أفضل قصيدة في اللغة العربية

أفضل قصيدة في اللغة العربيّة

الشعر الجاهليّ

إن الشعر الجاهلي في اللغة العربية يدور حول أبواب من المعاني كالصبوَة، والرحلة، والصيد، والحرب، وذكر المناقب إلى آخره، وهو يتكرر في كل باب من هذه الأبواب ويتكرر في شِعر الشاعر الواحد. فلو جَمعت ما قيل في أي باب لوجدت الكثير من الشعر والمعاني متقاربة، ومع هذا التكرار وتقارب المعاني، نجد كل قصيدة كأنها شيء متفرد متميز ومختلف عن كل ما عداه، سواء شعر الشاعر أو شعر غيره، وكأن هذه القصيدة أو كأن هذه الرحلة أو كأن هذه الصبوة وحدها التي قيلت في هذا الباب؛ لأن فيها من الاختلاف في الأبنية، والصور، والأحوال، والتراكيب، والأهداف، والمعاني ما يجعلها شيئًا مختلفًا تمامًا، ومرجع هذا إلى قوة الطبع وقوة الإحساس والهيمنة التامة على اللغة. [1]

مما قيل في شعر امرئ القيس

إذا تحدثنا عن الشعر الجاهلي أو عن الشعر عامةً، فلا بد أن نذكر امرأ القيس ومعلقته (قفا نبك) على وجه الخصوص، وكيف لا! وقد قال الباقلاني في كتابهِ (إعجاز القرآن) عن شعر امرئ القيس:

«أنت لا تشك في جودةِ شعر امرئ القيس، ولا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورًا اتُّبع فيها، من ذِكر الديار والوقوف عليها، إلى ما يتصل بذلك من البديع الذي أبدعه، والتشبيه الذي أحدثه، والوجوه التي ينقسم إليها كلامه من صناعة وطبع، وسلاسة وعفو، ومَتانة ورِقَّة وأسباب تُحمد، وأمور تُؤثر وتُمدح، وقد ترى الأدباء يوازنون بشعره فلانًا وفلانًا… ».

وأيضًا ما ذكره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أنه سابق الشعراء، وهو من خسف لهم عين الشعر وزلل لهم الطريق إليه وبصّرهم بمعانيه. [2]

«قفا نبك» ومكوناتها

من المفيد أن نتعرف بطريقة مجملة على المكونات الأساسيّة للقصيدة، ووجه ترتيبها، وكيف صارت القصيدة بهذه المكونات وبهذا الترتيب ذات هيئة متميزة، وذات سمت خاص بها، وذات مَنْزَع ومَهيع أيضًا.

وأول ما نلاحظه في هذه القصيدة، هو أن الشاعر بدأها بذكر المنازل وما زاد على أن عددها، ولم يصف ما فيها فقال:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ

 

وقالوا عن هذا البيت أنه لم تُفتَتَح قصيدة في اللغة العربية بأفضل مما افتُتحت به هذه القصيدة، وأن الشطر الأول بلغ الغاية في الإتقان والتجويد وأنه لم يحاول أحد أن ينازعه بأفضل منه، مع أن الشطر الثاني من الكلام المألوف، وليس به صنعة، إنما هو ذِكر أمكنة.

وقالوا في بيان وجه الجودة في الشطر الأول أنه وقف واستوقف بكلمة «قِفَا»، وبكى واستبكى بكلمة «نَبْكِ» وهذا جيد جدًا، ومعناه أن القدرة على الإيجاز وشدة الاقتصاد في اللفظ مع وفرة الاتساع في المعنى من أهم دلائل القدرة والتميز وجودة الطبع.

ثم انتقل امرؤ القيس إلى وصف حاله يوم رحيل أحبابه وأطال، ولم يذكر شيئًا عن أحوالهم ذلك اليوم، ولا عن الأرض التي قطعتها ركابهم كما كان يفعل الشعراء، وإنما أغرقه دمعه لما ذكر يوم رحلوا، فيقول: [1]

كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا

لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ

والبين هو الفِرقة، وتحملوا: ارتحلوا، وشبّه غذارة دموعه وعدم قدرته على إيقافها بالذي يكسر الحنظل ليستخرج الحَبّ فلا يستطيع إيقاف دموعه، وهكذا كان حاله أيضًا يوم ترحلت أم الحويْرِث وأم الربَاب وغيرها، وكأنه يشير إلى أنَّ الكل رحل.. [3]

كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا

وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ

والمأسل هو اسمٌ لجبل.

ثم استرجع الذكريات والأيام الصالحة التي لم تكن لهوًا مع واحدة فقط وإنما كانت مع عدد منهن، ولا نجد في عدّه لأيامه الصالحات معهن كلمة تدل على تعلق قلبه بهن، وإنما كان يلهو ويسلط إرادته، وقدرته، واجتراءه على من يلهو بهن. [1]

 

ألَا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ

وَلَا سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ

 

فيتذكر الأيام التي فاز فيها بوصال النساء، ومن هذه الأيام يوم بِدَارَةِ جُلْجُلِ، وذكر يومًا صالحًا آخر فقال:

 

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي

فَيَا عَجَبًا مِنْ كورها المُتَحَمَّلِ

فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَا

وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ

 

تذكر حينما ذبح ناقته للفتيات العذراوات، وظل يشاهد مُتعجبًا وهنَّ يَتَقَاسَمْن رحلها، ويَتَقَاذَفْن لحمها، وكانت مطيَّته ذات شحم كالحرير الأبيض الخالص (هُدَّابِ الدِّمَقْسِ). [3]

فكانت الإشارات عن الشوق غامضة حتى تكاد تَتُوه وسط حديثه عن اقتداره، واقتحامه، وتجاوزه الأحراس، وأهوال المعشر، إلا ما كان مع فاطمة، فقد اختلف حديثه معها، فانتقل من الغطرسة إلى الاقتراب والتودد وذكر قلبه المقتّل وتحول خطابه تحول عجيب، فيقول: [1]

 

ويَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَذَّرَتْ

عَلَيَّ، وَآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ

 

يقول وقد تشددت العشيقة والتوَت وساءت عشرتها يومًا على ظهر الكثيب، وحلفت حلفًا لم تستثنِ فيه أن تُقَاطعني وتُهَاجرني، فقال لها:

أفاطِمَ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ

وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي

وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ؟

أي رفقًا يا فاطمة، وإن كنت قد عزمت أمرك على الهجرة فأجملي فراقك. هل قد غرك مني كون حبك قاتلي وكون قلبي منقادًا لكِ! [3]

ثم يفاجئك امرؤ القيس بانتقاله من خطابهِ المهذب الدافئ لفاطمة إلى بيضة الخِدر، والخِدر هو الهودج وشبّهها بالبيض لصفاء لونها ونقائه. فيقتحم خدرها ويتجاوز الأهوال المحيطة، ثم يطول الكلام عن بيضةِ الخِدر هذه، ويذكر تفاصيل لَهْوه بها، ويصفها أحسن وصف في أرقى لغة وأصفاها، وإذا قلت أنه لم توصف امرأة في شعر بوصف أبلغ وأعلى من الشعر الذي وَصَف فيه امرؤ القيسِ بيضةَ الخِدر، لم تكن قد تجاوزت. [1]

فقال:

مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ

تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ

أي: هي امرأة دقيقة الخَصر، ضامرة البطن، وصدرها برّاق اللون ملألئ الصفاء كتلألؤ المرآة.

 

وجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ

إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلَا بِمُعَطَّلِ

يُشبّه عنقها حين ترفعه، بعنق الظبية حين لا يتجاوز قدره المحمود.

ويسترسل:

وَتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَا

نَؤُومُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ

ويقول أنَّ فتات المِسك يَكثُر على فِراشها، وهي مخدومة منعّمة تُخدَم ولا تَخدِم. [3]

وبعد أن ذكر جيدها وفرعها وكَشْحها، وساقها، وليونة أناملها، ووضَاءة وجهها، وطيبها إلى آخر ما يُشعرك أنه يُحدِّث عن واحدة من بنات الملوك، يُفاجئك مفاجأة ثانية حين ينتقل من هذه البهجة العالية مع هذه الصاحبة التي افتنَّ في وصفها، إلى وصف همٍّ يموجُ بهِ ليله كموجِ البحر، ويبلغ الغاية التي لم يبلغها شاعر في وصف الهمّ والليل:

 

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ

عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي

ثم إنه في تدقيقه، وتجويده بوصف الهمّ والليل، يوشك أن يُقنعك بأنَّ مَن ابتلعته أمواج هموم الليل ليس هو الذي تلهَّى بهذه المُهفْهفة البيضاء، ثم تراه يفاجئك مرة أخرى بالانسلال مِن تحت الهموم التي أرخت عليه سدولها، فتراه يَغتَدي على جواده والطير في أعشاشها، ويصف الفرس أحسن ما يكون الوصف، ويصف سرب النعاج أحسن ما يكون الوصف، ثم ينتقل إلى ذِكر البرق والمطر ويعود إلى خطاب الصاحب كما بدأ بخطابه، ويذكر أحوال المطر من جهة أثره في الأمكنة، فيُحدث بذلك ضربًا من المشابهة بين ما بدأ به وما انتهى إليه.

 

فنجد امرأ القيس أذاب هذه المكونات المختلفة من ذكر النساء، وذكر الهم، وذكر الصيد، وذكر البرق، ومزجها مزجًا واحدًا بكلمة واحدة، ذكرها في أول القصيدة وهي كلمة “ذكرى” فأدخل هذا كله من باب الذكرى وجعل الكل معلقًا بها. [1]

 

 

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي