض الجانبية للدواء-  وملأت لنفسها كأس نبيذ، كانت قد قرأت أن شرب الكحول بعد الدواء، يغطي على طعمه ويسّرع من عمله.
وبصحبة داريل، صعدت لغرفة نومها مع كأس النبيذ. الخطوة الثانية كانت فتح علبة الدواء، إزالة التغليف والسدادة المطاطية، وقف داريل متحفزًا غير واثق أن كانت ساندي قادرة على فعل كل هذا وحدها. لكنها فعلت.
صبت الدواء في كأس ووضعته بجانب كأس النبيذ على الطاولة. ثم سألته: ” ماذا نفعل الآن؟”
لم يعرف داريل بماذا يجيبها، من المفترض أن تأخذ الدواء بعد ساعة تقريبًا. ولم يمر إلا 15 دقيقة.
قال داريل: ” هل قررت ماذا سترتدين؟ ”  أخبرته أنها سعيدة بما ترتديه الآن، صعدت إلى سريرها ونظرت إلى الكأسين بجانبها، وسألت أيهما الدواء وأيهما النبيذ؟ قال داريل: ” الدواء شفاف والنبيذ أحمر”
حركت رأسها ونظرت حول الغرفة ثم إلى الكأسين، وسألت مجددًا ” أيهما النبيذ وأيهما الدواء؟”
وأجابها داريل مجددًا.
قالت: ” هل يمكنني أخذ رشفة من الدواء ثم رشفة من النبيذ؟”
قال درايل: ” لا أعتقد أنها فكرة جيدة، لا تريدين أن تخلدي للنوم قبل أن تنهي الجرعة”
قالت: ” حسنًا، سأشربه كله”، ثم شربته.
سألها إن كان طعمه سيء، قالت: ” لأ، إنه كثيف لكن ليس مرًا، ليست عندي مشكلة مع الطعم”

وضعت الكأس على الطاولة وسألته :” كم ينبغي لي أن أشرب من النبيذ؟”، أخبرها داريل أنها تستطيع شرب قدر ما تريد.
أخذت رشفة، ثم قالت: ” احتاج للذهاب للحمام”.
قال لها: ” لا يمكنك ذلك، أخاف أن تنامي” سألته إن كان يستطيع الذهاب معها.
ذهب داريل وساندي إلى الحمام معًا ووقف هو خارجًا، بينما تجلس زوجته التي تحتضر في الحمام.

ساعدها بالعودة إلى السرير، ثم خلال خمس دقائق كانت قد غابت عن الوعي، جلس داريل يراقبها لفترة، دون أن يشعر بشيء. مازال هناك الكثير ليفكر فيه، الاتصال بالطوارئ وحضور الطبيب الشرعي وكتابة تقرير الوفاة وتحديد أسباب قرار ساندي بالانتحار. لم يأت بعد وقت شعوره بالواقع المرعب، لقد رحلت ساندي تمامًا عن حياته.
أما الآن فقد جلس ينظر إلى زوجته الفاقدة للوعي.. ثم حوالي الساعة الثامنة والنصف اتصل بـ “بيف” في بيت كارين، جائت بيف وجلست بجواره بجانب ساندي.
كانوا هادئين، يطالعون غطائها يرتفع وينخفض مع كل تنفس، ثم خلال الساعة أصبحت حركة الغطاء أبطئ فأبطئ
ثم توقفت.
ــــــ
حين كان يقف أمام قبرها فيما بعد في ذلك الصيف،  قال ” كم هو قوي حضور غيابها”.
واقتبس من قصيدة لـ ( فريد تشابل- Fred Chappell).

“The rooms were quiet when she was resident./Now they lie silent. That is different.”
” كانت الغرفة هادئة في حضورها، الآن ترقد صامتة. هذا مختلف”.

 

المصدر:

https://goo.gl/4ZtE1T

ترجمة وتصميم: ندى القصبي
مراجعة لغوية: محمد مراشدة 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي